1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

نزار حسين راشد - زواج عرفي.. قصّة قصيرة

  1. لقد قرّر أولئك المعنيّون بتأمين مستقبلي،وضعي بين يدي معلّمة خصوصيّة أجنبيّةّ،أنا المصاب برهاب النّساءوطوفان الرغبة الّتي يشعلها الخيال،كيف لي أن أجلس مع امرأة في خصوصيّة،لساعة أو ساعتين كُلّ يوم،وأجنبيّة أيضاً؟!

    على أيّة حال،لقد تمّ الأمر،وسيقت الضحيّة إلى المذبح،ولم يستشرني أحد،قالوا إنّ مستقبلي في كفّة الميزان،وأنّه لا مجال للتهاون!

    جلستُ إلى الطاولة وأنا أفرك يديّ منتظراً حضور المعلّمة،ومحاولاً أن أتخيّل شكلها وسنّها،ومدارياً رغبة خفيّة في أن تكون جميلة وصغيرة،أو على الأقل مقبولة وليس عجوزاً!

    وأخيراً حضرت المعلّمة،وجدتها فجأة مٌجسّمةً أمامي،ولم أعرف كيف تمّت مراسم الدخول!

    لا بُدّ أنّها لاحظت توتّري،ولكنّها تجاهلته تماماً،وبدأت في طرخ أسئلة عاديّة،وهي الطريقة الّتي يتبّعها الأخصّائيون النفسيون،لإشعار الموضوع الشخص بالطمأنينة،لقد تعلّمتُ ذلك من مرشد المدرسة،كان دائماً يفصح عن تكتيكاته،ويستعرض علمه في تفاخر!

    كانت وسيمة الوجه ومتوسّطة العمر،خطوطٌ نحيلة وقوامٌ رشيق!يبدو أنّ الإسترخاء الّذي شعرتُ به،أعاد هواجس الرغبة إلى العمل،ولكن بطريقة مهذّبة،متساميّة،أقرب إلى التأمّل منها إلى التحريض!وحين تتوارد الأفكار تتوقّف عند جزئيّةٍ ما،تنشدُّ إليها وتراوح عندها،ومن ثمّ تختزنها وتعود إلى تيّار الوعي!لقد بدت لي خطوط الوجه النّحيلة،أكثر مظاهر أنوثتها جاذبيّة،الأنوثة الهادئة العاديّة،الّتي لم تكن صارخةً بأيّة حال!

    كانت عيناي تنتقلان هرباً من نظرتها،وهي مُسترسلة في توضيح شيءٍما!تنتقلان بين العضُد البض إلى طرف الإبط الحليق،لتستقرّا على خطوط الوجه النحيلة،لتقرآنِها بتمعُّن.كانت أحياناً تنتبه،وتظُنني شارد الذهن لتسألني فجأة:هل أنت منتبه لما أقول؟!وحين أعيد التأكيد بنعم،تُكرّر السؤال:حسناً ماذا كنت أقول ؟ّ!وحين أقدّم لها الإحابة الصحيحة،ترفع حاجبيها في تعجّب:لماذا يبدو عليك الشرود إذن؟!

    -حسناً إنّها سحنة الأجداد الموروثة،نولد ونحنُ نحدّق في شيء ما!

    تتضاحك:

    -يبدو أنّهم أوروثك حسّ الدعابة أكثر من السحنة الّتي تتحدّث عنها!

    تلك الخطوط،ليست مجرّد علامات يخُطّها الزمن على صفجة الوجه،إنّها شجرة التجربة،تفرّعات السعادة والمعاناة في تمازج جميل،إنّها خطوطُ لوحة ،الوجهُ مرسمها!

    الألفة تُعبّدالطريق للعلاقات بين النّاس،ولكنّ الوشائج تخضع لاختبار الزمن،ولأنّ علاقتنا عارضة،ومرتهنة للنفعيّة،فلم يكن بالإمكان إخراجها عن أبعادها تلك،وتوالت الأيّام،مُقرّبةً النهاية المنتظرة،حتّى جاء يوم وأعلنت المعلّمة في جذل:غداً سنحتفل بعيد تخرّجك!

    -وهل يستحق الأمر الإحتفال!

    -كلُ شيءفي الحياة يستحقّ الإحتفال!هناك محطّات يجب أن نتوقّف فيها،حتّى نتذكّرها فيما بعد،حين تتخرّج طبيباً كبيراً،ستذكر ذلك اليوم الّذي دشّنت فيه أولى خطواتك،وستذكر معلّمتك أيضاً،أليس كذلك؟ّأم أنّه أمرٌ عابرٌ بالنسبة إليك،لا يستحقّ حتّى التذكّر؟!

    -لا أعتقد أنّني سأنسى هذه الأيّام،لأنّك أتعبتني كثيراً،لقد بذلتُ جَهداً كبيراً لأثبت لك وللجميع،أنّني قادرُ غلى الإستيعاب،والإنتقال للمرحلة التالية!

    -لقد أدّيتَ ما عليك،فلا أقل من أن أجهّز لك حفلة صغيرة!

    -هل ستتكلّفين أنت؟!الأصل أن أدفع أنا أوحتّى أشارك!

    -لا تقلق من هذه الناحية،سأعيد لك بعض ما دفعته لي كهديّة صغيرة!على أيّة حال،لنبق هذا الأمر سرّاً صغيراً بيننا،لا تخبر أحداً بذلك،أُحضُر فقط إلى منزلي في السابعة مساءً،وسيكون كلّ شيء جاهزاً!

    ضغطتُ زرّ الجرس،وسرعان ما انفتح الباب،وكأنّها كانت قابعة خلفه بالإنتظار،قادتني إلى غرفة الجلوس،وكان حفيف فستانها الفاره يُخشخش في هدوء البيت،الأخضر البحري،لونٌ فاتن،القوام المتحرّك برشاقة،لقد تهيّأتْ للحفلة،الأقراط المرصّعة،وردة فوق الأذن،وتسريحة الشعرالحرّة،انتبهتُ فجأة لأقدّم لها بوكيه الورد الأحمر،تناولته ضاحكة:

    -أحمر؟!أنت عاشقٌ حقيقي!هلّا انتقلنا للجلوس في الشرفة،ريثما يحضر المدعوّون!

    ما إن اتّخذنا مقاعدنا حتّى قالت:

    -فرصة لنتبادل الحديث،ونعرف بعضنا أكثر،كان كلّ تركيزنا في الدروس،خسارة أن ينتهي كلّ شيء فجأة، ولا يكسب الإنسان صديقاً!

    على أيّة حال،ما هو مشروبك المفضّل،نحن لا نقدّم الكحول هنا!ضحكت لدعابتها،باردٌ أم ساخن؟!

    -أي شيء!

    -هل تُحبّ أن تسمع شيئاً من الموسيقى؟

    -لا بأس!

    -تقطّرت العتمة شيئاً فشيئا،وانحسر ثوب السماء الفضّي،واكتست بالمسائي الأسود!قلتُ قاطعاً الصمت الّذي خيّم لبرهة مواكباً وقار المساء:

    -لم يحضُر أحدٌ من ضيوفك بعد!

    جرّت الكرسي حتى لامست ركبتاها ركبتي،احتضنتْ كفّي بنعومة وشرعت في تمسيد راحة يدي،قالت بنبرة محسوبة،تشيع فيها غوايةٌ خفيّة:

    -أردتُ أن نعطي أنفسنا فرصة،أنا وأنت،هناك شيءٌ ما نما بيننا،دون أن ننتبه،رُبّما نستطيع ان نتلمّسه الآن،ونتأكّد إن كان حقيقيّاً!

    لم أكن في الحقيقة لأقاوم أو أرفض،ببساطة،لم تكن لديّ رغبة في الرفض،تركتها تقودني في ممرّات عالمها الغامض،المرأة الحُلُم الّذي أكاد أمسكُهُ بيدي،فهل أُضيّع هذه الفرصة؟!سأقفز بساقيّ هاتين لأتعمّد في نهر الخطيئة،سألبّي رغبة زُليخة،وأستسلم لضعفي وفضولي،أنا آدم ولست يوسف عليهما السلام،سآكل الثمرة ثمّ أخرج من الجنّة،وأستغفر لخطيئتي!

    نبّهني صوتها من غفلتي،النبرة النداء،الدعوة،كيمياء الغواية المغلّف باللطف ،والمُهيّأ لسحر الإكتشاف،هيتَ لك،هئتُ لك،طريقٌ باتّجاه واحد:

    -هل تراقصني قليلاً؟!

    أن تحتوي امرأة بين يديك،أن تتهيّأ للقطاف بعد حرمان طويل،إنّها البلحة لا التفّاحة،تتقطّر سُكّراً،بين دلال السعف،أن تلقي نفسك في أحضان واحة،بعد طول تيهٍ في صحراء ،جاحدة!

    قلت في نفسي،هناك مخرج،ولم لا؟!بين الحلال والحرام خيطٌ دقيق،فليكن ما يريده الله إذن!نهضت على قدمي وخاطبتها بصوت جهور وبنبرة ثابتة،ودون تردُّد:

    -هل تتزوجينني أيّتها المرأة؟!ولم أعطها فرصة للإجابة:-إمّا أن توافقي أو أن أغادر فوراً،إذا أردنا أن نفعل شيئاً، فلنفعله على أكمل وجهٍ إذن،ازدادت ثقتي،وانا أُعزّز لهجتي الخطابيّة، وأعلنت بأعلى صوتي:أنا يوسف ولست آدم،وإذا كنت بلقيس فعليك أن تختاري بين سليمان وبين العرش!

    في البداية ظنّتْني أتقمّص دوراً مسرحيّاً،وحين تكوّمتُ في مقعدي وأعدتُ ما قُلتُ في هُدوءٍ مُرهق،تأكّدت أنّني جادٌّ لا محالة:

    -وكيف سنفعل ذلك؟!

    -هذا أمرٌ بسيطٌ عندنا،أنا وأنت واثنان من الشهود!

    -ولكنّي لا أعرف أحداً هنا باستثناء أصدقائي من الإنجليز،هل يمكن ان يشهد إنجليز على زواجٍ إسلامي!

    لقد سمعت خطيب المسجد يقول،الزواج إيجاب وقبول وشاهدان،أمّا إذا كانت تقبل شهادة أهل الكتاب،فهذا يتجاوز مبلغ علمي!

    فكّرتُ أن أحضر شاهدين من أصدقائي،ولكنّ ذلك سيودي بهيبة الموقف،فهم لا زالوا أولاداً على أيّةحال،ورُبّما لا يصلحون لموقفٍ جدّي كهذا،قلت:

    لنؤجل الشهود لما بعد!خير شاهدٍ هو الله!هل تتزوّجينني يا امرأة؟!

    قالت في انكسارٍ أنثوي:

    -نعم!

    نهضتُ واحتضنتها بكلّ ما أملك من قوّة!لقد سقطتْ كل الموانع بين زوجٍ وزوجة!

    كل يوم كنت أزعم لأبي أنني ذاهبٌ لاستكمال الدروس،كان ذلك توريةً صحيحة،واستمرّت علاقتنا شهوراً،حتّى جاء يوم!شعرت فيه حتّى قبل أن أجلس أنّها ستلقي فوق رأسي قولاً ثقيلا:تململتْ واضطربتْ الكأسُ في يدها،جلست ضامّةً ساقيها وزامّةً شفتيها،ونطقت بعد عناء:

    -أظُنُّني عائدة إلى إنكلترا!

    ماذا ؟!كيف؟!متى؟! كيف تُقرّرين من دوني!

    في عينيها نظرة أعرفها،المرأة المتنكّرة،المرأة الّتي على وشك أن توليك ظهرها،تركتها لتُكمل،واعتصمتُ بالصمت،قالت بعد جهد:

    -إسمع يا صغيري،أنا عائدة إلى بريطانيا،إلى عائلتي،إلى زوجي بالتحديد،ما فعلناه معاً كان مغامرة صغيرة...

    -ماذا قلت؟! زوجي؟!هل أنت متزوّجة؟!

    كان يجب أن أكذب للحصول عيك،لقد تبيّنتُ أنّك صغيرٌ جدّاً لتقدم على عمل كهذا،دون أن تسوّغه لنفسك على طريقتك!

    -ماذا أيضاً،هل هناك أسرارٌ أخرى كأن تكوني حاملاً مثلاً؟منّي من اي شخصٍ آخر ،ماذا يهم لومددنا حبال الكذب قليلاً؟!

    اقتربتْ ووضًعتْ يدها على رأسي فنفضتُها بعيداً،وانفجرَتْ فجأة! صرَختْ بأعلى صوتها:

    -لقد اردتُ أن أحرّرك منّي،هذا كلّ ما في الأمر،هل تريد أن تقضي بقيّة عمرك مع امرأة ستصبح عجوزاً عمّا قريب،أنت ذاهبٌ إلى بريطانيا،لقد اجتزت الإمتحان وحصلت على منحتك،أليس كذلك؟!هناك ستقابل كثيراً من الفتيات الشابّات هل ستقاوم إغرائهن؟!هل ستبقى مخلصاً لي؟!

    -ليس لديّ إلّاسؤالٌ واحد:هل أنت متزوّجة؟!

    -بالطبع لا!لقد اخترعت هذه القصّة للتو،أردتُ أن أطلقك حرّاً!

    -إسمعي سنوثّق هذا الزواج!هنا أو في لندن.. كما تشائين!

    وفي سريرتي كنت مرتاحاً لفكرة الزوجة الأم،حضنٌ أليفٌ في صحراء الغربة القاسية!

    نزار حسين راشد