ميرغني أحمد ميرغني‎ - رهْن غِواية

صرخة قابِلة لعِدة تأويلات، دوَّت في قمة الجبل، كرَّرها الصدى سبعين ألف مرة لدرجة أن «خميس» شعر لوهلةٍ بركلات مُؤلمة في طبلة أُذنه؛ رائحة موت شرسة سالت من تضاريس الجبل ثَقبت أنفه ثم حرَّضت قدميه على الصعود صوب شيء ما تَمَلّص من عبثية الوُجود، وأظن أن هذا ما دفعه للاستسلام للرائحة، وتتبُّع أثرها، ولك أن تتخيَّل أن يحثَّ أحدهم الخُطى لشيء كهذا؛ خمسُ دقائق كانت كافية لشخص مثله خَبِر الدروب الجبلية في تلك المنطقة للوصول إلى قمة الجبل، شخص صادق الحجارة في جبل الداجو بجنوب دارفور لسنوات طِوال كأنها رفيقته منذ الخَليقة الأوْلى، مرارًا وتكرارًا طبع على خدِّها قبلات محبة تقديرًا لاحتمالها ثرثرته التي لا تنتهي ربما لم تُعِرْه انتباهًا من الأساس، لكنها صَمدت وسندت انهيار الإنسان الذي بداخله، كانت ملاذه الذي يحتضنه والأذن التي تسمعه دون اتهام بالجنون كحال سكان القرية الذين أطلقوا عليه لقب «خميس المجنون»، بسبب انعزاله الدائم،
حسن سار نصفُ العام الثاني (ألف وتسعمائة تسعة وتسعين) ﺃﻭﻟﻰ خطواته نحو نهاية رحلته، شهق «خميس» ثم صرخ صرخته مُعلناً للأسرة انضمامه لها، ومن ثم لسُكَّان المنطقة التي احتضنته، وهيَّأت له مراتع اللعب مع الأطفال في أزقَّتها والميادين ثم صفوف الدراسة في المدارس، التي استوعبت نبوغه منذ سنواته، ما جعل والده يهتم بدراسته كثيراً رغم شظف الحياة والفقر والحرب. الحرب: الملعونة هادِمة الحياة، الوحش الذي يمتصُّ دِماء الرجال والنساء والأطفال، حيلة الموت الرابضة للناس في تلك الأنحاء تصطاد كُلَّ لحظة أحداً لتُحِّول المنطقة كلها إلى سرداق عزاء كبير لا ينفض مُطلقًا، حياة صعبة وجدها أمامه في سنينه الأولى طفل صغير لا يستوعب ما يحدث، لكنه مفزوع من أصوات الانفجارات وأثار الحرب، فقد «خميس» والده ووالدته بِفعل لغم أرضي حين كانا يمارسان الزراعة والرعي في منطقة قريبة من مناطق العمليات العسكرية، قبل أن يبلغ الثانية عشرة بشهور قليلة، ضاعت ملامح العالم بِرُمَّته وسط دخان الحرب الذي بدَّدَ السلام في المنطقة وفي قلبه؛ قلبه الذي صار مستودع للصراع الخوف الفقد والضياع واليُتم الذي فعل الكثير في قلب الصغير، ومن ثم آذى الذين من حوله، أيام فاجعة عاشها مشردًا من قرية إلى قرية، حتى وصل إلى مدينة نيالا حاضرة المنطقة نازحًا يحمل قلبًا ملتاعًا وذاكرة شرسة وعقلًا معطوبًا وجسدًا لا يكف عن الارتعاش وعرق هائل ينزف من مَساماته المَشويَّة بحرارة الفقد والوحدة. كانت شمس الظهيرة تُلهب ظهور العابرين في الطرقات. في سوق المدينة تسرَّب «خميس» من بين الناس دون أن يشعر به أحد، دون هُدىً إلى أن توقف ليستريح من المشوار المُنهِك في ظلِّ جدار معهد للغة الإنجليزية في طرف المدينة، لاحقًا أصبح يعيش داخل المعهد بعد أن تفضَّلت صاحبة المعهد عليه بالبقاء داخل المعهد حارسًا المكان، وظلَّ عدَّة سنوات هكذا وحيدًا، يُعاني باستمرار يأكل من الطرقات حين يغلبه الجوع ومن فضلات المطاعم، لأن عمله حارساً كان مقابل السكن لا غير. على أية حال صعد متجاوزًا الصخور والكهوف، واضعًا خُطاه المُترنِّحة على الأماكن التي تبدو مثل السلالم، وياللمفارقة بين صعوده للمجهول وتفاديه لثقوب الجبل الغنية بالعقارب وربما الثعابين، وهذه قصة أخرى ما! يهم حقًا سطح الجبل هناك، حيث الصرخة؛ الصرخة التي سلك من أجلها وهمًا، طريقًا مرصوفًا بجَماجمِ ضخمة، كأنها لرجال ما قبل الميلاد وضُعت على رأسها خوذات حديدية تُشبه تلك التي كان يستعملها الرومان القدماء في حروبهم ما يهمُّ حقًا إنه حين وصل سطح الجبل هَاله ما وجد؛ وجد رأسه دون جسد تمامًا كبالونة هيليوم تُحلِّق في الفراغ الممتلئ بالفظائع جميعها، اصطكت أسنانه ارتعش جسد «خميس» هلعًا وهو يري رأسه مُحلقاً في الفراغ وهماً، ثم خارت قواه سقط من علوٍّ شاهقٍ ليرتطم رأسه بعنف في جذع شجرة أسفل الجبل خفَّفَ من سرعة هبوطه، لكنه قذف الجسد المنهار إلى الأرض مغشيًا عليه ينزف بغزارة من جرح عميق في مؤخرة الرأس، تمدَّدَ الجسد خائر القوى غائبًا عن الوعي، درج سكان المنطقة على الإقامة على بعد مناسب للبقاء بالقرب من تجمعات المياه ساهم ذلك في بقاء «خميس» وحيدًا يصارع شبح الموت الذي صعد له لأجله الجبل. يا لجهل الإنسان الباحِث عن الذي يبحثَ عنه! مرَّت ساعات والموت في كُلِّ مرة يقترب من الجسد العاجز المُسجَّى كهيكل عظميٍّ لإنسان ما قبل التاريخ، لا حول له ولا قوة .
كأصوات طبول حرب رفرفت أجنحة الصقور في الهواء، من كثرتها تكاد تظنها صقور العالم أجمع؛ حلَّقت بنِصالها فوق الرماد المُكَوّم أسفل الشجرة، تمامًا مثل مشهد في فيلم رعب، منحوتة باسم الالتهام لنحات مجنون. «خميس» رهْن غِواية الموت، من بعيد صوت مُحرّك يخترق الفراغ يقترب أكثر فأكثر لتفزع الصقور، وتقف على مقربة من الشجرة مُحدثة جلبة استدعت انتباه ركاب العربة التي كانت تُقِلُّ جنودًا أُمميِّين رفقتهم صحافية أجنبية تجوب المنطقة لتنقل العالم مشاهد وآثار الحرب وحيوات النازحين وإعداد تقرير عن تجارة البشر التي تنشط على الحدود إلى الجسد المُمدَّد دون حراك بالقرب من الجوارح الجائعة، أسرعت "سوزان أميل"، والتقطت بحِسها الصحفي صورًا متتالية للمشهد المأساوي وأسرعوا الخطي بـ«خميس» للوحدة الطبية لبعثة المراقبين الدوليين في الإقليم المهزوم في سلامه، لإسعافه ومن ثم علاجه؛ صبيحة اليوم التالي اهتزَّ العالم مع الصور المبذولة في وسائل الإعلام والسوشيال ميديا بعد أن نشرتها "سوزان" العالم أجمع يتحدث عن الصور المُقلقة بتعبير أرباب المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، عناية فائقة نعِم بِها داخل البلاد في أفضل مستشفيات العاصمة مكث في المستشفى شهرين كاملين خضع فيهما لعمليات جراحية في رأسه وكسور في رجليه ويدِه اليسرى. طالبت جمهورية النمسا عبر سفارتها، بالتكفل بإكمال رعاية «خميس» في أراضيها، أقلعت الطائرة التي تقلة إلى النمسا وثُقب قَلبهُ حين فارقت عجلات الطائرة
التراب الذي خُلق منهُ، كانت رحلة طويلة قضاها بين طيات السحاب يتوسد الهواجس ويتكئ على صورة لوالديه لا زالت مرسومة في ذاكرته التي تعصف به في اليوم ألف مرة، حرائق عظيمة مُندلعة داخلها، شلالات دماء مُراقة في جوانبها وانفجارات لا تكف عن الدويّ بين الحين والآخر كأنها مَطارق عملاقة تهبط في منتصف رأسه الممزق المهترئ، لامست عجلات الطائرة أرض مطار العاصمة النمساوية "فيينا".
استقبلته وسائل الإعلام واللاهثون للأخبار الطازجة ومناديب المنظمات جاءوا لرؤية (فريسة الصقور) كما أطلق عليه الكاتب ذائع الصيت "ريتشارد نيكسون"، صُدم بكل ما حوله من أحداث، وقف فارغًا من كل شيء لفلاشات الكاميرات،
معطوب العقل بلا روح بعد أن تسرَّبت منه في بِلاده قبل إقلاع الطائرة، هشّ كغصن شجرة "عُشر" يابسة، مُثقلاًَ بِالهمومِ يلوكُ الاحتمال الشحيح مَذعورًا من البيئة الغريبة خائفًا من المجهول؛ تحدثت "سارة كروز" مندوبة مفوضية رعاية اللاجئين النمساوية، مرحبةً بـ«خميس» ومُصرِّحةً بأنه سينال عناية طبية بمستشفى"برايفيت كلينيك دبلينج؛ للاطمئنان على صحته ومن ثم دمجه في المجتمع النمساوي؛ على يد أفضل الأطباء أجريت الفحوصات الطبية المتكاملة «خميس»
يرقد باستسلام للأجهزة الطبية بينما يتجول بعيون جاحظة في أضواء الأجهزة الطبية الخضراء كأراضي البلاد التي ينتمي لها والحمراء كالدماء التي سألت أمام أعينه مرارًا وتكرارًا مريرًا، ارتعش كمن داهمته حُمي مُفاجئة، لاحظ الأطباء هذيانه المستمر وتحديقة في الفراغ وفَزعه اللانهائي، فأوصوا بنقله لجهات التخصص؛ العاشرة صباحاً استقبل مستشفى رودولفينرهاوس قسم الأمراض العقلية لإجراء الفحوصات، أُدخل «خميس» للوحدة المتخصصة وتم تحديد الطبيب المشرف على الحالة لم يتحدث لأحد ظل صامتًا هادئًا، لكن في جوفه الحروب مشتعلة كأن الجحيم بداخله والصمت لم يكن خياره بيد أنه مثل "كافكا" يشعر كأن أحدهم حشر السماوات في حَلقِه لذلك ظل محدقًا في الأفق، منتظرًا حتفه الذي أفلت منه حين سقط من الجبل وحين أُنقذ من المخالب الجارحة، لكن ماذا يفعل مع المخالب التي على الجدار !
مرت أيام عدَّة والأطباء يبذلون جهودهم ومساعيهم لإيجاد وتحديد علاج مناسب للحالة، لأن هذا النوع من التخصصات الطبية يتطلَّب حرصًا كبيرًا، لأن الخطأ يقود إلى تأزيم الحالة، طلب رئيس القسم من الدكتور "فرنر" الإشراف على الحالة ومحاولة جعله يتحدث؛ مطر خفيف خلف نافذة لم تعُد تتسع لِمزيدٍ من التحديق المستمر في اللاشيء؛ حاول «خميس» جاهدًا تحاشى أشياء عِدة من بينها الارتطام بالصورة التي على الحائط المقابل مع أنها الوحيدة التي تُعيده إلى صوابه المفقود تفاداها طويلاً وهو المتضوِّر لنظرة، لكن من يرغب في الوعي؛ يمضي«خميس» بخطى حثيثة نحو الجنون الكامل، الجنون الذي يُنجب من عُقم روحه لا مُبالاة تشبه حالة خدر لذيذ في مستشفي بارد؛ ضاع في شروده، لا شيء يُنصت لصراخة المكتوم، ابتلع صوته المبحوح، وبدأ تماماً مثل جثّة اهترئت قبل أعوام، لا شيء حوله سوى نافذة يهرُب إليها مراراً وتكراراً. من بعيد تبدو جبال الألب التي على الجانب النمساوي، كم تَمنَّى أن يحضر إلى هنا في تمام الوعي والتركيز بدلاً عن هذيانه هذا، ظل «خميس» بين وعي وجنون؛ يخرجُ من وعيه إلى جنونه مترنحاً متثاقل الخُطى لا يقوَى على المقاومة، يُراقِب فشله بحسرة، يعُضُّ على شفاهه بمرارة؛ وهمٌ يهطِلُ عليه مطرٌ غزير من كل جانب يشعر بيد لا وجود لها تمد له "مِظلّة" يتحاشى بها المطر المُنهمِر، و"يدٌ" تسحبه من ضياعِه المحتوم؛ تسيلُ قطراتٍ على وجهِه تصل إحداهن إلى فمه ثم تقتحمه، شعُر بمرارة اكتشف أنها دموعه ثم مضى إلى الجنون إلى منتصفه تمامًا، في ذات التوقيت اقتحِم الغرفة الدكتور "فرنر فيمن" الكهل طبيبة المعالج الثرثار لدرجةٍ لا تُحتمل الذي اكتشف أن «خميس» يجيد الإنجليزية حين وجده متكورًا في ركن الغرفة يشتم العالم والأيام والوجود بلغة إنجليزية جيدة جداً ذات ضعف انهيار، هو لا يدري إلى أي درجة تفلِت منه أعصابه وتتركه أعزَلَ بصدرّ مكشوف أمام الانهيار .
فرنر فيمن:
مرحباً ..
كيف حالَك اليوم؟
لماذا عيناك بهذا الاحمرار، ألم تأخذ كفايتَك من النوم؟
منذُ الأمس تنظُر إلى النافذة !
ألم أخبِر..
لِماذا..
غضبٌ هائل كعادته، ثُم شتائمٌ وقِحةٌ لـ«خميس» ولإفريقيا حيث الجذور
عاصفة من البذاءة لِعرقه، ولِلونه، هويته عناده لكل شيء فينا .
ثم يهدأ بشكل مُفاجئ، ويبدو لطيفاً مرِحاً ..
يا عزيزي، أنا أرغب في عودتِك للحياة بشكلٍ طبيعي، أَودُّ أن أراك ناجحاً متفوقاً في حياتك، أأأ...أأرريدُ ...
قال له وكانت المرة الأولى التي ينطق فيها :
تريد أن تنجح في حالتك الأولى؛ هيا قُلها، قُل بأنك تريدُ أن تَنجح في علاج حالةٍ، مِثلَك مثل كلِّ طبيب يعمل في هذا المستشفى الكئيب، لطالما صعُب عليك الأمر، ولطالما فشِلت.. ومديرُ المستشفى لا يكفُّ عن تعنيفك رُغم كُبر سِّنك سمعت صِراخه في وجهك.. أتدري لماذا تفشل؟ لأنك وقح ..(هكذا فقط)؛ ثم ذهب إلى ذات النافذةِ وتاه في عالمٍ عميق لا عودة منه، لا عودة مُطلقاً.. ظل الدكتور فرنر واقفًا واجمًا لا يدري ماذا يقول ثم خرج مسرعًا يشتم كل شئ، أقسى منعطفات «خميس» كانت هي تِلك الأصوات النَّهارية التي تخرُج من الجِدار كأنها تخرُج من الجحيم، كان يُقاوِمها بالانزواء مُتكوِماً في رُكنِ الغُرفة رِفقة "ظِلِّه"، إن شئتم الدقة لم تكُن أصوات كانت عبارات واضحة ودقيقة وفوضوية، كانَت رسائل لغرض حتماً كانت كذلك، كيف لا؟!.. والجدار يقول له :
"لا تظُّن أن كل شيءٍ هادئ .. مُرتَّب .. كما أعدَدتّه سابقاً"
" يتقلّص العُمر وتَتمددُ الذاكِرة وأنت في جحيمك لا تقاوِم؟"
"الموت يسرق الأحباب"
"إنّك رهْن غِواية موعدٌ لا يجِيء"
"تُراقب أُمنياتك تضيعُ الواحدة تلوَ الأخرى"
يا إلهي.. ما يشعُر به أكثر تعقيداً من أن أصفهُ، وأصعب من أن أُفكر في تدوينهُ؛ الأصواتُ لا تكَفُّ عنِ الصِّراخ في أذنه، يُسنِد رأسه إلى ركبتّه، ويستَسلِم بخضوعٍ فاجع.. الجدارُ لا يكُف عنِ الصِراخ.. وهو لا يحتمِل، دخلُ في غيبوبةٍ عميقة بلا قاعٍ، لا قرار لها، طويلةٌ كمائة عامٍ..
كصدى يسمعُ في أَصواتٍ بعيدة لعدَّة أشخاص، بجفنٍ مُتثاقل فَتح عينيّه بقدرِ المُستطاع.. رأي عِدَّة أشخاص لم يتبيَّن معالِمهم بوضوح، لكن صوت بروفيسور "مارتن تبسلر" مديرُ المستشفى يبدو مألوفاً له سمعه حين عنّف الدكتور "فرنر"، حاول أن يتبيَن ما يدورُ بينهُم من حديث. بروفيسور يُعنِّف في الدكتور "فيرنر" كالعادة على ما يبدو..." كل هذا لأنَّك أهمَلت الحالة، هذهِ الأدوية تأتي بنتائج سلبية لمثل هذه الحالات، ألم تدرُس هذا في الكُلِيّة".. ثُم ينصرِف للحديث مع الآخرين، أحاديثٌ خافِتة، لكنّه يسمَعُ بِضعَة كلِمات (هلع -فزع -مادة سيروتونين -رقابة مكثفة) ..تيقن أن شيئاً ما يحدُث في حالته التي يعرفها، تدهورٌ لا يعرِف تفاصيلُه لا مَحالة. مِن أحاديثِ وثرثرة الممرضات التي يكسِرن بها ملَلَ دوامِهن الليلي فهِم حَقيقَة حالتِه بعد أن تصنت عليهن، عرفها تماما؛ كلُّ ما فعله نام كما كأنني لم ينَام من قَبلُ، ليسَ غايةً بل مهرَباً ومحاولة تحمُّل ما حدَث واستيعابَهُ، لكن هاجمته التخيلات المُتوحِشة؛ ذئبٌ جَبلِي يتدلى لِسانَهُ، وتبرُز أنيابه كسيوف جيش هولاكو معه في الغرفة أو هكَذا يتخيل ثم سمع وَقعَ خطوات قُرب الباب يلهث صاحبها بصوتٍ مخيف، "دكتور فيرنر" الكهل الحقير، رائحة الفورمالين المنبعثة من المشرحة المجاورة لهذا القسم، الممرضة الشمطاء التي تتوهم أنها جميلة وصغيرة وتنفق نصف دوامَها في مطالعة مجلات الموضة والأزياء وحين تصاب بالملل تأتي لتدس في جسده التيار الكهربائي هكذا دون داعٍ؛ كلَّ شيءٍ يدعوه ويحثُه على الهروب؛ قدرٌ هائلٌ من الرَّهبة أصابَه.. ثم دفعة واحدة عاد إلى وعيه المؤقت في ذات توقيت عودته انفجر المولد الكهربائي الخاص بالمستشفى مُحدثًا رجّة قوية جعلت المستشفى يهتزّ، رعب هائل أجتاح قلب «خميس» فاندفع خارج الغرفة كطلقة من جوف بندقية إلى الممرات وأخذ يركض دون وجهة محددة إلى أن وجد نفسه في الطريقِ العام أمام المُستشفى، ركض كلاعبِ ألعاب قوى يرغبُ في الفوز، كمَن تُطارِدهُ أشباحُ العالمِ كلِّها.. فوضى عارِمة كانت من حولِه، الجميعُ يصرُخ فزعاً من شِدة الدمار الذي خَلفه الانفجار أصيب المارة بالهلَع، هرب من المستشفى (معتوه)
وربَّما يكونُ خطراً، حسبمَا أذاعَت مكبِّراتِ صوتِ ساحة "ستيفنز" ... هاجَ الناس ذعراً، داهمته الخيالات الفظيعة رأى وهمًا الجميع يطارِدونه، السياح، أعمدة الإنارة، السيارات، الأشجار كل الأشياء تُطاردُه. كان لها عنده ثار، شعر طيلةَ الوقت أن شيئاً ما خفياً يُحاوِل إيقافَ ركضِه، يمسك بي من الخلف بيدٍ من فولاذٍ، لم يشعر «خميس» بشيٍء بعدَها سوى ... اليد الفولاذِية تجرُّه نحو مصيرٍ محتوم، والناس يلهثون حوله ويتكئون على رُكبِهم لالتقاط الأنفاس؛ والمارة كأنهم يُشاهدون لحظة القبض على مجرمٍ خطير ثم.. ثم.. ثم كمية هائلة من عِقار ديازيبام تسرِي في وِريده، وابتسامة شاحبة ترتسِم على شفاهِ الدُّكتُور"فرنر فيمن" ثُم.. ظلامٌ عظيمٌ، ظلامٌ يتمنى «خميس» أن يكون أبدياً ليخلصه من عبثية الوجود .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى