1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

باسم عبد الحميد حمودي - أنكيدو.. آخر المغادرين.. قصة قصيرة

  1. قال كلكامش لصاحبه أنكيدو وهما يمشيان الهوينى بعد أن خرجا من حانة (ديك الجن) مرتاحين :(هذا هو الجو المنعش الذي ابحث عنه نخيل وهدوء شبه كامل ولا تسمع هنا سوى نقيق الضفادع كسمفونية ريفية ممتعة تختلط بحفيف الشجر المحيط)، كانا يسيران في غابة من النخيل واشجار البرتقال والليمون قرب قصر الملك غازي عند مفرق صدر الدغارة.

    من هنا يتفرع فرع الفرات الذي يسمى (شط الحلة) الى فرعين، احدهما يتجه جنوبا الى ناحية الدغارة ثم جلعة شخير التي تسمى رسمياناحية سومر ثم الى الزرفية مركز الشيخ صلال الموح (أحد قواد ثورة العشرين) فالى قضاء عفك وبعده الى ناحية آل بدير، حيث يضيع النهر متحولا الى سواق صغيرة، والفرع الثاني يتجه غرب فرع الدغارة الى مدينة الديوانية (عاصمة المحافظة) ومنها الى مدن الحمزة والرميثة وصولا الى السماوة. الى الشمال وفي وسط العراق يلتقي فرعا الفرات اللذان انشطرا الى فرعين شمالا عند سدة الهندية هما : شط الهندية وشط الحلة، يعودان نهرا واحدا وقد خرجت منه ساق وجداول متجها الى حيث اللقاء مع دجلة في كرمة علي ليكونا (شط العرب).

    كان أنكيدو وصاحبه قد قدما لسبب لانعرفه من كرمة علي الى منطقة صدر الدغارة قبل يومين، دخل كلكامش قصر الملك غازي الذي لم يدخله أحد منذ زمن بعيد لقدمه وضياع معظم اثاته القديم وتهتك خشبه وانسداد النافورة الوحيدة التي تتوسط ساحته…جلس كلكامش قليلا عند النافورة وأنكيدو يتأمله واقفا، قال كلكامش : (اجلس ياأخي، هنا ملك-اشار الى نفسه – باسما – يزور ملكا، فأين المشكلة ؟) قال أنكيدو : (قد تبعتك الى كل مكان طائعا والمشكلة في بقايا هذا القصر أنه مجرد بقايا. أين الملك والحاشية الهاشمية أين ؟) وقف كلكامش منزعجا ومشى خطوت وهو يتمتم (انك لا تفهم عواطفي.. هيا بنا).

    خرجا سوية دالفين الى حانة قريبة كان اسمها مشعا بالاضوية (ديك الجن..مطعم وخيال) ظهرت فجأة بين البساتين وقد أزدهرت داخلها أضوية وموسيقى خافتة وسلو دانس وشبان وشابات وصاحبة الحانة العجوز تجول بين الساقيات.. جلسا في ركن ينظران الى الدنيا الشابة الراقصة وعبا من الشراب ما استطاعا ثم خرجا والجميع لاه عنهما عدا مالكة الحانة التي سمحت لهما بالخروج دون أن يدفعا شيئا مانعة الحرس من التعرض لهما وقد ثقل مشيهما فهي تعرفهما جيدا.

    أستند أنكيدو الى جذع نخلة هرمة مقوسة وقد أزدادت عيناه حولا بفعل النشوة وقال (أريد أن أمسك القمر وأنا واقف هنا فشعاعه يقترب من يدي وهي ترتجف.. يا للمحنة ياأخي كلكامش. أين كنا في السابق ؟ ساعدني يا أخي أن امسك ضوء الفضة هذا، لقدوجدته مرسوما على رداء الساقية الفاتنة التي منعتني العجوز صاحبة الحانة من امساكها).

    ابتسم كلكامش وهويقول (اخي لا يجوز لك أن تتعدى الحدود وأنت الآن متعب تماما ولا تستطيع حتى أن تمشي فدع هواء البستان ينعشك لنستطيع المشي بعد ذلك).

    كان حارس البستان العجوز على مقربة منهما وقد أمسك برشاشته القديمة فكح كحة صديق ثم صاح (اعتدل يا سيد أنكيدو قليلا) هنا فزع انكيدو من هذا الصوت الخشن وحاول اخراج مسدسه الوبلي لكنه تعلق بمخزنه الجلدي ولم تستطع رجفة يد صاحبه ان تفعل شيئا فيما سحب كلكامش طبنجة جده اتونابشتم القديمة من مكمنها وصاح : (من هنا ؟) أجاب الحارس وهو يضحك (أنا فنش صديقك القديم يا حاج كلكامش شنو القضية ؟) لم يجبه كلكامش لكنه تذكره فيما استمر (فنش) محاورا وهو يبتسم: (الاتزالان تحلمان ايها الصديقان ؟ ماذا يفعل انكيدو العزيز بشعاع القمر ورداء الساقية ؟ هل تنفع الاحلام في زمن يجري كالسحر وتغير فيه الكثير، أنكما لا تريان شيئا وسط هذا الظلام الا ما يعطيه القمر من خيال… لقد تغضنت الارض وقل فيها النماء رغم المظاهر، تعالا الى الجرف لاغسل وجه انكيدو صديقي القديم).

    تعاون كلكامش مع السيد فنش في اسناد انكيدو الى جرف النهر حيث غسل الحارس العجوز وجهه الجميل المدمى وشعره الكث.

    سار فنش بصاحبيه القديمين الى كوخه القريب، دلفوا سوية، أشعل فنش فانوس الكوخ الوحيد فبدت ملامحه.. ثمة كراس من جريد النخيل وسقف من القوغ المدعوم بالطين اليابس وسرير غريب الشكل وقنينة غاز صغيرة ومنضدة عليها طباخ غازي منضدي واوان قليلة.

    قال فنش وهو يعد عدته :(0لاتوجد لدي قهوة اليوم ولكني سأسقيكما شايا من نوع جيد أجيد خلطه من عدة انواع أحصل عليها من السواق الاتراك الذين يمرون بي ويجدون عندي ما يشتهون.. بعد ان ينتشوا احصل منهم على معلبات وربما عسل ومرطبات غريبة، أجمعها وانقلها الى سلمان الدلال حيث يشتريها مني بثمن بخس.. أنا أعرف أنه يسرقني ولكن : ماذا افعل ؟ أنا اسرق الترك وسلمان يسرقني، والامور ماشية، أذ لم تعد أجور الحراسة تكفي للعيش).

    ضحك أنكيدو وهو يشعر بالراحة بعد كوب الشاي, وكان كلكامش يقلب مستغربا صفوف الكتب الموجودة على الأرض ومنها كتب : عبد الرحمن الربيعي وجان دمو وشريف حتاتة وأحمد خلف وعلي الوردي وسيد عويس وغازي العبادي ودواوين شعر لسامي مهدي ويوسف الصائغ ونجيب سرور ومحسن اطيمش وسعدي يوسف ومحفوظ داود والحاج زاير الدويج وعلي وجيه وسواهم.

    على منضدة صغيرة تمثال صغير لآشور بانيبال وفي مواجهته تمثال آخر لقزم أصلع يرتدي الدشداشة ضاحكا وهو يلوح بيديه الى لامكان أو أتجاه، وعلى المنضدة ذاتها مجموعة من علب الكبريت المتنوعة من المملكة المتحدة وبافاريا والمكسيك والنيبال وموناكو وجزر القمر وزنجبار قبل أن تضم الى تنزانيا ودول أخرى، كان كلكامش يمعن النظر بالكاد تحت ضوء الفانوس في هذه المقتنيات وأنكيدو يشرب قدح الشاي الثالث فيما قال فنش شارحا (أنا قارئ جيدوقد قرأت كل هذه الكتب وأستعدت القصائد مرارا وهذه علب الكبريت عبارة عن هدايا من نساء تلك الدول فقد كنت في سالف الزمن بحارا جبت الكثير من البلدان ).

    سأل انكيدو وقد صحا تماما (وهذ الاصلع البدين ؟) اجاب فنش وهو يبتسم (هذا تمثال صديقي خليلو قدمه لي شاكر حسن آل سعيد هدية صداقة… كان أشهر قزم في بغداد يعرف تفاصيل المقام كما يعرف انواع الطيور ويلعب الشطرنج بمهارة في مقهى البرلمان مع الصحفيين وقت الظهرامثال شاكر الجاكري وعبد القادر البراك وحميد رشيد وسليم البصون ومحمود الجندي وهاشم النعيمي..كنت اذهب بسيارتي الى بغداد واقف عند رصيف مقهى البرلمان أو أركنهافي الكراج قاصدا خليلو، نلعب لعبة واحدة وسط تعليقات شفتالو الساقي واغفو قليلا في في الفندق القريب، ومتى اقبل الليل يأتي خليلو ونذهب سوية حيث تغني عفيفة ثم نبحث عن مكان آخر مغنية وصلت الى بغداد : سهام رفقي أو نجاح سلام، فائزة أحمد أوملك وسواهن كثير، اضافة للعراقيات أيه ايام مضت وسنوات) قال ذلك متحسرا. هنا قال أنكيدو : (وانتهى بك الامر حارسا في بستان؟) احتج فنش قائلا (لم يكن الامر هكذا منذ زمن.. كنت أملك سيارة فورد جيدة اتنقل بها بين الديوانية والدغارة وقد اذهب الى جلعة شخير اذا كانت الاجرة جيدة.. ليلتها كنت عائدا منتشيا من الديوانية وكنت اغني ياعين موليتين والركاب يصفقون.. بعضهم كان يصفق، لكن أحدهم و وكان معلما حديث التخرج توسل لي أن أغني لحسن العبادي فغنيت) سأل كلكامش (وماذا قلت ؟) طفرت دمعة من عين فنش وهو يغني :

    الهوى ياناس مرمرنا وهدنا = وصحنا ياهوى اتركنا وهدنه
    نريد من السهر راحة وهدنه = كال الدمع صار الكم سجيه

    كان فنش ينشد بصوته الاجش وقد اختلج صوته وساح دمعه فيما كانت أصوات السيارات المارة بالكوخ الى حانة ديك الجن المجاورة للطريق المؤدي الى قصر الملك القديم تجعله يستذكر ماضيه السمهدان الذي فيه اللعب الحر بالحياة.

    ةقال له أنكيدو وهو يقبله : (ابك يافنش، أبك، فكل سواق السبارات الذين يمرون الان كانوا صبية لديك هنا والظاهر أن صاحب هذا البستان السيد حارث ابو العزام،، انا اعرف كرمه وخلقه الرائع قد فعل خيرا عندما أجلسك هنا لتحرس بستانه وتتخلص من مهنة لم تعد تستطيع الطارئين فيها اليس كذلك كما يقول حسن معوض وصباح ناهي ؟

    قال فنش وهويختلج بدمعه وقد بدأ يخفف من بكائه تدريجيا :(كنت أغني بيت العبادي مرتاحا، كان صوت العبادي شامخا عظيما يأسر القلب مثل حياة صاحبه الذي بلغ التسعين وهو يغني عند (آل معن). فجأة لاح ضوء شديد البريق امامي برز كالقدر. كنت أقود سيارتي وأنا انشد. كان الطريق واسعا وعندما ظهر الضوء باغتني وتحول الطريق الى خرم أبرة فوجدت نفسي مثل حباب الماء التي تطير الى الضوء أو مثل نحلة عجوز ظلت طريقها. التقيت بالضوء ولم أفق بعد هذا الا وأنا في المستشفى برعاية الاطباء الكبار فيصل الحويزي وسحبان الخفاجي وجان يوسف ووليد الحديثي، واستطاع الاساتذة انقاذي، كانوا قد عملوا سابقا بالدغارة وقد ابرق لهم ابو عزام فقدموا فهم يعرفونني جيدا واستطاعوا معالجتي، كان قد قدم مع من زارني من اهالي الدغارة وعفك والحي والزرفية صديقي القديم باسم حمودي أبو شهرزاد الذي كان يعمل مديرا للثانوية حتى 1973، كان قد سمع الخبر من صديقه عباس راضي فاٍسرع ليكون الى جانبي حتى استدعي الى بغداد فودعني مشفقا وعادني مرارا في هذا البستان, وما زال الدكاترة يمرون بي متى ما زاروا المنطقة… المهم أني شفيت ودفع ابو العزام كل النفقات واصر أن يشتري لي سيارة جديدة لكني رفضت فاشترى لي بيتا صغيرا وضعت اهلي فيه وانتقلت الى هذا البستان لاعمل حارسا، وحيدا كما خلقني الاله وكما أريد.. والوحيدان اللذان لم يزوراني..) وسكت فنش فاكمل أنكيدو :(نحن، نعرف هذا لكننا كنا في شغل دائم خارج البلد.. كنا في البحرين حيث مساكن اجداد كلكامش في

    جزيرة تيلوس وأوال والعلى، حيث اسهمنا مع المنقبين والكتاب في البحث عن اللقى وفي رواية اساطير الخليقة القديمة.. اننا نعمل يافنش ايها العم العزيز).

    اضاف كلكامش : (عندما علمنا بواقعتك كنا قد عدنا الى البصرة قبل ايام ذهبنا الى محمد خضير صديقنا العزيز واستضافنا اياما هو وجميل الشبيبي وجلسنا مع ا لكاسور سعد اليابس لساعات ونحن نبكي عيك وهو يعزف.. لم نكن نريد أن نراك بغير الهيئة التي نعرف وقررنا ألا نراك أبدا حتى لا تتشوه صورتك أمامنا، لكننا وصلنا قصر الملك غازي دون أن نعرف أنك هنا.. حصل خير يافنش.. حصل خير) وتهدج صوت كلكامش، قام فنش وقبلهما ثم جلس وقال :

    – قد حميتما فعلا تقاليد الفرسان العريقة ما دمتما قررتما الا ترياني مشوها، لكني كنت أتذكركما وأنا اغني للشيخ ( خزعل) بيته :

    اضلوعي حنيت الباسور حنيت = او لعد جتلي اجفونك عمد حنيت
    حنين النيب بالبيداء حنيت = عليك أولا انكسر قلبك عليه

    ثم قال : كانت واحدة من الطبيبات الشابات تقف عند باب الردهة وتمسك بيدها ورقة كلينكس وتنشف اللؤلؤالذي يتساقط من بين هدبيها، وغنيت لها بيتا آخرلعبادي فركضت باكية أو هكذا تصورت، في اليوم التالي جاءت لتقيس الحرارة، امسكت يدها الرقيقة البضة وطلبت منها أن تقودني الى حديقة المستشفى، سحبت يدها بسرعة ونادت لجلب عربة وضعتني فيها برفق وقادتني الى حيث الحديقة، جلست قربي وطلبت مني اعادة (اضلوعي حنيت الباسور) وسألتني عن شاعره فقلت لها انه الامير خزعل وانشدتها اياه بصوت خافت ثم استزادتني فغنيت :

    ترف ناديت مشروبي علي مر = جفاني وحمسه لكلبي علي مر
    ايده بأيد محبوبي علي مر = ايغامز والشماته اثرت بيه

    وهو لعبد الامير الطويرجاوي، كانت الطبيبة متهدجة الصوت عندما قالت انه لم يغامز فقد فعل الاكبر وتزوج واحدة معنا في المستشفى، رجوتها أن تتناساه وأن لاتبقي له اثرا في قلبها قالت (د. هالة):

    الظلم من شيم النفوس فان تجد ذي عفة فلعلة لا يظلم

    هكذا قال السابقون وانا مؤمنة بهذا وبدوام استمرار جرحي )

    في اليوم التالي ليلا وكان يوم جمعة جلسنا في الحديقة وقد جلبت هالة معها فاكهة وعصائر قلت لها اني ساطعم من الفاكهة ولكن معي عصيري الخاص الذي جلبه لي مهدون من سوق الديوانية، لم تمانع هالة وقصت علي حكاية يتمها وزواج امها من رجل آخر وهي في الخامس الاعدادي ورعاية جدتها لها حتى تخرجها في كلية الطب وهي في حرمان دائم من كثير تتمناه الفتيات، لكنهاكانت تبذل الكثير لتتفوق وتعوض ذاتها وجدتها عن الحرمان، بكت هالة وهي تقول أن جدتها توفيت بعد تخرجها بايام فوجدت في رحيلها الى الديوانية من بغداد ملاذا وفي معرفتها بالطبيب الشاب عونا لنسيان جرحها، وقد صدقت ما أدعاه من عاطفة لاشهر لكنه عافها ببساطة غريبة ليخطب طبيبة زميلة عرف بثراء اهلها دون ان يقدم سببا واحدا لهذا التصرف.

    قلت لهالة أن حكايتها عادية جدا وذاك الشاب ذو الوجه الدهني والتقاطيع الذئبية أنا أعرف أمثاله جيدا ولو تزوجت منه وأعتقدت أنك ستكونين سعيدة معه لن تكوني كذلك وهو في النهاية سيتركك الى من يجد عندها الثراء والمأوى الفاره.. أنه محروم جاه وهو لا يستحقك ابدا، هنا اشرق وجه هالة وعم الفرح في تقاطيعه….. عندما طلبت مني أن نعود، أنا الى قاووش الرجال وهي الى بيت الطبيبات رجوتها أن تتركني قليلا فانا أمسيت قادرا على الحركة)

    تنحنح كلكامش ضجرا وقال (دخنا بحكاية هالة) لكن أنكيدو أصر على القول (دعنا يا جوجو نسمع بقية الحكاية.. هه قل يافنش : ماذا حدث بعد ذلك؟) قال فنش (نصف الجالسين معي لا يريدون أن أروي لهم) قال كلكامش) أنا هذا النصف وارجوك استكمال الواقعة فالوقائع الناقصة الرواية تبدو بغير ما هي الحقيقة ) قال فنش باسما وقد انتصر عليه :

    (كلامك موزون.. أذن فاسمع، جلست في تلك الليلة أخطط لأمر حتى أكتملت تفاصيله في ذهنيوعدت الى مكاني راضيا، في الصباح وأثناء التور اليومي للأطباء على المرضى كان ذو الوجه الدهني معهم، وأنا أعرف صلافته فافتعلت مخاشنة معه واضطررته أن يغلط علي وهنا جاء المبرر سريعا لاضربه بصحن حاد الحواف ضربتين على وجهه الدهني الجميل الذي تفجر منه الدم وانا اصيح وأهم بضربه ثالثة حتى خلصه المساعدون مني و وجاء من شرطة المستشفى من صحبني الى نقطة الشرطة وانا أتأوه كذبا وأشكو وأهدد بالعشيرة، وضعوني بعد سؤال وجواب فيهما من التعاطف الكثير في غرفة منفردة ووضعوا شرطيا عند الباب قاسمته المستكي الذي كان يجلبه لي مهدون يوميا مع دجاجة مباركة مشوية. كانت هالة تزورني خلسةوالانتصار يلمع في وجهها لكنها كانت تسأل مضطربة حينا عن مصيري، قلت لها أن لا تهتم فلن يحدث لي شيئ أسوأ مما أنا فيه، وفي يوم المحاكمة حضر الخبيث وخطيبته الجديدة ومن كان من المساعدين.. لم يحضر معه أي طبيب وكنت اصرخ واقول انه يعتدي على المرضى ويهددهم بالاخراج دوما وكأن المستشفى ملك ابيه، قد اعتدى علي وشتمني وسب عشيرتي فضربته وسأقاضيه عشائريا فقد فعل جرائم اخرى لاأستطيع ذكرها علانية، دهش القاضي وانهي الجلسة واستبقاني لوحدي في غرفته الخاصة ليسألني عن المسكوت فكذبت كثيرا وأنا أتهمه بالتحرش بالعاملات ولكني كنت صادقا برواية واقعة فسخ خطبته بهالة. أجلت المحاكمة الى اليوم التالي حيث اصدر القاضي حكمه بالغرامةوكانت مبلغا زهيدا دفع مباشرة دون أن أعلم، وعدت الى المستشفى وفي نفس القاووش فيما اضطرذو الوجه الدهني الى النقل منها تجنبا لما أعتقده تهديدا عشائريا كنت الفظه ولا أعمل به)

    سأل كلكامش (وخطيبته ؟ هل لحقته ؟) قال فنش :(لست اعلم حقا اذغادرت المستشفى الى بيت السيد الحارث واناعلى صداقتي الابوية مع هالة التي جاءت الى الزرفية يوما لتأخذ رأيي في فتى من هواة المسرح من الديوانية يعمل في المحاكم يريد الزواج منها….. هي الآن أم لصبي والحمد لله).

    قال أنكيدو ضاحكا :(قضينا الليلة نشرب الشاي في خدمة هالة، ما الذي بعد هذا يافنش ؟) قال فنش : (لاشيئ سوى تشريب الدجاج وقنينة روم… جيد؟) هتف الاثنان مرحبين، وبدأت سهرة أخرى حملت الكثير من الحكايات عن كلكامش وسوالفه، وخلال الحديث سأل انكيدو فنش عن سر أسمه فقال) هذه تسمية خبيثة ارتضيتها اطلقها علي نفر من السائقين ايا م عز العمل بالسيارات. لا أحد ينافسني على الركاب الذين يفضلون السفر معي حتى كنت افنش – انهي الجميع اذا حضرت وبهذا ثبتت تسمية فنش وارتضيت هذه التسمية حتى نسيت اسمي أو أكاد فهو الاسم الذائع لي) قال كلكامش (واسمك الحقيقي ؟) وهنا علت اصوات الرمي وارتفعت اضوية قوية وكشافات حول كوخ فنش ارعبت حتى الفئران الخاتلة وجعلتها تركض مرعوبة والثلاثة لايعرفون ما يجري وهم ينتظرون، وينظرون الى عشائهم على الطباخ وقنينتهم في محلها.

    دخل عليهم اربعة من رجال الشرطة يتقدمهم ضابط شاب. كلهم يمسك المسدس بيد والكشاف الضوئي بيد، صاح كلكامش (اعشيتم اعيننا ما الامر؟) حياهم الضابط بادب وقال (آسف جدا فقد ضيعت عليكم متعة السهر وانا اعرف السيد فنش جدا لكنكما من الغرباء المشكوك بهما تفضلا معي فقد قتلت صاحبة الحانة العجوز وانتما كنتما هناك، والشك موجود.. تفضلا) وقف انكيدو وظل كلكامش جالسا وقال: (تركنا حانة ديك الجن وصاحبتها ترقص وتغني وتعرفنا جيدا حتى انها لم تأخذ نقودا منا فكيف تشكون بنا ؟) قال الضابط (امر قاضي التحقيق الخافر بجلب كل من يشتبه به.. تفضلا) قال الكلمة الاخيرة بحزم فوقف كلكامش هادئا ووقف معه فنش وهو يقول (أأتي معهما فهما ضيفي، هذا الكبير كلكامش ياحضرة الملازم الاول وهذا أنكيدو.. الم تسمع بهما ؟) ابتسم الضابط وهو يقول (درستهما في المتوسطة، هما في التاريخ وليس عند فنش العزيز).

    سار الجميع مع الشرطة وضابطهم الى السيارة المسلحة وسط الاضواء وصعد الثلاثة وسط الحراسة، وتحرك الركب، عدة سيارات تحمل المتهمين من رواد الحانة، وارتفع صوت فنش منشدا :

    خطر واليعرض بنفسه اعله دمه يدوس

    او من عمره الرشكه النيل رد مايوس

    هنا انتبه الضابط الذي كان يجلس في المقعد الامامي وهو منتش بصوت فنش اليهم وقال :(آسف ولكنها الاوامر) قال فنش : (ساعدنا بعرضنا على القاضي اولا.. قبل غيرنا وأنا في المقدمة.. أرجوك) قال الضابط :(لكم ذلك).

    نفذ الرجل وعده وادخل انكيدو وكلكامش ومعهما فنش الى مكتب قاضي التحقيق الشاب ألذي استمع الى الاسمين التاريخيين باسما غير مصدق فهما يرتديان ملابس الافندية الحديثة كاملة مع ربطة العنق، اما الشخصية الثالثة فقد قال الضابط (هذا هو السيد فنش حارس البستان المجاور وقد اتى مع المتهمين للتعريف وهو ليس متهما) قال القاضي للضابط (اتركنا قليلا فلدي حديث خاص مع هؤلاء).

    ادى الضابط التحية وخرج، وهنا طلب القاضي الشاب من الثلاثة الجلوس وهو يبتسم ويتحدث (العم فنش هو عم زوجتي الدكتورة هالة وان لم التقي به قبل هذه الساعة، فقد حدثتني عنه طويلا، اما أنتما : كلكامش وأنكيدو.. كيف صادف أن كنتما هنا وانتما مجرد اوراق من تاريخ الحضارة ؟ أن كنتما فعلا بالمحتوى لا بالادعاء) قال كلكامش مصدوما (لنقم يافنش ونصطف مع المتهمين الاخرين فالقاضي يشك بهويتينا) ووقف كلكامش ليتحرك، وقف فنش واجلسه قائلا :(يا ولدي القاضي.. اقبلهما كما هما فلن تستطيع سجنهما لو قررا المغادرة) قال القاضي الشاب (كيف ؟) قال فنش (انت قلت هذا هما ورقتان في تاريخ الانسانية جسدهما كاتب هذه السالفة ليكونا من شخصيات النص، وهما يستطيعان الذهاب في اية لحظة فهل ستعمل باصلك وتطلق سراحمهما فورا لعدم ثبوت ادلة ضدهما أم يتبخران امامك وتكون امام فضيحة قانونية غير جدير انت بها ؟) قال القاضي الشاب : (بل استمع الى نصيحتك وأطلق سراحهما فورا، فقط دعني استدعي الضابط لكي يستمع الى القرار) هنا قال انكيدو) قبل أن تستدعي الضابط ياسيدي ارجو ان يكون في علمك يقينا اننا لم نتحرش بصاحبتنا مالكة الحانة السيدة سيدوري فقد كنا عند فنش عند قتلها وانا انصح بالبحث عن السيد أور شنابي الملاح فربما كان هو القاتل.. لست اجزم ولكني أخمن) وقف كلكامش وصافح القاضي وكذلك فنش الذي همس في اذنه ان يرعى هالة والقاضي هز رأسه مبتسما، فيما كان أنكيدو آخر المغادرين.


    * عن الزمان