محمد عبدالملك - كاتب عزرائيل.. قصة قصيرة

سبعةُ أيام ٍ مرّت منذ أنْ أُحيل جبرين ، مؤذن جامع قريتنا ، للصالح العام ، و ها هي الجمعة الثانية التي لم يُصلّها أهل قريتنا جمعةً مباركةً ركعتين ، وهيَ هيَ الجمعة الثانية التي لم ينزل فيها كاتبُ عزرائيل ، مطفأ العينين ، من عند رأس المؤذن السابق المحتضر منذ الجمعة الفائتة . سبعةُ أيامٍ ظل فيها الكاتبُ مطفأُ العينين يبعث بأعوانه لمساعدة محتضرين أقل شأناً معلّقةً أرواحهم في سماوات قُرى الضّهَرة المنسية فيما بين قهبونة الحواشات البور ، بينما هو يمكث هنا يحدّقُ في دفتر سجل الموتى الأخضر المهترئ ولا يفتأ يطرفُ ، كمن يتهجّى ، بعينيه المطفأتين و يصيحُ ، برماً ، في أُذن المحتضر :-
- أشهدُ ألا إله إلا الله .
- ...... ... ( هِق . ثمّ .. ..صمت )
- تشهّد يا فاني .
- .......... (هِق . ثم ّ .... صمت )
- أقلِب الشهادة يا مخلوق .
- ........ ...( هِق. ثم ّ .... صمت )
ينادي ، هكذا ، ويصيح ولا موتَ ، بعدُ ، لمن يُنادي .
وهي ، أيضاً ، الجمعة الثانية التي تُصلى أربعُ ركعاتٍ ظهراً ، بسبب الإنقسام الحاد الذي تشهده القرية منذ أيامٍ ثمانيةٍ خلت ، ولم تخلو أحداثُهن بعدُ . وبعيداً عن هذا الإنقسام ، فقد كان عدد مقدّرٌ من المصلّين القدامى ينتظرون عند الراكوبة المنصوبة أمام غرفة الجالوص الوحيدة التي يرقد بداخلها جبرين محتضراً وعند رأسه ، وعلي المخدة المتّسخة ، يقرفصُ الرجلُ الذي كثيراً ما أرهقنا صعوداً وهبوطاً و نحنُ نأتي به من قريته الضائعة بين الحفاير والتُّرع والقناطر وأب عشارين ، ليخلّص أرواح المحتضرين الملطّخةِ بطحالب العَوَز والجائسةِ خلل مناخات الذاكرة بين مباهج السلّوكة وإيقاعات الكدنكة وميلودي الملود . ففي الجمعة التي شهّق فيها جبرين وهو مقعٍ ، بلا صِفةٍ بين المصلين ، وخطيبُ الجمعة الموفد من عاصمة الولاية يشحذ أوداجه بآيات الله . في تلكم اللحظات ، وحيث لا صوت يعلو فوق صوت الولاية ، كان جبرين يتتبعُ بنظره، من نافذة الجامع ، سحابتين من التّخا والعفرت تتمخطران في سماءِ عينة الجبهة وتتغنّجان حتى إذا ما تعانقتا جأر السماءُ بهزيم ِ رعدٍ مكتوم . عندها رفع جبرين عقيرته فوق أوداج الخطيب الغاضبة ، صائحاً متهللاً طرباً :-
- كييل يا مكاييل . هِيع .. هردامة . عشم العدامة .
وحين كرّ صدى الرعدُ راجعاً ..أردف :-
- هِيع .. هردامة .. ربَّايْة اليتامىَ .
سكت الإمام الخطيبُ مندهشاً حتى لتُسْمَعُ ضرباتُ القلوب ووجيبها ، بعدها انخرط جبرين في نوبة أبو الشّهْيَق ، ولحسن الحظ ... حظّه بالذات ، لم يلحظ العيون التي ، بعدما استوعب حاملوها ما حدث ، جحظت في وجهه دفعةً واحدة ، فقد مال جبرين وأسند رأسه علي كتف الذي يجاوره وأسلم روحه وديعةً معلّقةً في برزخٍ مختنقْ ثمّ شهق : هِق ودخل بعد ذلك في غيبوبةٍ لم يقطعها ، منذ أيامٍ سبعةٍ خلت ، سوي نويبات أبو الشّهْيَق المتواترة . أغلب العيون الجاحظة تلك كانت عيون المصلِّيين الرسميين الذين وفدوا من عاصمة الولاية بعد ما بلغهم أمر فوضى جامعنا التي شبّت أثر تصريحات جبرين الطريفة من أنّه ، وبحمد الله ، قد بلغَ الدرجة العُلا فبات ، إذ هو يؤذنُ ، يسمعُ ضُراط الشياطين كما هو واردُ بالحديث الشريف . ثمّ ما كان من إدّعاء الكثيرين من أهل قريتنا من أنّهم قد باتوا يسمعون ، أيضاً ، ما يسمع جبرين ثمّ ما حدث جراء ذلك من أمر انقسام أهل قريتنا وارتباك الصلاة في جامعها لأكثر من شهر حتى صحونا قبل أسبوعِ لنجد أمامنا إماماً ومؤذناً جديدين ضمن وفدٍ رسمي ٍ مازال قائماً بيننا يحصي علينا النّفَس .
انتدبنا الرسميون ، كما هي العادةُ دائماً حتى قبل أن يحلّوا بيننا أضيافاً ثقيلي الوطأة ، وصاح فينا إمام الولاية أن :اسرعوا إلينا بكاتب عزرائيل ليساعد أخاكم علي تسليم روحه:اسرعووا. اهرعووا واعو . ولمّا لاحظَ تلكؤنا صاح فينا بأوداجٍ متشحّطةٍ ممتلئةٍ دماً : هااااع ، فارتعبنا ثم :هااااااااع فارتدفنا : سعدٌ أنا وسعيدٌ أخي ، علي حمارنا العتيد العنيد ذي الظهر المدبّر ، تحاشينا الدَّبَرة وركبناه ، في عجلتنا تلك ، عارياً من اللِبد ، سعيدٌ أخي في المقدمة وفي المؤخرة أنا وبيينا الدّبَرةُ الدامية ، يمشي الحمار بنا الهوينى ونحن لا نني ، كلما دوّى في بهو أسماعنا صدى : هاااااااع ، نهمز اسفل بطنه بأقدامنا مع صيحاتنا المفجوعة : عّرت . لكأننا ذاهِبيْن لجلبِ طبيبٍ يُآسي مريضاً ، لا حضّارٍ ينزعُ الروح من برزخها المضطرب وينتهي بأنّ يضعها اسماً بين طيّات سجله الأخضر المهترئ .
* * * *
خطرتُ ، حين التقت العيون في التفاتة ، بذات الخاطر الذي خطرَ به أخي سعيد :- (إذا كان الموتُ حتماً فليكن من الله وفي حينه . وليكن جبرين هو الأخير في قائمة موتى الكاتب مطفأ العينين هذا . من قال أنّ عزرائيل يضل طريقه إلي طرائده ؟.. عزرائيل يعرف طريقه كما تعرف الضباعُ ضحاياها وكما يعرف الداءُ المقيت سويداءَ القلب ومهجته) . كحّ سعيد فأرتجّت صفحة بركة الخواطر في عينيه ، ثمّ تنحنح وعاوده الصفاء والوضوح وعاد يخطرُ وعدتُ أخطرُ ويتداخلُ خاطرانا :( حتى متى ندفّنُ أهلنا أحياء ... كم من الزمن سيمضي وجبرين ، من برزخه العاصف ، يتشبث بالحياة وتضجُّ ذاكرته بالمواسم ، الثرِّ منها والشحيح . أبد الدّهر لم ينم جبرينُ يوماً بين العشاء والفجر ، يجوب القرية يتسمّع أنين جوعاها ومرضاها وغنج أزواجها في أيام الصّرف ، والناس يعرفون ذلك ويقدّرون . لكن .. هل أخطأ جبرين حين أعلن أنه بات يسمع ضُّراط الشياطين كلما توغّلَ في نداءات الآذان للصلوات الخمس ، وهل أخطأ حين خلط الآذان بالضحك الذي يهتزُّ له جسده وتسكب له عيناه الدموع ! استهوت جبرين المسامع واستهوتنا إلا أنّ عاصمة الولاية لم يستهوها الضّحك الذي قيل لنا ، في بيانٍ رسمي ، أنه يميتُ القلبَ و يوسعُ الدُّبر. خصوصاً تلك اللحظة التي تقام فيها الصلاة فينفجر جبرين بالضحك وننفجرُ خلفه، في البداية كان الأمرُ طريفاً ولكن حين انضم لجبرين آخرون غدا الأمر مزعجاً لبعض أهل قريتنا ممن ظنّوا أنّهم مستهدفون بهذا المحفل الضاحك حتى أعلنت عاصمة الولاية ‘ في بيانٍ تالٍ ، أنها : ترقبُ الوضع الأمني المتدهورعن كثب . جبرين قال أنه لم يعد يسمع تكبيرة الإحرام من فرط الضُّراط . وحين زجره الفتى اليافعُ ،ممثل الرسميين بالقرية ، احتجّ جبرين عليه بالحديث النبوي فانقهم الرسميُّ ذاك .
انفرد سعيدٌ بالخاطر وبقيتُ أرقبه مُأمِّناً :( عشوشة.المرأةُ العصا المكسوّةُ جلداً.الوحيدةُ المقطوعة من شجرة حنّاء ، حين فتك بجسدها داءُ الحنكلو أبو حكاً حلو ، تشبثت بذكرياتها وأمعنت في الحياة وعند قائم عنقريب موتها الذي عليه ترقدُ محتضرةً جلس كاتبُ عزرائيل يلقنها ويأمرها أن تقلب الشهادة خلفه : أشهدُ ألا إله إلا الله . وعشوشةُ سادرةً في متعة الحك اللذيد تحُكُّ تحكُّ حتى تومض عيناها باللذة فتبتسم ، والكاتبُ ، مطفأ العينين ، يهدر ويبرطم : يا مسهّل خروج الروح .. سهِّل لأمتِك الغلبانة . والأمَةُ الغلبانةُ في فضّة متعتها ، تتمنّع علي الموت الذي يلفُ ويدور ولا يجدُ منفذاً ، فيتخبطُ في ضلالٍ أعمى حتى كان اليوم السابع عشر حين لم تجد عشوشةُ شيئاً باقياً تحكه فحكّت ، بلذةٍ غير معتادةٍ ، روحها وكشطتها فعبق أريجُ الحنّاء فاغماً طاغياً في سائر الضّهْرَة . دفناها وهي ما زالت تحكُّ روحها ، بل هي تابعت فعل ذلك بين باحة لحدها وردهات قبرها ) .
أطال الحمار تشمّمه لبعرةٍ في الطريق فانتهرْته : عرت . صفَق أُذنيه فتطايرت خواطره : ( ويح قلبي عليك ، يا ابن آدم . ويح قلبي .. ) .طردتُ خواطر الحمار وعدتُ سريعاً للحاق بخواطر أخي سعيد الذي واصل : (...أما خيرالسيد ، فقد صعد الكاتبُ ، مطفأ العينين ، شهراً عند رأسه لا يجد مَمْسَكاً لخيط روحه فيسلّمها عزرائيل ، كان الكاتبُ يجهدُ في تصفية شؤون الميت الدنيوية إضافة لتلقينه قلب الشهادة توطئةً لتسوية شؤون ما بعد الموت أيضاً ، فكان يطلب من المحتضر أن يطلّق ، ثلاثاً ، زوجته الفتية الجميلة .. يصيح في إذنه :-
- طلّق وتشهّد .
ومن تخوم الموت يرد عليه المحتضر الماكر:-
- هه ...أطلّق ؟ بعد ما لبّنت أدّيها الطير .. !! أطلّق ... هه ؟ ماااا بطلِق .
فيعاود كاتب عزرائيل البحث عن مداخل آخرى لتلك الروح اللزجة حتى صاح ، في اليوم الأخير ، برماً :-
- دي روح وللا سمكة في موية !!
الفرصة الوحيدة كانت حين عطس خيرالسيد فقبض الكاتبُ خيط عطسته وظنّ ، واهماً ، أنّه قد أمسك روحه ، فكسّر ، علي عجلٍ ، عينيه ، وحدّق في دفتره الأخضرالمُهترئ ثم أمر الناسَ أنْ إمضوا في البرود والتكفين والتشييع . ومضينا . عند حافة القبر ، وفي اللحظة التي كنّا نهم بإنزاله في اللحد ، ثنى خيرُالسيد ركبته اليمنى وتأوه ثمّ رفع يدهُ طالباً : سفّة . عدنا به الأدراج ، بعضنا يسنّده . آخرون حملوا عنقريب الجنازة وبرشها وتخاطف العراةُ منّا الكفنَ . مكث فينا خيرالسيد شهراً يحاول أن يقلّب عينيه المكسِّرتين بماء الموت الآسن ، ينظر في عيونِنا وعيونُنا تتحاشاهُ ، حتى قُبض عليه بعد ذلك بشهرٍ في ليلةٍ قمراء ممتلئاً مريسة ً نخب عين الديك وقد امتطى زوجته المطلّقةِ ثلاثاً ، بحكم موتٍ زائف ، وهي في بيت أبيها وبين أخواتها تصرخُ بلذّة جماع الموت). وحين انشغل سعيدٌ أخي برسن الحمار المكادي يشدّه ويرخيه ، خطفتُ أنا الخاطرة بكل حزنها وبشاعتها : ( جئَ بخيرالسيد ، هذه المرّة ، من عاصمة الولاية مخفوراً ، ماشياً علي رجليه وراسفاً في الأغلال ، والكاتبُ ، مطفأ العينين ، يقعي غير بعيدٍ متأبطاً سجل الموتى المهترئ ، قربه يقف لوري هوستن محملاً بالحجارة . حفروا ، وسط المقبرة ، قبراً رأسياً ثم نادى فينا موفد الولاية أن : هلموا لرجم الزانيَ المُحصن . هلمووووا . دفنوا خيرالسيد حياً إلا رأسه ولسانه الذي لم يكف عن السباب والبصق في وجه كاتب الموت الذي إنكفأ يحدّق ، مطفأ العينين ، في دفتره ثمّ تشهّد وأشار نحونا بيده اليُمنى فكانت شحنة الحجارة تتطايرُ صوب رأس خيرالسيد بينما لسانه السالق الفالق لا يفتأ يسب ويلعن حتى تهشّم الرأسُ مزِقاً . عندها رفع كاتبُ الموتِ يده فتوقّفنا ثم حدّق في دفتره وتنفّس الصعداء . جمعوا مزِقَ رأس خيرالسيد و أهالوا التراب عليه فاصبح ذلك قبره ظاهراً يُزار.) حين ارتفعت حرارتي لذكر البشاعة ارتجّت خواطري فانخرط خاطرُ الحمار: ( ويح قلبي ، يا ابن آدم ، ويح قلبي .. ) وخاطرُ أخي سعيد : (عدنا إلي بيوتنا لنبكي . لم نبكِ ولم نضحك بعدها ، لا مع بعضنا ولا لأنفسنا ، حتى اليوم الذي طلع علينا فيه جبرين المؤذن بطُرفة ضُّراط الشياطين ، فهربنا بها من الموت المُحدِق بنا ومن كاتبه المُحدّق في دفتره الأخضر المهترئ و .. نسيناهُ حتى ..)
* * * *
لا نذكر ، طيلة فترة الموت المتواتر علي قريتنا ، أن أرهقنا مجئ أو ذهاب كاتب الموت كما أرهقنا هذه المرّة ، ونحن نخوض في تقاطعات الخواطر، ترفعنا ترعةٌ قاحلة وتخفضنا ميعةٌ ماحلة ، وحمارنا يتلكعُ وينفضُ أذنيه كلما علق خاطره بخاطرينا، أنا سعد وأخي سعيد ، لكأنه يباعدُ بين المحتضر وأجله المطوي بين سجلات الكاتب مطفأ العينين الذي ما أن أبلغناه حتى بدا عارفاً بأكثر منّا حال المحتضر واستطاع أن يشخّص حالة موته ويحدّدُ ، بقياساتٍ دقيقةٍ خطّطها علي دفتره ، بُعدَ أظافرعزرائيل عن مهجة ذلك التّعِس ، وكان كأن ما احتاط لكل ما يمكن أنْ يؤخّر وصوله ، تركناه يضع زملة خُرجه علي ظهر حمارنا ثم يركبه دون إذننا . مشينا معه راجلين مطرقين : سعيدُ يشد رسن الحمار وأنا أدفعه من خلفه والحمار لا ينفك يتواطأُ مع الحياة بأن جعل يستغرقُ واقفاً متأملاً عند كل بعرةٍ في الطريق يشمها ويقلّب شفته العليا لأعلي ويردفها بالسفلي ، ثم يباعد بين فخديه . كنا ، سعدُ أنا وسعيدٌ أخي ، حزينين غير أننا كنا سعيدين في ذات الآن لهذا التواطؤ ، لكن الصدمة كانت لنا كبيرةً حين ترجّل الرجل ، مطفأ العينين ، بكل بصيرةٍ وأخرج من ثنايا خُرجه لفافةً ، عطسنا ما أن فتحها ، وقبل أن ندرك أنّ تلك الصُرّة الملفوفة ، لم تكن تحوي غير شطةٍ كافرةٍ نخب القبانيت ، كان قد دفسها في است حمارنا المنكوب فانطلق هذا يسابق الموت ، وحين اشتبك خاطرانا الجريحان ، خاطري أنا سعدٌ وخاطرُ أخي سعيد ، كان الحمار، كإرتداد الطرف ، قد دلف منفجّطاً عائراً في دروب قريتنا ، وكإرتداد الطرف أيضاً كان كاتب عزرائيل قد صعد عند رأس جبرين بعد أن جرده بيدٍ متمرّسةٍ من ساعة الجوفيال العتيقة ذات الكتينة السوداء التي كانت دالة مجده في زمنٍ مضى ، يستعينُ بها علي مواقيت الصلاة وآذانها وتعينه في الصعود علي سلم تراتب قريتنا الإجتماعي ، ثم بسرعة البرق ، كان قد مسح علي وجه المحتضر ثم أخذ في تلقينه الشهادة بصوتٍ غليظٍ فظٍ وهو يحدّق في دفتر سجل الموتى أحياناً وأحياناً يقطّر ماءً في فم المحتضر من خرقةٍ يبللها من ماء الإبريق المُشرئبِّ جواره . لسبعةِ أيامٍ داوم كاتبُ عزرائيل ، مطفأ العينين ، علي التربّص بروح المحتضر فتماطله فيتربّصُ بها حتى رأيناه ، مساء هذا اليوم ، يمد يده العمياءَ ، وقد استشاط غضباً ، يكوّرها ثم يقوّسها كقُمعٍ و يضعها في أنف وفم المحتضر ثم يسحب هواءً وهمياً سمع الجميع معه شهقةً متطاولةً ثم سمعوا شيئاً كارتطام الحجاب الحاجز بسقف الحلق وكاتب الموت يتصبّبُ عرقاً وينتصب واقفاً ساحباً بيدٍ خيط الهواء وباليد الأخرى يفسحُ الطريق لشبحٍ تعرّفنا علي مروره بتثاقل ذرات الهواء بيننا وزيادة كثافته ثم راينا ،كاتب عزرائيل ، ينزعُ نزعةَ قويةً كمن يشدُّ حبل تيلٍ متينٍ انقطع الحبلُ فجأةً وسقط علي ظهره . ران الصمتُ المثقل بعدها وانقطعت نوبات أبو الشِّهْيق لأول مرّة منذ سبعةِ أيام ، كان الصمتُ شفافاً كأنما تُرَىَ خفقاتُ القلوب . توقّفت نوبات أبو الشّهيق وانطلقت النسوة من خلف جدارغرفة الجالوص مولولاتٍ ثاكلاتٍ نائحات .
إذاً .. مات جبرين ، مات الذي أضحكنا لشهرٍمضى بعد أعوامٍ مكفهرّةٍ عابسةٍ عشناها . في تلك اللحظة ، لحظة موته بالذات ، قررنا : أنا سعد وأخي سعيد ، أن نقتل كاتب الموت ، مُطفأ العينين . لم يقل لي شيئاً سعيد ولم أقل له شيئاً أنا ، لكننا ، بالتخاطر وحده ، اتفقنا وقرّرنا : سنقتله .
حين مضى الناسُ إلي المقبرة ، كنا نتبعُ حمارنا الذي ركبه ، وفي موضع الدّبَرة الدامية منه ، كاتبُ الموت ، مطفأ العينين والذي علينا أن نعيده ، أخيراً، إلي قريته الضائعة في سُدف الظلام . تحسّس سعيدٌ أخي خنجره وتحسستُ أنا فأسي الذي أخفيه بين طيات ثيابي . الحمارُ يخبُّ من ألم الدَّبَرة ولا يحتاج محرّضاً . خارج القرية وحين بدأت الأضواء تخنس شيئاً فشيئا سحب سعيد ٌ رسن الحمار وأوقفه ثم استلَّ خنجره . لمعت ، في الظلام ، عينا كاتب الموت المطفأتين فجأةً فسقط خنجر سعيد ، شهرتُ أنا فأسي . لوهلةٍ تردّدتُ أمام فكرة أن أكون قاتلاً ، لكن ، و قبل أن يرمقني الرجلُ بوميض عينيه المطفأتين عاجلته بوكزةٍ أسقطته من علي ظهر الحمار وقلبتُه لجهةِ الدُبر، سعيدٌ بدا خائراً ومرتعباً أمام سلطة الموت الأعمى ، أنا كنتُ غضبانا وكانت اللحظة مشحونة ، تلاقت عيناي بعيني سعيد فتفاديتهما ، أخذتُ الرسن وربطتُ الرجل ، وثيقاً ، من يديه إلي صلب الحمار ، أخرج سعيدٌ لفافاتٍ من شطة الدنقابة والقبانيت ولفافاتٍ ولفافاتٍ وخِرقٍ من خُرْج الموت ، عطستُ أنا إثرها وكحّ سعيد ،قذفتُ ،بعيداً ، بدفتر سجل الموتى المهترئ ثمّ دفستُ محتوى لفافةٍ كاملةًٍ في است الرجل وسعّطُه سعيدٌ فطفِق يصيح ،دفستُ بعدها محتوى ثلاث لفافات تزن أكثر من أربعة أرطالٍ في است الحمار المكادي فنهق ثم ضرط ثمّ نهق ثمّ انطلق كأنّه عفريتٌ من الجنِّ يجرّ خلفه كاتب عزرائيل الذي ملأ الفضاء صراخاً . اختلط الصراخُ بعويل القرية الذي بتنا نسمعه متقطّعاً . وقفنا ننظرُ بغضبٍ وحزنٍ ، خلل الظلام ، لغبار الحمار الثائر. تخاصَرنا ، انا سعدٌ وأخي سعيد ، ونحنُ علي وشك البُكاء ، ثمّ قفلنا عائدين ، نمشي مثقلين وقد ثبّتنا أنظارنا بنجمةٍ بعيدةٍ تلمع في الأفق بزغ من تحتها القمرُ صافياً كينبوعٍ معلّقٍ في السماء يوشك أن ينسكب ، ننظر في صفحته ، وهو يصعدُ ، فلا نرى فيها سوى صورة حمارنا العتيد العنيد ذي الظهر المتقرّح .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى