1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

عبدالقادر وساط - ما دار بين محمد ولد علي والشعراء الرجاز

  1. تفضلَ أحدُ الأصدقاء فبعثَ إليّ أسماءَ الشعراء الرجّاز، الذين جاؤوا من العصور القديمة إلى مدينة وجدة، وتوجهوا رأسا إلى منزل أخينا محمد ولد علي، بعد أن بدرَ منه ما بدرَ تجاههم .
    وهؤلاء الرجازُ هم: العجاج وابنه رؤبة وأبو النجم العجلي والشمردل وحميد الأرقط والأغلب العجلي. وكلهم واجدون على محمد ولد علي، بسبب مزاعمه المتعلقة بفن الرجز.
    وقد بلغني أن أخانا ولد علي كان عندئذ في منزله، مع صديق لهُ من الجنّ، يتذاكران أشعار الأقدمين وأخبارهم. وهذا الجني يُدعى الخَيْتَعُور، وكنْيَتُه أبو هدْرَش. وهو من العفاريت المؤمنين. وقد لقيَه الشيخ ابنُ القارح في جنة العفاريت، في " رسالة الغفران." وكان أبو هدرش هذا، قبل إيمانه، يَصرع فتيات الإنس، ويتصور في أية صورة شاء. فقد يَظهر في صورة عَضَل - أي جُرَذ - ثم يتحول ثعباناً، ثم يصير ريحاً هفّافة، إلى غير ذلك. فلما تاب الله عليه، امتنع عن تلك الأفعال. وله أشعار لطيفة، روى أبو العلاء المعري قسماً منها في رسالة الغفران. ومن قصائده الجيدة، رائية على البسيط، يصف فيها كيف كان يؤذي مختلف المخلوقات. وفيها يقول:
    و لا أمرُّ بوحشيٍّ و لا بَشَرٍ = إلّا و غادرْتُهُ ولْهانَ مذعورا
    فتارةً أنا صلٌّ في نَكارَته = و ربما أبصَرَتْني العينُ عُصْفُورا
    وله كذلك سينية جيدة على السريع ، أوردها شيخُ المعرة كاملة في رسالته.
    و إذن فقد كان صديقنا محمد ولد علي في بيته بمدينة وجدة، مع صديقه الخيتعور، يتذاكران الأشعارَ، كما تقدم، إذا بهما يسمعان لغط الرجاز وطرقاتهم الشديدة على الباب. فلما أطل الخيتعور من نافذة الطابق الثاني، ورأى الرجازَ الغاضبين، عرفهم في الحين وأدرك بفراسة الجن سببَ قدومهم، فالتفتَ إلى صاحبه محمد ولد علي، وخاطبه قائلاً:
    - يا صديقي، هؤلاء رجاز العصور القديمة، جاؤوك غاضبين لأنك سفّهْتَ شعرهم وحططتَ من أقدارهم، وخلطتَ بين رجزهم وبحور أخرى لا شأن لهم بها، فانظر ما أنتَ فاعل في هذه اللحظة العصيبة ...
    فلما سمع ولد علي كلام أبي هدرش الخيتعور، نهض في الحين، متمثلا بقول عمر بن
    أبي ربيعة:
    فقلتُ أباديهمْ فإمّا أفُوتُهمْ = و إما ينال السيف ثأرا فيثأرُ
    فلما منعه الجني من الخروج إليهم، أطل شاعرنا من نافذة بيته وخاطب أولئك الأعرابَ بقوله:
    - يا معشر الرجاز، إنكم لن تخيفوني بوعيدكم. و رحم الله أبا العلاء المعري، الذي قال عن شعركم :"إن الرجز لمن سفساف القريض، وقد قَصَّرْتُمْ أيها النفَرُ فقُصِّرَ بكمْ."
    فلما سمع أبو النجم العجلي ذلك الكلام، انتفخت أوداجه من الغضب، وصرخَ بأعلى صوته:
    - يا رباوي، أبِالخَيتَعُور تخيفُنا؟ فاعلم أنه لن يحميك مني أنا بالذات! أنسيتَ أني أنا القائل:
    إني و كلُّ شاعر من البشرْ = شيطانه أنثى و شيطاني ذكرْ
    وعندئذ مضى محمد ولد علي إلى خزانة له، وأخرج منها مكبرَ صوت، كان يحتفظ به لمثل هذه المناسبة، ثم عاد إلى نافذة بيته وخاطب الرجازَ عبر المكبر قائلاً:
    - يا أبا النجم، رحمَ اللهُ ابنَ سلّام الذي كان يزدري نظمك فجعلك في الطبقة التاسعة من طبقات الشعراء، وحشرَ معك فيها ثلاثة من أصحابك الرجاز، وهم الأغلب العجلي والعجّاج وابْنه رُؤْبَة. ورحم الله شيخَنا أبا العلاء، الذي جعلكم في جنة الرُّجَّز، في أبيات ليس لها سُموق أبيات الجنة. وأنتَ يا رُؤْبة، أنَسيتَ ما دار بينك وبين ابن القارح، حين عرضْتَ له في جنة الرّجَّز؟ لقد قال لك: " يا أبا الجحّاف، ما كان أكْلَفَكَ بقوافٍْ ليست بالمُعْجِبة! تَصنع رجزاً على الغين ورجزاً على الطاء وعلى الظاء، وعلى غير ذلك من الحروف النافرة، ولم تكن صاحبَ مثل مذكور ولا لفظ عذب." وقد غضبتَ يا رؤبة عند سماعك ذلك الكلام، فقلتَ لابن القارح: " ألي أنا تقول هذا الكلامَ ، وقد أخَذَ عني الخليل بن أحمدو أبو عمرو بن العلاء؟ " فلما رأى ابنُ القارح ما فيك من الانتخاء، قال لك: " يا رؤبة، لو سُبكَ رجزُك ورجَزُ أبيك، لم تخرجْ منه قصيدة مستحسنة!"
    ويحاول الرجاز لدى سماعهم كلامَ ولد علي أن يتسلقوا الجدران كي يصلوا إليه فلا يفلحون في ذلك. وعندئذ، يعلنون عزمهم على البقاء عند بابه، إلى أن يخرج إليهم. غير أن الخيتعور يقرر في تلك اللحظة بالذات أن يحمل ولد علي على كتفيه، وأن يطير به، قبل ارتداد الطرف، إلى باليما، بالرباط، حيث ينتظره إخوانه من شعراء الزمن الحاضر.