خيري عبد الجواد - من أوقف سلاسل ومطبوعات الزمن الجميل؟؟!!

لماذا دائما نحن الى الماضى؟ هل لأن الماضى قد مضى بخيره وشره؟ أم لأن الماضى هو مجموعة من الذكريات فى الزمان والمكان تحتل ركنا أساسيا من ذاكرة البشر؟
أتذكر دائما ذلك الزمن الجميل كلما وجهت عينى نحو الحاضر الراهن بكل قسوته وجبروت ايقاعه اللاهث، وذلك الصخب العنيف الذى يعيشه أبناء المدن الكبيرة مثل مدينة القاهرة التى يزيد عدد سكانها على العشرين مليونا من البشر الساعين فى مناكبها ليل نهار ، بلا مستقبل ويبدو لى أننا نحن أبناء القرن الواحد والعشرين نعيش حضارة بلا مستقبل، بينما أبناء القرن السابق كانوا يعيشون للمستقبل، ويعملون من أجل المستقبل، وأنظر دائما الى سلاسل المجلات والكتب التى كانت تصدر أبتداء من أول القرن الماضى وحتى منتصفه، فأنتصر لها، وأتعجب من ذلك الرقى والحراك الفكرى والادبى والفنى الذى كان يعيش فيه وعليه أبناء ذلك الزمن الجميل مقارنة بزمننا هذا.
وعلى سبيل المثال، فالمجلات التى كانت تصدر أوائل القرن العشرين ليس هناك وجه مقارنة بينها ومجلات اليوم، مجلة (روضة المدارس) التى كان يصدرها أحد قادة التنوير رفاعة رافع الطهطاوى إذا قرأتها فتشعر أنك داخل جامعة لكل أنواع العلوم والفنون والثقافة الرفيعة حتى أنك قد لا تحتاج الى كتب أخرى بعدها، مجلة (الرسالة) القديمة والتى أصدرها الزيات وحتى (الرسالة الجديدة) والتى صدرت بعد الثورة عام 1954ورأس تحريرها الاديب يوسف السباعى وكتابات العقاد وطه حسين وسلامة موسى فيها، واحتضانها للجيل الجديد فى ذلك الوقت، نجيب محفوظ، يوسف السباعى، أمين يوسف غراب، عبد الحميد جودة السحار، ويوسف أدريس، وغيرهم من كتاب تلك الفترة، مجلة (القصة) التى أصدرها فؤاد سراج الدين الزعيم السياسى الوفدى وتولى إدارتها الشاعر ابراهيم ناجى وصدر العدد الاول منها عام 1949وكان الفضل فى اكتشافى لها الصديق الشاعر الكبير حسن توفيق، مجلة (الكاتب المصرى) التى رأس تحريرها عميد الادب العربى طه حسين وصدر عددها الأول فى أكتوبر عام 1945وظلت تصدر شهريا وبانتظام حتى عام 1948وكانت المجلة تتفق مع كبار الأدباء فى العالم للكتابة اليها خصيصا، فضلا عن مجلة (السياسة الاسبوعية)، و(مجلة أبولو)، و(البعكوكة) . وغيرها الكثير من المجلات والتى لا تحضرنى الذاكرة لذكرها .
أما عن سلاسل الكتب التى كانت تصدر وقتها، فحدث ولا حرج، سلسلة (مطبوعات كتابى)، و(مختارات كتابى)، تلك السلسلة الشهرية والتى كان يصدرها حلمى مراد على نفقته الخاصة، وكان شعارها مصباح الفكر عند الاغريق، وكانت تقدم الترجمات الكاملة لشوامخ الكتب العالمية، (سلسلة اقرأ) والتى كانت تصدر عن دار المعارف وشعارها أسلوب اليوم، وتفكير الغد، وهذه السلسلة قدمت مكتبة كاملة من المعارف العامة بقروش زهيدة، كذلك سلسلة (أعلام العرب) والتى كانت تصدر عن وزارة الثقافة والارشاد القومى بعد ثورة يوليو وقدمت أساطين الفكر العربى على مر العصور قديما وحديثا، فهى تعد موسوعة متكاملة فى هذا المجال، كما قدمت سلسلة (المكتبة الثقافية) وهى سلسلة نصف شهرية، وسلسلة (الألف كتاب الأولى) والتى كانت تصدر شهرية، وتترجم ترجمة أمينة لعيون الكتب العالمية المهمة، والدار المصرية للطباعة والنشر كانت تصدر سلسلة متخصصة بعنوان سلسلة الجوائز العالمية تصدر شهرية، ودار الجديد التى كانت تصدر سلسلة بعنوان (مطبوعات الجديد) نصف شهرية، وجريدة الجمهورية التى كانت تصدر سلسلة شهرية بعنوان (كتاب الجمهورية) ودار التعاون، وكانت تصدر سلسلة بعنوان (كتاب التعاون) ، وسلسلة (كتاب اليوم) والتى تصدرها دار أخبار اليوم، ومطابع الاهرام كانت تصدر (سلسلة كتاب أبو الهول) ، وسلسلة (روايات الجيب) والتى كان يصدرها على نفقته الخاصة عمر عبد العزيز أمين.
حتى وزارة التعليم العالى كانت تساهم فى إصدار سلسلة الالف كتاب، وسلاسل المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر وما قدمته من روائع الأدب العالمى فى سلسلة (روايات عالمية) وكان شعارها كتاب كل ست ساعات ، كما قدمت الشركة المصرية للطباعة والنشر عدة سلاسل منها اخترنا للعامل و اخترنا للفلاح ، وجامعة الدول العربية كانت تصدر سلسلة تخصصت فى ترجمة أعمال شكسبير وراسين وكان يشرف عليها الدكتور طه حسين ، وهناك سلسلة بعنوان (مسامرات الشعب) تخصصت فى نشر القصص والروايات المترجمة عن الانجليزية والفرنسية، إلى آخره . آلة ثقافية ومعرفية ضخمة وهائلة كان يديرها الأفراد جنبا الى جنب مؤسسات الدولة فى ذلك الوقت، فيما يشبه الاوركسترا من أجل عزف سيمفونية نهضوية ومن خلال مشروع قومى عربى كان لابد من ضربه وايقافه بأى ثمن، وهو ما حدث بالفعل على مرأى ومسمع من الجميع !
والسؤال الذى يطرح نفسه : كيف حدث ما حدث ؟ وكيف تحولت الجملة الفعلية العربية الى مفعول به فقط، بينما الفاعل والمفعول خارج إطار لغتنا وعالمنا وزمننا ؟ سؤال لا أجد له إجابة عندى !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى