علي حسين - فـي صحبة الكتب.. اسمحوا لي ان أقدم لكم نفسي: أنا البير كامو (2)

الى رئيس التحرير مجلة الأزمنة الحديثة :
" لم تكن صداقتنا بالأمر الهين ، بيد انني سافقدها ، اذا انهيتها انت في اللحظة التي سمحت فيها بالاساءة المباشرة لي ، فذلك يعني دون شك انه كان ضروريا ان تنتهي ، امور كثيرة جذبتنا كلينا للآخر وقليل منها فرّق بيننا ، ولكن هذا القليل على قلته كان ولا يزال كثيراً جدا".

هذه الرسالة التي ارسلها صاحبها عام 1951 ، انهت صداقة بين اثنين من اشهر فلاسفة ومفكري القرن العشرين ، وهما جان بول سارتر والبير كامو.
يتذكر كامو في دفاتر ملاحظاته التي صدرت ترجمتها العربية قبل عامين ، بثلاثة اجزاء ، ان علاقته بسارتر بدأت العام 1938 حين اكتشفه بالصدفة بعد ان اهداه صديق جزائري رواية : "الغثيان" ، ما ان اغلق الصفحة الاخيرة من الرواية حتى قرر الكتابة عنها ، آنذاك كان ينشر مقالات متفرقة في الصحف الجزائرية الناطقة بالفرنسية ، يظهر المقال تحت عنوان "درس في الادب" : "هذه اول رواية من كاتب لنا ان نتوقع منه كل شيء ، يالها من سكينة طبيعية جدا عند الحدود البعيدة للفكر الواعي ، ويالها من مؤشرات دالة على مواهب غير محدودية ، ونرى في كل هذا اساسا مكينا لكي نرحب بالغثيان باعتبارها اول الغيث في عقل اصيل مفعم حيوية ونشاطا ، ما يجعلنا نتحرق شوقا الى الآتي من دروسه". لم يكن كامو قرر بعد ان يتجه لكتابة الرواية ، فقد كان يهوى النقد الادبي ، ونشر عددا من المقالات عن كتب صدرت حديثا مثل "المزيفون" لاندريه جيد ، و"باهينا" لجورج امادو ، و"الاوراق القاحلة" لهكسلي ، لكن انطوان روكتان بطل "الغثيان" جعله يسدل الستار على دور الناقد ، ليفتح الباب امام عالم الرواية الساحر . كان سارتر آنذاك يبلغ الثانية والثلاثين من عمره ، لم يصدر له من قبل سوى كتاب واحد بعنوان "التخيل" ، حاول فيه ان يقدم تفسيرا فرنسيا لفلسفة الالماني هوسرل ، ثاني اثنين يعشقهما سارتر ، ويعتبرهما اساتذته ، الاول طبعا هيدجر .
ومثلما حولت "الغثيان" سارتر من فيلسوف مبتدئ الى واحد من اشهر كتاب فرنسا ، استطاعت الرواية نفسها وبعباراتها المثيرة ان تستفز الشاب كامو ليصدر بعد عامين روايته "الغريب" التي عجلت بحصوله على نوبل عام 1957 ، قبل ان يحصل عليها معلمه سارتر عام 1964 ، وقد قيل انذاك ان احد أسباب رفض سارتر لها ان القائمين على الجائزة قدموا تلميذه عليه.
كان عرض كامو لرواية "الغثيان" ينطوي على اعجاب كبير ، ومثلما تحكي رواية سارتر الشهيرة تحطم الحياة الهادئة لبطلها روكتان ، فإن "الغريب" تتناول عبء الحياة اليومية على بطلها ميرسو ، يكتب كامو في دفتر ملاحظاته : " انه فكر مليا ببطل الغثيان ووجده قريبا الى نفسه ، انها اول رواية تعبر عنا بالصور الذهنية ".
بعد سنوات يلتقي الشاب كامو بالمعلم سارتر ، اللقاء عام 1943 ، تم عند افتتاح مسرحية سارتر الشهيرة "الذباب" ، تقول سيمون دي بوفوار :" كنت اقف مع سارتر حين اقبل علينا شاب وسيم وقدم نفسه : انا البير كامو ، كنت قد قرات له باعجاب روايته الغريب ، وطلبت من سارتر ان يقراها ." وتضيف بوفوار:" لقد وجدنا فيه شخصا جديرا بالحب " .
**********
"..او ربما كان ذلك بالامس ، لا ادري على وجه التحديد ، تلقيت برقية من البيت مؤادها ( امك ماتت .. الجنازة غدا ) ولا يعني هذا اي شيء ، اذ ربما كان ذلك بالامس " ، يقرر ان يذهب لدفنها وهو حزين ، لكن بلا شعور بالاهتمام ، ثم يعود الى المدينة ليقابل الفتاة التي يحبها ، ويذهب معها الى السينما ، ثم يذهب مع صديقه الى ساحل البحر ، فيفاجأ ببعض الاشخاص يهددونهم بسكين ، ياخذ ميرسو من صديقه المسدس الذي يحمله خوفا من ان يتورط بجريمة قتل ، ويفترق الصديقان ، لكن ميرسو يلتقي صدفة من جديد بأعداء صديقه ، ويشهر احدهم سكينا، ويشاهد لمعان نصل السكين في الشمس التي تضرب اشعتها عينيه ، فيخرج المسدس ويطلق رصاصة على حامل السكين . "صدفة سخيفة" هكذا يقول للقضاة عندما حاكموه ، وهو يشرح لهم كيف انه ذهب لدفن امه ، ثم شاهد فيلما سينمائيا والتقى بصديقته ، واطلق الرصاص من دون سبب ، وتقرر المحكمة انه يستحق الاعدام رغم تعاطف المحلفين معه . في اليوم التالي تصفق باريس للكاتب الجديد الذي يريد ان يقول ان مأساة الانسان المعاصر تتلخص في عبث الحياة الذي نعيشه كل يوم ، رواية لا بداية لها ولا نهاية ، لكنها تعكس التحولات التي تجري على حياة الناس كل يوم .
" اما انا فقد كنت أصغي وأسمع انهم يرونني شخصاً ذكياً ، لكنني لم اكن افهم جيدا كيف يمكن ان تصبح سمات شخص عادي تهما فادحة " . تقول جيرمين بري في كتابها " البير كامو " : "ربما كان كامو يفكر في سارتر عندما خط هذه السطور من روايته الغريب ، غير انها تنطبق عليه شخصيا ، كأنه كان يتنبأ بما سيقدمه للناس " .
بعد عام على صدور "الغريب" يكتب سارتر في الاعداد الاولى من مجلة الأزمنة الحديثة :" ليست الجريمة الحقيقية هي ما يحاكم ميرسو عليه ، بل هي جريمة اخرى سيفهمها فهما تاما في النهاية، عندما يدرك مستوى جديدا من الوعي ، ان رواية الغريب عمل كلاسيكي منهجي مؤلف عن العبث وضد العبث " . قبل ذلك كان سارتر قد قرأ "اسطورة سيزيف" وهو يعد مسودات كتابه الكبير "الوجود والعدم" فيقرر ان ينشر مقالا مطولا عن كامو وسيزيفه فيكتب :"العبث ليس كامنا في الانسان ولا في العالم اذا ما فكرنا في كل منهما بمعزل عن الآخر ، ولكن حيث ان الخاصية المهيمنة للانسان هي الوجود في العالم ، فان العبث في النهاية جزء لا انفصال له عن الظرف البشري ، ومن ثم لنقل بادئ ذي بدء ان العبث ليس موضوع فكرة مجردة ، وانما يتكشف لنا في استنارة باعثة على الحزن ، الاستيقاظ والتنقل بالسيارة واربع ساعات عمل وغداء ونوم والاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس والجمعة والسبت على النمط نفسه ، ثم فجأة ينهار المشهد ونجد انفسنا في حالة من وضوح الفكر العضال" . يكتشف سارتر في الغريب واسطورة سيزيف نمطا جديدا من الكتابة يستلهم الوجودية لكنه يخلطها بالعبث ، فيما بعد بسنوات يقول سارتر:"الشعور بالعبث يسطع وجه الانسان عند اية زاوية من زوايا الطريق" ونجد في صفحات اسطورة سيزيف كلمات قريبة ممما قاله بطل الغثيان ، واذا قلبنا الصفحة الاولى من كتاب كامو سنجد اسم رواية سارتر يشار اليه بشكل واضح :" هذا الغثيان كما يسميه كاتب من كتاب اليوم هو ايضا العبث ."
**********
تكتب سيمون دي بوفوار : " كان كامو قبل خلافه مع سارتر هو الشخص الذي نجد في صحبته مصدرا للاستمتاع والمرح الى اقصى حد ، رأينا في علاقتنا به صفقة كبيرة اذ تبادلنا قصصا لاحصر لها ، كان بسيطا يفيض مرحا ، لكنه في المقابل كان يتحرق شوقا للنجاح والشهرة ولم يكن يخفي هذا ، واعتاد بين الحين والاخر ان يبدو في صورة الشاب الطموح على الرغم من انه معدم لكنه كان بسيطا رائق المزاج " .
هذا الذي كتبته دي بوفوار كان قد نشر في كتابها الشبيه بالسيرة الذاتية "قوة الاشياء" وفيه نراها كثيرا ما تردد اسم كامو وتبدو كانها معنية بافكارة وتطوره الادبي والفني ، ونكتشف في خفايا اوراق دي بوفوار انها حاولت ان تقدم نفسها كعاشقة لكنه صدها ما دفعها لأن تكتب في صفحات اخرى من الكتاب :" انه فظ فج ضيق الصدر " ، ولم تعرف انه راى فيها امراة غير جذابه وانه قال يوما لميرلوبونتي :" ماذا عساها ان تقول وهي على الوسادة ، يالهول مثل هذه الامرأة المثقفة الثرثارة ، انها شيء غير محتمل" . كانت تعرف ان سارتر معجب بكامو الاديب ، وان هذا الشاب الجزائري ينظر الى صاحب الغثيان نظرة التلميذ ، ووضعت وصفا مثيرا لها ولكامو ، بأنهما كانا في الايام الاولى يتنافسان على سارتر " كنا اشبه بكلبين يتناوبان قطعة عظم ، قطعة العظم هي سارتر وكلانا يريدها."
**********
ظل كتاب كامو الشهير "الانسان المتمرد" الذي صدر بالعربية عام 1965 ، لا يحظى بالاهتمام من القراء العرب الذين وجدوا في روايات صاحب "الغريب " ومسرحياته متعة تفوق كتبه الفلسفية التي انشغلوا عنها بما كتبه سارتر عن الوجودية وغرائبها ، ولم يعرف القارئ العربي للاسف كامو الفيلسوف حيث طغت صورة المعلم سارتر على صور معظم تلامذته وابناء جيله ، وظل هو وحده الذي يحظى بالاهتمام والمناقشة .. و"الإنسان المتمرد" الصادر عام 1951 اعتبره البعض اسهاما بارزا في النظرة المناهضة للماركسية ، واعتبره اخرون فهما جديدا للفكر اليساري يتصف بالحيوية والنقاء ، وكان من اهمية هذا الكتاب انه اثار هجوما عنيفا من قبل مجلة "الازمنة الحديثة"، وأصبح سببا في القطيعة الشهيرة مع سارتر .
كان الخلاف بين المعلم والتلميذ حديث باريس ، فقد ندد كامو في المتمرد بالاستبداد الستاليني ، وهاجم سارتر على نحو خفي لتعاطفه مع الحملة الستالينية ، وكما راى كامو فإن المتمرد لديه عقل مستقل في حين ان الثوري هو شخص تسلطي يعقلن القتل دائما ، وقد حاول كامو ان يبرهن ان العنف دائما غير مبرر حتى اذا كان وسيلة لغاية .
في اجتماعات هيئة تحرير "الأزمنة الحديثة" تجري مناقشات حامية حول المتمرد ، من منهم سيكتب نقدا عنه ؟ اخيرا وقع الاختيار على فرانسيس جانسون الذي كتب مقالة نقدية قاسية اكثر مما طلب منه سارتر ان تكون ، لكنه كرئيس تحرير للمجلة مررها دون اية اضافات او تعديل
شعر كامو بالخيانة وفي الرد الذي بعثه الى المجلة يعبر عن غضبه ازاء ما اعتبره تشويها فاضحا ومنافيا للذوق لكل ماجاء في كتابه "الانسان المتمرد" ، ورغم ان سارتر لم يكتب شيئا ضد الكتاب ، الا ان كامو ظل يعتقد ان محرر المجلة كتب المقال بوحي من سارتر: "اخيرا لا احد سوى صحيفتكم سيراوده التفكير في الطعن في الدعوى بأنه اذا كان ثمة تطور قد حدث من رواية الغريب الى الطاعون ، فان هذا التطور مضى في طريق الانسان المتمرد ، لكنكم تريدون ان تثبتوا للاسف انني في هذا الكتاب منفصل عن الواقع والتاريخ " . والمقال الذي نشر في 17 صفحة يغمز فيه كامو من قناة سارتر ويحاول ان يصور للقارئ ان كاتب مقال الهجوم على الانسان المتمرد هو سارتر لاغيره .
لم يسكت سارتر امام هذا الهجوم الشديد ، فأراد ان يقدم درسا قاسيا لتلميذه فيكتب مقالا مطولاً في الأزمنة الحديثة :"من المؤسف ان تضعني عن عمد امام محكمة وبمثل هذه اللهجة القبيحة ، بحيث أصبحت عاجزا عن التزام الصمت من دون ان افقد ماء وجهي ، لذلك سوف اجيبك من دون غضب ، ولكن في اسهاب لاول مرة منذ عرفتك . ان جمعك بين تصورات كئيبة وموقف هش حال دائما بينك وبين الناس ، واطلاعك على الحقيقة من دون تجميل او مواربة ، والنتيجة انك اصبحت ضحية زهو اخرق ، يخفي مشكلاتك التي تطوي عليها صدرك .. عاجلا ام اجلا سيخبرك احدهم بهذا ، وربما من الافضل ان اكون انا ."
كانت رسالة كامو حادة ، فجاء رد سارتر موجعا . تتذكر سيمون دي بوفوار ان انقطاع العلاقات بين سارتر وكامو كان اشبه بنهاية قصة حب ، وهي تعترف انها انحازت الى سارتر وستكتب في قوة الاشياء : " كامو الذي كان عزيزا علي لم يعد له وجود بالنسبة لي. "
منذ عام 1951 لم يتحدث سارتر ولا بوفوار مع كامو ، لكنهم كتبوا عنه يوم وفاته بحادث سيارة مقالين منفصلين كانا غاية في الرقة والوفاء لصديق سنوات الخوف والحرية والبهجة، كما وصفه سارتر في نعيه.
**********
في نهاية عام 1959 تنشر غاليمار رواية كامو الاخيرة التي كانت اشبه بالسيرة الذاتية ، ولأنه لا يزال يعتبر ان سيمون دي بوفوار ليست طرفا في الخلاف مع سارتر ارسل لها نسخة من الكتاب مع اهداء يقول فيه :"اعرف انك لن تقرئي هذا الكتاب الان ، لكنه سيثير اهتمامك في يوم من الايام" . لم يكن كامو يعرف انه يتنأ بنهاية خلافه مع سارتر وبوفوار فبعد اسابيع قليلة يسافر مع صديقه صاحب دار النشر الشهيرة غاليمار ، وفي الطريق تفلت السيارة من السيطرة وترتطم بشجرة ، صباح اليوم التالي كانت بوفوار تجلس كعادتها تقرا في الصحف صمت ، لتقع عينها على صورة كامو مضرجا بدمه ، مع عنوان كبير : "مات المتمرد ."
**********
" يمثل كامو في هذا القرن ،وضد حركة التاريخ ، الوريث المعاصر لتلك السلسلة الطويلة من فلاسفة الاخلاق الذين قد تشكل اعمالهم الاكثر اصالة في الكتابات الفرنسية ، ففي صفائها وبساطتها وحسيتها شنت نزعته الانسانية العنيدة حربا غير مضمونة العواقب على احداث ذلك الزمان، ولكنه على غير ذلك استطاع بصرامة مواقفه الرافضة ان يشدد على وجود الحقيقة الاخلاقية في قلب الحقيقة التاريخية التي نعيش فيها ، ضد انصار الميكافيلية وضد عجل الواقعية الذهبي" ، كانت هذه مرثية سارتر لكامو التي جاءت بعد ايام قليلة على رحيله ، ليقدم فيها اعتذارا عن سنوات الفراق والهجر والخصام و مراجعه لآرائه حول فيلسوف التمرد والعبث .
**********
في ساعات الصباح الباكرة تسللت من شقتها باتجاه المستشفى الذي نقلوا اليه جثمان كامو ، شاهدت حشدا كبيرا امام المستشفى ، خافت ان يعرفها البعض فتسللت من الباب الخلفي ، وصلت الى الغرفة ، لم تجد احد سوى ممرضة شابة طلبت منها ان تتركها لوحدها مع الميت، سحبت الشرشف شاهدت اثار الدماء واضحة على الوجه ، همت بالاستلقاء الى جانبه ، دخلت عليها الممرضة مسرعة :"ارجوك لاتفعلي ذلك" . كانت تشعر بألم رهيب ، حاولت ان تغمض عينيها، الا ان الممرضة اخبرتها ان هناك من يتقدم صوب الغرفة ، انسحبت بهدوء ، ذهبت مسرعة الى شقتها ، تجلس على مكتبها لتكتب . في الصباح تنشر صحيفة لبيراسيون على صفحتها الاولى مقالا بعنوان "سنواتنا مع البير كامو" بقلم : سيمون دي بوفوار.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى