سيف شمس الدين الالوسي - الرحم.. قصة قصيرة

في لحظة ما نعيش حياة لم يسبق لنا إن عشناها من قبل ، حياة ربما ليس لها وجود إلا داخل جمجمتنا ، نعيشها بتفاصيلها الدقيقة ونتألم ونسعد بها ، وربما نغضب وننتقم من أناس ليس لهم وجود فقط كوننا ميالون للانتقام .

ربما نصنع لنا أوهام سرعان ما نصدق بها أو ربما هي حقيقية ولشد ما هي مستحيلة التصديق نشعر بأنها وهم أو خيال لا وجود له .

للحظات سريعة صفعت بي الذكريات وأرجعتني إلى ما وراء الوراء ، إلى خلف الماضي ، إلى زمن سحيق في كهوف نياندرتال ، ماض لا اعرف لماذا وكيف تذكرته خرجت عن حدود الزمن رجعت إلى الماضي تسربت به وخرجت من واقعي لأخرج الى حياة ماضية لم يسبق لي ان عشتها من قبل ، خرجت إليها ناضحا كما قطرات العرق تخرج من جلودنا ، لا نشعر بخروجها ، لا نشعر بها حتى نراها متكاملة فسرعان ما تزعجنا ولنحاول مسحها ، لم ندرك أن كلما أزلنا العرق كلما زاد أكثر ، هو خرج ليحفظ حرارة أجسادنا ويمنعها من عدم ارتفاع درجة حرارتها ، وكذلك الذكريات المؤلمة ، تبقى قابعة فينا تخرج من جسدنا مهما حاولنا مسحها ، تخرج لسبب واحد حتى تحفظنا من الاهتزازات والعثرات المتكررة ، نحاول تجاهلها أو نسيانها لكننا نكذب على ذواتنا والكذبة الأكبر هي تصديق أنفسنا .

كانت لحظة ليست ككل اللحظات التي عشتها سابقا ، جذبتني من يدي وأصبح كل شيء من حولي يدور وأنا واقف لا يرمش لي جفن ، كل دورة ترجعني لماضي بعيد، يبعد آلاف الأميال ، كان الواقع يدور من حولي واللاواقع يدور عكس دوران الواقع ، لا اعرف إلى أين انظر ، بقيت فاغر الفم، يعتصرني كل شيء .

استيقظت صباحا لأجد نفسي فجأة لست على سريري ، بل هناك ، إلى ما وراء الوراء ، جرتني من تلابيب قميصي وقذفت بي إلى عالم غريب ، مظلم لكنني أرى ما فيه ، ضيق جدا حتى كنت محني الظهر لكنني أتجول فيه وقضيت فيه كل سنيني، عالم مليء بالأنسجة العنكبوتية ، كنت داخل صومعة مغمورة بالمياه لكني كنت أتنفس داخلها ، لا يوجد هواء إلا أني استنشق بكامل حيويتي ، لا توجد أسواق واكل على مدار الأوقات ، عالم أنا فيه وحدي العب وأثور ، اصرخ ، افرح واحزن .

الزمن فيه يختلف عن زمني هذا ، كان الشهر فيه كسنة هنا ، يمر بسرعة عجيبة ، اشعر بأعضائي وهي تنمو ، كانت تنمو بسرعة فائقة كأعواد الخيزران .

هذه اللحظة لا اعرف كيف رمتني هناك ، في عالمي القديم ، هل هو الحنين إلى العودة لمن لا عودة له ، أم لأني فقدته ومن المستحيل أن امتلكه مرة أخرى ، هذا هو حالنا نتمسك بالأشياء التي نفقدها ، لا نعير أي أهمية للأشياء التي نملكها حتى لو كانت ثمينة ، ثمن الشيء عند فقدانه ، لذلك المحبون يتألمون فقط عند الفراق ، لحظات اللقاء يمكن أن تكون مملة ، والسبب الذي يطيل جلوسهم مع بعض ليست اللحظات الجميلة التي يقضونها سوية، لكن فكرة لحظة الوداع هي من تبقيهم يجلسون لأطول فترة ممكنة .

نشأت هناك وحيدا واكتسبت كل شيء ، عالمي هذا لم يضف لي أي شيء سوى الكذب ، كنت صادق مع لا احد ، لم أكن اكذب على الآخرين لان ليس لهم وجود .

وعندما اصبح عمري سبعين عاما تغيرت طباعي ، بدأت اشعر بضيق الزنزانة ، لذلك كنت سريع الغضب ، كل مرة اغضب فيها كنت ارفس جدران زنزانتي ، وما يغضبني أكثر أني كنت اسمع ضحكات وقهقهات كلما رفست ، بدأت اسمع أصوات من عالم آخر ليس لي به أي معرفة وأي دراية ، فكنت كلما زادت وحشتي أكثر بدأت بالرفس حتى اسمع أي صوت يؤنسني .

كل صفاتي التي أتمتع بها الآن هي مكتسبة من ذلك العالم ، حتى شكلي الخارجي ، نحن نولد عدة مرات ونموت عدة مرات ، كل ميتة هي ولادة جديدة ، كلما كبرنا في عالم ما أصبحنا اصغر في العالم الآخر ، كنت اكبر في الشهر سنة ، حتى أصبح عمري تسعين عاما ، هرمت كثيرا ولم اعد قادرا على الحراك ، رحم أمي صغر علي جدا ، بل هو لم يصغر أنا من كبر .

جاوزت سن الطفولة والشباب ، قلت حركاتي وقلت رفساتي وبدأت انزوي لوحدي أهيم بأفكاري بعد أن كنت أهيم بجسدي ، أتفسح والعب واركض واكل ما يحلو لي ، أما في نهاية حياتي في ذلك العالم خارت قواي وعظمت أفكاري ، بدأت أتجول بأفكاري ، عرفت أن نهايتي باتت وشيكة وسأقبر في يوم ما وهذا اليوم قريب ، كنت متمسكا بتلك الحياة رغم صغر حجمها علي ، رغم ما كنت أعانيه من الوحدة إلا أني تعودت عليها لان لا يوجد بديل لها ، كما نحن الآن متعودون على ما نمر به لأننا لا نعرف حياة سواها .

اكتشفت بلحظات قليلة ما يجري بحياة الإنسان من تجارب ، لا ينقطع الإنسان من المرور بالتجارب حتى وهو في بطن أمه ، تذكرت عندما كنت هناك ومحاولتي بالبقاء وتكوين أشياء كثيرة والاحتفاظ بطعامي ومشربي وكل ما املكه ، كنت اقبض على كل شيء قريب مني بقوة حتى لا افقده ، اعتبره من أملاكي ، وكلما تنتابني رعشات شديدة تكاد أن تسقطني في هوة عميقة لا اعرف ما مدى عمقها تشبثت بقوة حتى لا اسقط ، أصبحت ثقيلا وهرما ، بدأت أتلفظ أنفاسي الأخيرة.

أصبت بإعياء شديد من شدة تشبثي ، لا أريد أن أموت ، تمسكت جاهدا بحياتي ، لا أريد السقوط في تلك الهوة ، أنها شديدة الظلام ، اشد ظلاما من زنزانتي ، شعرت بكل شيء من حولي يتقلص ويصغر ، يدفعني بشدة إلى الهوة ، أخذت بالرفس أكثر ، في الحقيقة لم أكن ارفس بل كنت أتخبط ، لعلي اسمع تلك الضحكات التي تعطيني القوة ، إلا إني لم اسمع بعد الآن سوى صراخ مستمر وانين ، يا ترى هل يبكونني ؟ هل حقا سأموت ؟ هل ستنتهي حياتي بهذه السرعة ؟ لماذا سابقا كنت اسمع ضحكات كلما تحركت أو لعبت أو غضبت أما الآن اسمع كل ذلك الصراخ؟

حتما إني سأموت ، وفجأة ينقلب من حولي كل شيء ، يهيج البحر الذي كنت أعيش فيه ، يجثم شيء علي بقوة ، يخنقني ، كادت أنفاسي أن تنتهي ، يغامرني الضعف والخدر في أعضاء جسدي ، لم تعد يدي قادرة على الإمساك بما حولي والتشبث بها ، شيئا فشيئاً يفلت كل شيء منها ، واسقط في تلك الهوة العميقة ، وبسقطتي دوت مني صرخة مدوية ، لأموت في ذلك العالم الذي لم أتذكر منه شيئاً وأولد في عالم ثان ، لم اجلب من ذلك العالم سوى صرختي ، عندها نسيت كل شيئاً، ولم اعد رجل مسن بل طفل رضيع يعد يومه الأول ، وسأكبر مرة أخرى وأعاود حالة الموت مرة ثانية لأموت في هذا العالم وأولد في عالم ثان ويستقبلني أناس آخرون ، ومن يدري لعلي لم أتذكر من هذا العالم أي شيء .

سيف شمس الدين الالوسي – بغداد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى