جمال حضري - الترجمة والمثاقفة

تبدو المعطيات خارج اللغة متحكمة في الفعل الترجمي مما ينأى به عن أن ينحصر ضمن الكينونة اللغوية فقط فقد ربط جورج ستاينر اللغة بالخصوصيات التجريبية والحياتية للمستعملين، مما يجعل الترجمة شعرية أكثر منها مطابقة، كما رأى منظرو التلقي أن الترجمة نوع من التلقي الحر كما عند هانس جورج جدامر، أو تواصل للمتلقي فيه الدور الأساسي كما أكده حميد الحمداني شارحا لنزي شميدت، أما أمبرتو إيكو فقد انطلق من التواصل ولكنه غلب المنظور السيميولوجي الذي يجعل المعنى كامنا في البنيات النصية، بينما يقوم الباحث محمد العمري بتفرقة مهمة بين ترجمة لغوية أقرب ما تكون إلى المثالية والتجريد، وترجمة حضارية تأخذ بعين الاعتبار السياق الحضاري والثقافي ويراها الترجمة الأعمق.
هذا العنصر الثقافي الذي يصر عليه الكثير من الباحثين يرسخ الخصوصيات التي تصبح معها الترجمة أمام موضوع معقد لا يكفي فيه حضور الجهاز اللغوي عاريا عن الجهاز السوسيو ثقافي لأن الترجمة كما يقول جون روني لادميرال عبور بين ثقافات(1) أو هو تواصل ثقافي،ذلك أن اللغة متضامنة مع سياق ثقافي يحتم إضافة الأفق الخارج لساني إلى نظرية الترجمة، والترجمة إذا ليست للغة ولكن للكلام(2).
ومن هنا وجب الانطلاق من مقولة لغة – ثقافة بدل مقولة لغة(3)، لأنه لا توجد لغة خارج السياق الثقافي، وبناء عليه، يجب أن تنصب الترجمة على المعنى السياقي بما يعني المحيط النصي والوضعية المرجعية، أي أن النص الأصلي والنص الهدف لهما نفس المعنى إذا اشتغلا في نفس الوضعية بما يستدعي لسانيات للكلام أو نظرية للتلفظ(4).
إن المترجم يصبح بتعبير جورج مونان حاملا إما لنظارات ملونة أو نظارات شفافة(5) وتستعملان حسب الاستراتيجية الترجمية.
الترجمة والشعرية:
إن المنظور الثقافي ليس إلا انعكاسا للمأزق الذي تواجهه الترجمة تجاه ما هو خصوصي مما حدا بمتشونيك على غرار ستاينر، إلى مد أفق الترجمة إلى شعرية ترجمية تفترض نظرية للأدبية(6)، تختفي معها أوهام الوفاء باستثمار ذاتية المترجم بترجمة الأثر وليس الإجراء ذاته مما يصبح معه المترجم كاتبا شريكا أو كاتبا معيدا(7)، فالترجمة مرتبطة إلى أبعد حد بالنظرية الأدبية وتحديداتها للأسلوب ولماهية الأدبية، هل تنصب على المعنى أم على الأسلوب(8)، على بنية العمق أم على بنية السطح كما يميزهما شومسكي(9)، وكما سبقت الإشارة إلى اتجاه ميتشونيك إلى ربط الترجمة بالأدبية فإنه تدرج بها من مرحلة الكلمة كلمة إلى مرحلة ترجمة الأسلوب، أي من ترجمة اللغة إلى ترجمة الشعر(10)، فربط بين ترجمة المعنى والأسلوب أو العمق والشكل(11).
وإذا رجعنا إلى تحديدات غيرو للأسلوب فإن أسلوبية بالي هي التي تستجيب للترجمة بينما أسلوبية الفرد أو التكوينية هي عبارة عن سيميوطيقا للكاتب، فقد ركز بالي في بحثه الأسلوبي على إيحاء اللغة أو القيم العاطفية والتعبيرية، مما يجعل هذه القيم قابلة للترجمة لأنها تنتمي إلى نظام اللغة وليست إنتاجا فرديا. إننا هنا في مواجهة عنصر الإيحاء، وهل هو قابل للترجمة أم لا، فبينما لا يطرح التعيين إشكالا يذهب الدارسون إلى التفرقة بين الإيحاء الذاتي والإيحاء الجماعي، وإذا كان الإيحاء ذاتيا هل هو تجريبي أم متعالي أي هل الإيحاء من اللغة أم من الكلام(12).
لقد ذهب كل من مونان ومارتنيه إلى أن الإيحاء هو ما لا يشترك فيه المتواصلون(13)، وهو رأي يلتقي مع رأي بلومفيلد(14) الذي يحدد معنى شكل لغوي لكل متكلم باعتباره خلاصة للوضعيات التي سمع خلالها هذا الشكل(15)، فالربط واضح بين المعنى والتجربة وعدم قابلية ما هو غير تجريبي للترجمة، وبما أن اللغة جعلت لما هو عام ومشترك فإن الشعر يدرج ضمن ما يسمى في علم النفس اللغوي بالإيحاءات المتقاسمة(16)، مما يعني أن في الإيحاء جزءا من الفردية وجزءا متقاسما وهو ما يؤكد الترجمة التامة(17).
وبالعودة إلى موقف مونان فإن الإيحاء عنده ينقسم إلى:
– العلاقة باث / ملفوظ: وتكون تعبيرية نفسية.
– العلاقة ملفوظ / متلقي: التعبير الاجتماعي للملفوظ أو القيم السوسيوسياقية.
– العلاقة باث / متلقي: حالة الإيحاءات التي تترجم العاطفة الاجتماعية أي مشتركة بينهما(18).
والقسم الثالث هو الذي يعني الترجمة لأن له مرجعا اجتماعيا، فالإيحاءات ليست ذاتية تماما وليست مشتركة تماما ولكنها بين الحدين(19)، ولذلك اقترح بلومفيلد سجلات للإيحاءات من منظور سوسيو لساني(20).
والنتيجة هي أفكار تدور أساسا حول ربط الترجمة بنظرية الأدب لتحديد ما هو العنصر المعني بالفعل الترجمي، هل هو المعنى أم الأسلوب، ثم هل هو المعنى الإيحائي أم المعنى المباشر، هل هو المعنى النصي أم المعنى السياقي الواسع، وهل الأسلوب المعني هو الأسلوب اللغوي كما يراه بالي أم الأسلوب التكويني كما يراه سبيتزر، وهي الإشكالات التي يرى إزاءها لادميرال ضرورة أن تكون الترجمة ثقافية أي تعالقا بين التمايزات مما يعني أن الترجمة لا يمكن إلا أن تكون ترجمة حضارية كما سماها الباحث محمد العمري.
وهذا ليس اختزالا للجهود الضخمة تلك ولكنه تلخيص لمد النظر نحو إشكالية البحث التي هي علاقة الترجمة بالعولمة باعتبارها سياقا تاريخيا وحضاريا واجتماعيا وثقافيا طارئا يحتم منظورا معينا للترجمة الأدبية، ففي ظل هذه الوضعية هل يمكن الاستمرار في استراتيجية الترجمة التي تنطلق من الحفاظ على التمايز كما كانت ترى الأيديولوجيات عبر التاريخ إلى الآن؟
الترجمة والبعد الأيديولوجي:
لم تنعزل الترجمة يوما عن الأيديولوجيا، بما تعنيه من استغلال للمعطى لصالح الأغراض والأهداف الموضوعة، ولذلك ربط بعض الدارسين نشأة الترجمة بالحاجة التبشيرية(21)، حتى إن مصطلح الترجمة والترجمان بالعربية يلمحان إلى منحى الانتقاص والتحريف الذي يعكسه اللفظ الفرنسي المترجم “truchement” لارتباط الترجمة بالأغراض الأيديولوجية التي تنحو إلى التلاعب بمفاهيم اللغة العادية(22).
لقد ذهب أنتوني بيم بعيدا وهو يتتبع انبثاث الأيديولوجيا داخل الترجمة واتجه نحو المترجم بدل الاتجاه إلى فعل الترجمة ذاته لأن الأيديولوجيا ليست إلا المنطلق الذي يتبناه المترجم في اشتغاله بين حدود الثقافات واللغات، ومن ثم عالج عدة إشكاليات تتعلق خصوصا بالمترجم والانتماء، فقد دلت عدة أحداث يمثل لها بترجمة أعمال سلمان رشدي، على أن الترجمة ليست عملا محايدا، بل هي انتماء وتموقع ومن ثم يتساءل عن إمكانية أن يقف المترجم بين الثقافات لا داخلها، ألا يمكن أن يتشكل منظور ما بين ثقافي؟(23)
هذا التساؤل يؤدي إلى استقراء ماضي الترجمة وعلاقته بالنشأة القومية للأمة الألمانية من خلال نموذج شلاير ماخر، الترجمة وتكوين الذات القومية أو علاقة الترجمة بالآخر. إن الترجمة الحرفية إبقاء على الآخر متميزا متخندقا داخل خصوصياته مما يجعل المترجم حارسا على الحدود بين الكيانات الثقافية والعرقية(24)، هل يعني هذا أن الترجمة حقيقة لا طائل من ورائها؟ هل هي واجبة في ظل العولمة؟ إن الجواب بالإيجاب إذا كانت الترجمة لصالح تقوية العلاقات الثقافية(25)، ونموذج شلاير ماخر مهم جدا لهذا البعد الأيديولوجي في الترجمة الذي يجعلها تتجه عكس الانفتاح والتواصل، فهو يقول محددا الفعل الترجمي “إما أن يدع المترجم الكاتب مستريحا إلى الحد الممكن ويسعى إلى جلب القارئ إليه، وإما أن يدع القارئ مستريحا إلى الحد الممكن ويجعل الكاتب هو الذي يذهب إلى ملاقاته”(26). وقد تكلم هردر أيضا عن السفر من القارئ أو الكاتب(27)، وأفضل الاستراتيجيات هي تسفير القارئ أي الترجمة الأمينة وتحسيس القارئ بغرابة النص(28).
إن هذه الثنائية الراسخة تقليد منذ شيشرون، ونتج عنها التكافؤ الشكلي التكاقؤ الدينامي لنيدا والترجمة الدلالية والتواصلية لنيومارك…(29)
كما نتج عنها ثنائيات حسب الصفة التي تصف بها الترجمة النص السابق: فهي وهمية ضد وهمية لليفي، منفتحة مختفية لهوس، ما فوق نصية أي تمركز عرقي حرفية لبيرمان(30).
يتخذ شلاير ماخر إذا موقف المحافظة على أمانة المصدر وقارئ الترجمة يجب ألا يغادر دائرة لغته الأم(31)، وهذا يعني أن القارئ ليس مزدوج اللغة ومتعدد اللسان كي يستطيع تخطي الحدود وبالتالي لا يحتاج إلى الترجمة، إن الترجمة جعلت للذي يبقى في بيته أو جعلت لكي يبقى في بيته(32) ولا يمكن من هذا المنظور، الدخول في علاقة ترجمية مع الآخر إلا بالانتماء إلى مكان مهيكل جدا، أي الانتماء إلى عائلة(33).
ولكن كيف يمكن أن نترجم حرفيا دون أن نحرف لغة – ثقافة الوصول، أي كيف ننقل القارئ إلى النص المصدر وفي نفس الوقت يظل في بيته؟ إن الحل هو في رعاية المترجم لخط رقيق يفصل بين الحرفية والخيانة(34).
يستعير شلاير ماخر مفهوم الأولاد ذوي الدم المختلط لتوضيح هذا الفصل ويعطي للحرفية الصفات السلبية مع أنها مطلوبة لكي يحيط بها المترجم ويتجنبها(35)، فالمترجم الجيد حسب شلاير ماخر هو الذي يتبع المنعرجات النصية لكي يستطيع القارئ دون التنقل الجسدي، الإحساس بأن الشيء غريب، فهذا هو هدف المترجم أساسا(36)، بل إن المترجم نفسه يجب أن يحس هذا الإحساس، فهو ليس مزدوج اللغة ولا متعدد اللسان، أي إن المترجم يجب أن ينتمي إلى المجموعة الثقافية المتلقية، فيكون جاهلا نوعا ما باللغة والثقافة المصدر، فهو بالنسبة للقارئ واحد من العائلة ينتمي إلى اللغة الأم التي يترجم إليها، “فالانتماء إذا معطى وليس مشكلة”(37).
إن كل شيء يتم داخل وطنيات متبادلة، فعلى الطريقة الفرنسية يتم تجنيس الأجنبي أي إدماجه في المحلي والقضاء على كل تميز وخصوصية، وبما إن شلاير ماخر يواجه نزعة نابليون الاندماجية فإنه يرفض الطريقة الفرنسية التوسعية في الترجمة، لصالح ترجمة تنهج الحرفية التي لا تعني سوى طريقة ما لبناء رقعة وطنية متميزة(38).
فالطريقتان إذا سبيلان إلى بناء الهوية، تنحو الطريقة الألمانية نحو وطنية تمايزية بينما تتجه الفرنسية إلى الإدماج وإذابة التمايزات.
إن الثقافة حين تتمركز على ذاتها تحاول أن تجمع بين فكرة الانتماء والأرض وتنهج بالتالي إلى دمج الثقافات الأخرى، بينما تحاول ثقافة ملتفتة إلى الخارج، أن تدخل فكرة المسافة في الانتماء، وتفضل علاقة الدم على علاقة الجغرافيا، والهدف واضح في أن شلاير ماخر يريد التركيز على جعل الألمانية لغة عالمية لأنها تحافظ على تمايز الآخر(39).
إذا لا توجد إلا هاتان الطريقتان إما التوجه نحو الداخل وإما التوجه نحو الخارج أما الوقوف على الحدود فغير ممكن(40).
فهذا المنطلق يرى أن الفكر الخلاق لا يكون إلا داخل اللغة الأم(41)، والترجمة في ظل ذلك تقوي الوطنيات الثقافية والحدود التي تفصل اللغات والمجتمعات والأنظمة والعقول(42).
وقد فهمت أوروبا باكرا العلاقة بين عامل الهوية وآلية الترجمة، ففرقت بين الترجمة الأدبية وغيرها بما يسمح بالفصل بين الأعمال البانية للهوية الوطنية وبين الوظائف التجارية ما بين الثقافات ولذلك نرى جهدا ضخما لتكوين تراجمة المحاضرات ويهمل تكوين التراجمة الاجتماعيين(43)، كل ذلك في إطار تقوية اللغات الوطنية، فالترجمة الأدبية تدخل في إطار تقوية الوطنيات لأن الأدب يدخل في تشكيل الهوية ولذلك تعرض فيه الترجمة على أنها مستحيلة ويجب أن تكون غير أمينة. وهنا تلتقي مع منظور شلاير ماخر في الحفاظ على الوطني من خلال الإبقاء على تمايز الأجنبي فالحرفية والخيانة كلاهما يصبان في نفس المصب ألا وهو الحفاظ على التمايز، وكلاهما مناهض لمسار الكونية والمثاقفة.
الترجمة وهيمنة الآخر:
إن الحضارة المهيمنة ترفض الاختلاف واستقلالية الثقافة المغلوبة وتجبرها على التبعية، وكل تحول ثقافي للمجتمعات المغلوبة يترجم في العمق شعورا بالدونية يبثه الطرف الغالب في الطرف المغلوب ينتهي بالأخير إلى إنكار ذاته(44).
والتثاقف الذي أصبح شرطا لمد التوسع العسكري والسياسي والاقتصادي، متمركز حول الغرب الذي يعطي شهادات التاريخ للشعوب الأخرى. فقد غدا التاريخ الغربي عموما محورا وتدخل الثقافات الأخرى في اتصال به كأمم دونية، ويصبح التحول في جميع أشكاله حركة لضمان الحياة والبقاء بكل ما يعنيه ذلك من جبرية وإخضاع، ويسري منطق هذه العدوى من خلال النخب المحلية التي تتجه إلى تنميط الهوية وفق ما يمليه الطرف الغالب(45).
والترجمة في ظل هذا الوضع تسخر لضمان توجه تشكيل الهوية نحو التعامل مع هذا المنطق، فالطرف المهيمن يستخدم الترجمة من باب الإدماج والاستيعاب، والطرف المغلوب يستخدمها من باب الحفاظ على الوجود. ولذلك لا يستقيم بحال أن تكون استراتيجية الطرفين متماثلة في استخدام الآلية الترجمية ولذلك لا يستغرب أن تظهر من جديد ترجمة الشروح والتلخيصات من جهة والترجمة الحضارية من جهة أخرى، ولكن هل في وسع الطرف المغلوب باعتباره الأنا أن يبتكر أو يفعل الآلية الأنسب لمواجهة الظرف وبالتالي يبطل عمل استراتيجية الهيمنة وآليتها الترجمية؟
وهيمنة الطرف الغالب تبتدع غالبا الوسائل والآليات المكافئة للهدف المرسوم وتتناسب هذه الآلية مع أهمية هذا الهدف، وفيما يخص الهوية فإن مسار الهيمنة والدفع نحو التحول نحو الآخر يتم بالتلاعب بالمفاهيم والقيام بتحديد مضامينها حيث يتلقاها الطرف المغلوب بوصفها حقائق مما يؤدي إلى عقم خياله الإبداعي(46).
فالعقلانية كمفهوم تنويري وقد تلبس بالأيديولوجيا أصبح عدوى تبرر العنف الاستعماري بوصفه عنفا عقلانيا وضروريا لتنمية المتوحشين(47)، ويمكن في هذا الإطار الاعتراف للمجتمعات المحلية بالماضي المجيد والزاخر ولكن في ظل مصالح المركز المهيمن(48). ولضمان هذا التمركز المهيمن يظل التشجيع قائما ونشيطا لكل ما يعزز منطق التمايز بين المجتمعات المحلية فيتم إنتاج خليط من المفاهيم والتحديدات التي ترسخه وتؤبده(49).
والنخبة التي يسيطر عليها وهم الانفكاك من التخلف تجتهد للتماثل مع القيم الوافدة لوهمها أنها كلما تمثلتها كلما انخرطت في الكونية، وسرعان ما يتضخم الأمر ليصبح الحل هو الهجرة والاغتراب الجغرافي وفي ظله تحاول النخبة من خلال الفعل الترجمي أن تكون الوسيط بين الموقعين(50). إن الترجمة ههنا تصبح آلية نقل للمفاهيم الحاملة لشروط فهمها وتمثلها، وتلعب دور استيعاب ودمج بالنسبة للقائمين عليها أولا ثم بالنسبة للطبقة الموالية من المتلقين. إن الترجمة في مفهوم الغالب يجب أن تصب لصالح ربط مصالح المتلقي به وعلى جميع الأصعدة وهذا الربط يتم بالترجمة إليه كي يظل في بيته ويسهل التدليس عليه وتصوير هذا الفعل الترجمي ذاته كغاية وشكل من الانتماء إلى الحضارة والعصرانية. وفي هذا البعد تلعب النخبة دورا هائلا كوسيط مأمون من طرفي العملية فهو بالنسبة للغة المنبع عنصر من العائلة تم دمجه واستيعابه وهو بالنسبة للغة الهدف عنصر من العائلة مضمون الولاء والانتماء، ولهذا فإن السؤال يعاود طرح نفسه ألا يمكن تفعيل آلية تطيح بالدور النيابي لأي كان وترك المتلقي في مواجهة اللغة المنبع؟
تثاقف أم امتثال:
في ظل العولمة تجد الترجمة نفسها تجاه جملة أسئلة مصيرية تتعلق بالتعدد والهوية وعلاقتها بالسياسي والاقتصادي. إذا كانت العولمة اتجاها نحو التماثل والمشاكلة فمعنى ذلك أنها تتجه صوب إثبات اللغة البابلية الواحدة ومحاولة بعثها من جديد.
والترجمة في ظل هذا الواقع تصبح تحريكا للجرح البابلي بما تعنيه من تعدد ومحاربة للأصل، فالترجمة ترادف التعدد إذا انطلقت من اعتبار تمايزي وهي بهذا المفهوم تحيد عن مسار خطاب العولمة الذي يتأسس على التوحيد والالتقاء. هل يعني ذلك أن تقف الترجمة في خط التفكيك؟(51) أم تساهم في إبراز المشاكلات والتقاطعات؟ ولحد اليوم ألا تقف استراتيجية الترجمة في مسار مضاد تماما لمسار العولمة سواء: بتهجير القارئ أو ترجمة الوفاء، وبتهجير الكاتب أو ترجمة التصرف.
إن هذا الوعي يعني أن الترجمة هي بشكل ما بديل مشوه للغة كونية ضرورية، وأنها مرادفة للتصرف والتأويل والقراءة بالنيابة خاصة إذا تعلق الأمر بالنص الأدبي، مما يعني أن الترجمة سلاح للتقوقع في وجه الإغناء العولمي لصالح التمايز الترجمي، وترسيخ لعلاقة الشك بدل علاقة التبادل. إن الانتصار للترجمة يعني مكافحة جملة حقائق منها التكافؤ النسبي في الحصول على المعلومة من خلال الشبكة مما يسهل فكرة الإحاطة بالسياق ذي الأهمية الجوهرية ترجميا وثقافيا وعلى صعيد الهوية أيضا خاصة بالنسبة للنص الأدبي حيث تقوم الترجمة في مستوى السياق وليس في مستوى البنية(52).
إن المصادرة على الترجمة باتجاهيها المذكورين هو مصادرة على حراسة تعدد يتبادل الإلغاء والانعزال ويقضي على كل ما يشير إلى معنى واحد ومشترك، واعتبارها أفقا وحيدا للانفتاح على الآخر في ظل الخصوصية والتمايز يؤدي إلى اعتبارها غير معنية بنقل معنى لا يتغير بتغير الحامل اللغوي والعرقي، كونها تنطلق من رعاية الاختلاف وتنتهي فعليا إلى تمركز متبادل، وبذلك يصبح الفعل الترجمي موقفا غير محايد تجاه العولمة بل هي تشاكسها وتنتقدها(53) وبالتالي فإن من يرى أنها “فرصة الخروج من شرنقة العولمة إلى فضاء المثاقفة والرد الثقافي على عولمة قائمة على أسطورة اللغة الواحدة”(54) لم يدرك أننا لم ندخل العولمة لكي نخرج منها وكيف ندخلها وقد جعلنا الترجمة سلاحا في وجه كل ما نلتقي عليه مع الآخر لأن الحذر المتبادل لا يحقق لقاء ولكن تدابرا وانكفاء.
إن ظرف العولمة يفتح بالفعل أعيننا على علاقة الترجمة بالثقافة وما تطرحه من أسئلة حول اللغة والثقافة، واللغة والفكر، والذات والآخر(55).
إن ثنائية إمكانية الترجمة واستحالتها مرتبطة بما أسماه لادميرال بروليتاريا: المترجمون والأرستقراطيون: المنظرون الذين يرون استحالتها(56).
لقد انقسم الدارسون إلى مناهض للترجمة يرى الثقافات كيانات منغلقة تتعالق فيها اللغات برؤية خاصة للكون لا يمكن نقلها، ومؤيد للترجمة على اعتبار وجود الترجمة ذاتها ووجود التنوع اللغوي. وقديما ارتبط ازدراء اللغات بوجود الترجمة، مما يعني أن وجودها هو اعتراف بالتفاضل والتمايز بين اللغات بدل المساواة بينها، وكمثال على ارتباط الترجمة بالخصوصية نجد اللاتين في ترجمتهم التراث العربي حرصوا على كل ما يضمن تمايز المصدر من خلال رعاية السياق الثقافي المعبر عن هذه الغيرية تحقيقا للامتلاك ولكن بالاختزال بواسطة إجراءات الحذف والإضافة وإعادة تنظيم النص وتدقيق المعلومات، مما يعني أن الترجمة غير محايدة، لأنها تستجيب لاستراتيجيات الهيمنة(57).
ويمكن ملاحظة السلوك الترجمي الآن بين المصدر العربي والهدف الغربي فنجد غلبة التصرف في النص حتى يتلاءم مع أفق الانتظار الغربي مما يعني أن الكاتب العربي أو غير الغربي هو الذي يتحرك تجاه القارئ الغربي الذي يظل في مكانه، بكل ما يؤدي إليه ذلك التصرف في النص المترجم من تمركز عرقي(58)، يقابله عند الطرف العربي هجرة النص الغربي إلى القارئ العربي بفعل هوس انكفائي تترجمه مقولة الغزو الثقافي التي تؤدي إلى إنتاج ترجمة متصرفة(59).
مما يعني أنه وفي الاتجاهين تنخرط الترجمة في تأكيد الخصوصيات بدل الانفتاح، وتوسيع التباعد بين الجزر العرقية والثقافية بدل التعارف والتلاقي، ولكن هذا ليس بالتأكيد في صالح الطرف الضعيف الذي يكون الأكثر عرضة لسلبيات الترجمة المتصرفة أو المحافظة على التمايز، إن هذا النوع من الترجمة يبقينا في ديارنا مع شيوع وهم الانفتاح من خلال ترجمة منقوصة ونيابية ونخبوية تأويلية، مع أننا الطرف الأحوج لمغادرة مضاربه نحو الآخر وليس هو محكوما بالضرورة ذاتها هذا هو الفرق الذي يجب أن نعيه ونتعامل على أساسه.
فالترجمة بهذا الحرص على التقوقع لا يمكن أن تحقق التثاقف بجعل الكوني أساسا مشتركا يتملكه كل فريق بالتساوي، أو أن يثمر تبادلا للتمايزات. إن تبادل التمايزات لا يمكن إلا بالاتصال المباشر للمتلقي باللغة المنبع، أي بالنصوص في مضامينها اللغوية دون وسطاء مما يعني أن تكون الكيانات الثقافية مفتوحة من خلال إشاعة فضاءاتها اللغوية.
هاهي إذا مختلف النظريات الترجمية تلتقي عند هدف أخير هو فكرة الهجرة أو الانتقال، بما تعنيه من مصادرة على فكرة الانتماء كما أوضحها بيم، وسواء تمت في هذا الاتجاه أو ذاك تظل الترجمة خاضعة لأيديولوجيا محافظة على الرقعة العرقية أو الثقافية أو الترابية، وفي ظل هذا أيمكن الحديث عن ترجمة تساهم في تكوين الهويات المنفتحة؟
ترجمة النص الأدبي:
لنأخذ النص الأدبي الذي يساهم مباشرة في تكوين وتشكيل هذه الهوية ماذا يعني القول باستحالة ترجمته حرفيا والحاجة إلى أنماط الترجمة التي تم بيانها عند مختلف الاتجاهات ألا يعني ذلك في النهاية أن كل ما يشكل الهوية غير قابل للترجمة؟ فأين الانفتاح المرصود من خلال الترجمة واعتبارها انفتاحا على الآخر منطلقين في الآن ذاته من مصادرة استحالة ترجمة ما يرتبط بالهوية؟ أليست الترجمة في ظل العولمة في مأزق حقيقي؟
لنبدأ من حيث بدأنا مع دريدا، النص الأدبي عنده يحتاج إلى الترجمة ولكنها ترجمة التفكيك والتصرف والإبداع على الإبداع ومن ثم فإن وجود الترجمة مرتبط بوجود التمنع والاستحالة، وجود لا يساهم بأي شكل في انتقال المعنى ولكن في إبداعه وفق مبدأ حرية الكلمة والعلامة من الإكراهات. وهنا فقط يجد الانفتاح معناه الحقيقي بدلالته على أن النص المبدع منفتح على كل قراءاته، والترجمة تصبح قراءة في حد ذاتها.
ومع جورج ستاينر يتأكد منحيا الترجمة الكونية والفردانية وربما نجده أميل إلى الثانية، رابطا الأولى بوهم الأسطورة البابلية ذات المقصد الواحد والمعنى الأصلي، سالكا كل التخريجات البنيوية والإسقاطات على اللغة الرياضية ضمن مسعى اللغة الكونية، أي أنه في النهاية يرى الترجمة فعلا يؤكده الواقع اللغوي المتنوع، فالحاجة إلى الترجمة حاجة إلى إبقاء هذا التنوع والتمايز بكل ما يعنيه من مضادة للكسموبوليتية والكونية، ونظرا للقدم النسبي للكتاب ربما نستطيع القول بأن الرجل كان يمكنه التراجع عن الكثير من الأحكام لو رأى لغة الإعلام توحد بالصورة والصوت والعلامة مثلا بين الزوار للمواقع الإلكترونية في انسجام وتناغم لا يمكن تسويغه إلا بوجود لغة واحدة كامنة في لاوعي كل البشر. وقد حاولت نظريات التلقي والتواصل تخطي عقبات الخصوصيات الشكلية للنص الأدبي خصوصا وربطت الترجمة بالخصائص الوجودية للقارئ من جهة وبالإنباء المتميز للنص من جهة أخرى مما يعني أنها لم تخرج عن المنظار الكلاسيكي للترجمة فهي إما تهجير للمتلقي لصالح النص أو تهجير للباث لصالح المتلقي، أو تحقيق التفاعل بينهما كما يرى جدامر في تطويرات تالية لآرائه، بما يعني أن الترجمة تظل عملا قرائيا محكوما بالسياق النصي أو السياق التاريخي للقارئ أي تقوقعا على الخصوصيات.
وفي تعالق الترجمة بالأيديولوجيا يظهر بجلاء كيف أن الفعالية الترجمية محكومة إلى أبعد حد بالهدف والغرض السياسي أو الاقتصادي، والتتبع المتأني للمسار الزمني للترجمة سيكتشف بسهولة تبعية الترجمة للأيديولوجيا بكل ما يعنيه ذلك من انغلاق وراء الأهداف القومية الخاصة أو الفئوية أو الجنسية.
إن ارتباط الترجمة بالأيديولوجيا مناف تماما لمقولة الانفتاح، لأن قارئ الترجمة محكوم عليه بألا يغادر دائرة لغته الأم(60)، وهذا يعني أن القارئ لا يطلب منه مباشرة النص بأن يكون مزدوج اللغة ومتعدد اللسان كي يستطيع تخطي الحدود وبالتالي لا يحتاج إلى الترجمة، إن الترجمة هي في النهاية آلية جعلت لمن يبقى في بيته أو جعلت له لكي يبقى في بيته(61).
ولا يمكن من هذا المنظور، الدخول في علاقة ترجمية مع الآخر إلا بالانتماء إلى مكان مهيكل جدا، أي الانتماء إلى عائل(62)، مما يعني أن المصادرة على الترجمة تفترض تأكيدا على الخصوصية العازلة مما ينتفي معها أي مضمون لتبادل أدبي أو تثاقف كما يحلم به المترجمون الحضاريون.
ومن هذه الزاوية فإن الترجمة الأدبية تدخل في إطار تقوية الوطنيات والكانتونات الثقافية بالمفهوم الانعزالي، خاصة وأن الأيديولوجيا تربط الأدب بتشكيل الهوية ولذلك تعرض فيه الترجمة على أنها مستحيلة ويجب أن تكون غير أمينة. وهنا تلتقي مع منظور شلاير ماخر في الحفاظ على الوطني من خلال الإبقاء على تمايز الأجنبي فالحرفية والخيانة كلاهما يصبان في نفس المصب ألا وهو الحفاظ على التمايز، وكلاهما مناهض لمسار الكونية والعولمة.
إن الترجمة لا تكون خادمة للانفتاح ومرسخة له إلا في حالة الحياد أو التموقع بين الثقافات، أي على نقيض ما أرشد إليه شلاير ماخر من أن المترجم هو في النهاية ابن العائلة ولا يشترط فيه أن يكون متعدد اللسان بمنظوره لأن الإبداع في رأيه لا يكون إلا في اللغة الأم، الترجمة لا تكون انفتاحا حتى يقف المترجم بين الثقافات وقوفا يعكس التساوي والقربى ويؤكد وجود القيم الإنسانية المشتركة تصبح معه مقولات الغزو الثقافي والحفاظ على الهوية ساذجة وشوفينية، بل إن المبدأ إذا دفع إلى أقصاه يلغي الترجمة ذاتها بما تعنيه من نخبوية ونيابة عن القارئ، فلا هجرة بعد شيوع لغة العولمة، أي الانتقال من فعل الترجمة إلى تعليم لغة العولمة بما يعنيه ذلك أيضا من تحرير القارئ وجعله وجها لوجه مع النص الأصلي.

الهوامش:
1 / 20 – Jean René Ladmiral : Traduire, théorèmes pour la traduction, Payot, Paris 1979, pp. 13 – 146.
21 / 22 – George Steiner : Après Babel une poétique du dire et de la traduction, Albin Michel, 1978, pp. 31 – 44.
23 / 43 – Anthony Pym : Pour une éthique du traducteur, PUF, 1997, pp. 14 – 40.
44 / 50 – Grégoire Marcho : Pour une réflexion sur la problématique de l’acculturation, Etudes orientales, N° 3, 1988, pp. 42 – 49.

51 / 59 – رشيد برهون: الترجمة ورهانات العولمة، عالم الفكر، ع 1، مجلد 31، ص 166 – 180.
60 / 62 – Anthony Pym : op. cit., p. 24.


جمال حضري
جامعة المسيلة


* نقلا عن موقع.aranthroposcom

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى