فاطمة عصام صبري - في الكتب والمكتبات

إن الشرق الأدنى القديم هو أول من أقام منائر العلم حين عمد إلى إقامة المكتبات. ولسنا مبالغين إذا قلنا إن الإنسانية كلها قديمها وحديثها مدينة للشرق بحضارتها الفكرية وإنه لدَين جسيم. لأنه في الشرق القديم حصل كشف مهم مدهش كان الحجر الأساس في كل علم وفن وحضارة ألا وهو اختراع الكتابة التي لولاها لما تم تسجيل العلوم والمعارف.
اخترع المصريون الهيروغليفية واكتشفوا أفضل مادة للكتابة وهي البردي. وكانت صفحاته المصقولة تيسِّر على الكتّاب أن يزاولوا فنونهم على خير وجه. واكتفى السومريون بمادة أفقر من البردي وهي ألواح الفخار التي حدّدت صيغة خطهم المسماري. ومع ذلك أتقنوا الكتابة عليها حتى غدت اللغة البابلية بعد ذلك والكتابة المسمارية لغة العصر آنذاك. ثم أفضى استعمال البردي إلى اختراع المجلدات والكتب التي حفظت صحائفها بسبب جفاف الإقليم في مصر أما الألواح فكانت مزيّتها أنها لا تتلف، ولكن ربطها بعضها ببعض لم يكن بالأمر اليسير. وعلى هذا لم يكن عند البابليين كتب كالتي عند المصريين ولكنهم عوضوا النقص باختراع وتجويد مبكرَين في إنشاء السجلات والمكتبات المنتظمة(1). ثم حصل في سورية الطبيعية وعلى ساحل البحر الأبيض المتوسط كشفٌ مذهل من أكبر الكشوف اللغوية قاطبة ألا وهو تمييز الحروف في الأصوات المنطوق بها والانتقال من إدراك مقاطع الأصوات الكثيرة الزاخرة المختلطة إلى إدراك الحروف المتميزة المنفصلة وحصرها في عدد محدود ثم إلى التعبير عنها برموز هي الأبجدية. هذا الانتقال من سديم الأصوات وغموضها إلى وضوح الحروف ودقتها والرمز لها حصل لأول مرة في بلادنا وهو يدل على معرفة واسعة ووعي حصيف وسمع موسيقي مرهف، والذين سبقوا إليه سهلوا المعرفة ويسروا الكتابة وأثروا التراث الإنساني، وهذه الثورة الفكرية هي أهم - في تاريخ الفكر- من أيّ اختراع علمي آخر(2).
لقد نشأت حضارات متعددة عربية في الشرق الأدنى لكن أهمها الحضارة العربية الإسلامية وأول شرارة أشعلت هذه الحضارة كانت: "اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربّك الأكرم. الذي علّم بالقلم. علَّم الإنسان ما لم يعلم"(3). هذه الشرارة التي حثت على القراءة والكتابة لزمها العرب وتمسكوا بها في مراحل حضارتهم التالدة إذ كان العلم فريضة على كل فرد. وقد يتعذر علينا الآن أن نتتبع هذه المراحل ولكن لابد من أن نشير إلى بعضها التي تميزت بطلب العلم وصون دوره وإقامة المكتبات المتعددة. وفي ذلك لم يقتصر العرب على تلقِّي تراث الحضارات العربية القديمة بل تجاوزوها إلى تلقي أنواع التراث المختلفة الذي خلفته أمم أخرى كالهنود واليونان والفرس.
كانت الندوات الفكرية تنعقد في بيوت الأفراد ويؤمها أولئك الذين يرغبون في مدارسة العلم وهناك أخبار كثيرة على ذلك نذكر منها ما روي عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى في منتصف القرن الأول إذ كان له "بيت فيه مصاحف يجتمع إليه القراء قلما تفرقوا عنه إلا عن طعام"(4) وربما كان هذا البيت أول المكتبات في العهد الإسلامي الأول. وحقاً شغل الخلفاء الأمويون في إبان عهودهم بالسياسة أكثر منهم بالعلم اللهم إلا الخليفة عمر بن عبد العزيز. وظهر الاهتمام الشديد في شخص الأمير الأموي خالد بن يزيد الذي يروى عنه أنه اهتم بالصنعة وبالكتب التي تبحث فيها فاختط نهجاً قويماً في جمع الكتب والمعارف، وألّف هو نفسه كتاباً هو أول مصنف عربي في هذا العلم. وهكذا ظل العلماء يجمعون الكتب ويتداولونها ويعلون شأنها في عهد الصحابة وعهود التابعين وتابعي التابعين. ولكن ما إن بدأ العصر العباسي حتى تبوأ العلماء أعلى منزلة. وها هو ذا أبو جعفر المنصور ينشئ خزانة كتب في قصره ويجمع العلماء ويعهد إليهم في تأليف الكتب وترجمتها. وها هو ذا الرشيد من بعده ينشئ بيت الحكمة وهو مركز أصبح كعبة العلماء والأدباء. ثم يجيء عصر المأمون وهو ذروة في التاريخ العربي اهتماماً بالعلم والمكتبات. نظَّم بيوتاً للحكمة اجتمع فيها الكثير من كتب الأقدمين ثم أطلقها للقراء يقرؤون فيها ويتعلمون ووضع لهم من يقوم بأمرهم فنصب خزّاناً يدعى الواحد صاحب بيت الحكمة.
ولم يقتصر على ذلك بل كان يدعو إلى ندوات ومجالس للأدباء تدار فيها المناقشات ويشترك هو فيها. وقد أولع المأمون بالكتب التي هي مصادر العلم. فلا غرو أن نجده يصِف الكتاب فيقول: "لا شيء آثر للنفس ولا أشرح للصدر ولا أوفر للعرض ولا أذكى للقلب ولا أبسط للسان ولا أشد للجنان ولا أكثر وفاقاً ولا أقل خلافاً ولا أبلغ إشارة ولا أكثر عبارة من كتاب تكثر فائدته وتقل مؤونته وتسقط غائلته وتحمد عاقبته وهو محدِّث لا يُمِل وصاحب لا يُخِل وجليس لا يتحفظ ومترجم عن العقول الماضية والحكم الخالية والأمم السالفة، يحيا ما أماته الحظ، ويجدد ما أخلقه الدهر، ويُبرز ما حجبته الغباوة ويصل إذا قُطعت الثقة ويدوم إذا خان الملوك".. فهل بعد هذا الوصف من قول؟ ومن منّا لم يطلع على نعت الكتاب عند الجاحظ في كتاب الحيوان ونحن نرغب في إيراد هذا النص البليغ وإن تطاول لأنه لأمير البيان الجاحظ ولا تنقص طلاوته بالإعادة فهو يقول:
"نعم الذخر والعُقدة(5) هو ونعم الجليس والعدة ونعم النُشرة(6) والنزهة ونعم المُشتغَل والحرفة ونعم الأنيس لساعة الوحدة ونعم المعرفة ببلاد الغربة ونعم القرين والدخيل ونعم الوزير والنزيل. والكتاب وعاء ملئ علماً وظرف حشي ظرفاً وإناء شحن مزاحاً وجداً. إن شئت كان أبين من سحبان وائل وإن شئت كان أعيا من باقل وإن شئت ضحكت من نوادره وإن شئت عَجِبت من غرائب فرائده وإن شئت ألهتك طرائفه وإن شئت أشجتك مواعظه ومن لك بواعظ مُلهٍ وبزاجر مُغرٍ وبناسك فاتك وبناطق أخرس وببارد حار". ثم يقول: "ومن لك بطبيب أعرابي ومن لك برومي هندي وبفارسي يوناني وبقديم مولَّد وبميت ممتع(7) ومن لك بشيء يجمع لك الأول والآخر والناقص والوافر والخفي والظاهر والشاهد والغائب والرفيع والوضيع والغث والسمين والشكل وخلافه والجنس وضده.
وبعد: فمتى رأيت بستاناً يُحمل في رُدن وروضة تُقَلُّ في حِجرٍ وناطقاً ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء‍! ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك ولا ينطق إلا بما تهوى؛ آمن من الأرض وأكتم للسر من صاحب السر وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة". ثم يقول متفنناً في الوصف والثناء: "ولا أعلم جاراً أبرَّ ولا خليطاً أنصف ولا رفيقاً أطوع ولا معلماً أخضع ولا صاحباً أظهر كفاية ولا أقل جناية ولا أقل إملالاً وإبراماً ولا أحفل أخلاقاً ولا أقل خِلافاً وإجراماً ولا أقل غيبة ولا أبعد من عضيهة(8) ولا أكثر أعجوبة وتصرفاً ولا أقل تصلفاً وتكلفاً ولا أبعد من مِراء ولا أترك لشغب ولا أزهد في جدال ولا أكف عن قتال من كتاب ولا أعلم قريناً أحسن موافاة ولا أعجل مكافأة ولا أحضر معونة ولا أخف مؤونة ولا شجرة أطول عمراً ولا أجمع أمراً ولا أطيب ثمرة ولا أقرب مجتنى ولا أسرع إدراكاً ولا أوجد في كل إبّان من كتاب ولا أعلم نتاجاً في حداثة سنِّه وقرب ميلاده ورخص ثمنه وإمكان وجوده يجمع من التدابير العجيبة والعلوم الغريبة ومن آثار العقول الصحيحة ومحمود الأذهان اللطيفة ومن الحكم الرفيعة والمذاهب القويمة والتجارب الحكيمة ومن الأخبار عن القرون الماضية والبلاد المتنازحة والأمثال السائرة والأمم البائدة ما يجمع لك الكتاب"(9).
ربما لا نجد أحداً من العلماء والكتاب في الشرق والغرب من وفّى الكتاب حقه من الوصف كالجاحظ. وقد شُهر الجاحظ بحب الكتب حباً شديداً جعله مع ذكائه الحاد من أكبر العلماء والأدباء في التراث العربي. حدث أبو هفّان: "لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائناً ما كان حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر"، كما ذكر ذلك ياقوت في ترجمته للجاحظ.
ويسمي أبو هفان مع الجاحظ علمين آخرين: الفتح بن خاقان وإسماعيل بن إسحق القاضي مولعين بالكتب أنستطيع أن نقول إن وصف الجاحظ هذا للكتاب أوحى إلى المتنبي بيته المشهور؟
أعزّ مكان في الدنى سرج سابح وخير جليس في الأنام كتاب
وقد بلغ حب الكتب من قلوب الناشئين والعلماء مبلغاً عميقاً حتى أن أبا عبد الله محمد بن سلامة المقرّي خشي أن يموت دون أن يذهب ظمؤه وينقضي أربه من ذلك الحب.
إني لما أنا فيه من منافستي فيما شغفت به من هذه الكتب
لقد علمت بأن الموت يدركني من قبل أن ينقضي من حبها أربي(10)

قصة الحماسة:
إن الإقبال على زيارة المكتبات والرجوع إلى المصنفات المخزونة فيها سبب من أسباب إجادة التآليف وإتقان التصنيف. منذا الذي لا يتذكر قصة تأليف الشاعر أبي تمام المتوفى سنة 231هـ لكتابه المشهور الحماسة؟ وقد قيل أن أبا تمام في اختياره أشعر منه في شعره، وسبب جمعه هذا الكتاب كما يذكر حاجي خليفة في كشف الظنون: أن أبا تمام قصد عبد الله بن طاهر وهو بخراسان فمدحه فأجازه وعاد يريد العراق فلما دخل همدان اغتنمه أبو الوفا بن سلمة فأنزله وأكرمه فأصبح ذات يوم وقد وقع ثلج عظيم قطع الطريق فغمّ أبا تمام ذلك وسُرّ أبا الوفا فأحضر له خزانة كتبه فطالعها واشتغل بها وصنّف خمسة كتب في الشعر منها كتاب الحماسة والوحشيات فبقي الحماسة في خزائن آل سلمة يضنون به حتى تغيرت أحوالهم. وورد أبو العواذل همدان من دينور فظفر به وحمله إلى أصبهان فأقبل أدباؤها عليه ورفضوا ما عداه من الكتب في معناه ثم شاع وانتشر(11). إن تلك المكتبة عند الأمير أبي الوفا وحب أبي تمام للكتب وذوقه الرفيع كان سبب تأليف مرجع مهم في الشعر العربي هو كتاب الحماسة.
هناك أمثلة أخرى تُظهر فضل المكتبات في تأليف الكتب وأعداد العلماء. يذكر الرواة إنه في سنة 381هـ وعهد الملك بهاء الدولة بن عضد الدولة أنشأ الوزير أبو نصر سابور ابن أردشير الشيرازي دار علم ببغداد في محلة بين السّورَيْنِ من كرخ بغداد وجعل فيها اثني عشر ألف مجلد في مختلف العلوم والآداب والأشعار، فصارت دار العلم السابورية هذه كعبة للعلماء والأدباء من مختلف الأقطار والأصقاع بحيث شد الرحيل إليها من الشام طالب علم ضرير آية في النبوغ هو أبو العلاء المعري وخلَّد ذكرها بقوله في حمامة تهدل على شجرة مزهرة من أشجار دار العلم المذكورة:
وغنّت لنا في دار سابور قينةٌ من الورق مِطراب الأصائل ميهال
وسار ذكر دار العلم السابورية في البلاد فبلغ الفاطميين بمصر وأنشؤوا مثلها في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي وهي دار العلم المشهورة بالقاهرة وقد بنيت سنة 400هـ، كما جاء في كتاب النجوم الزاهرة – بعد دار العلم السابورية بتسع عشرة سنة. وأنشئت دور علم ومكتبات على هذا الغرار في ذلك العصر المتألق منها دار علم أبي منصور بهرام الكازروني أسسها بفيروز أباد قرب شيراز ووضع فيها تسعة عشر ألف مجلد أكثرها من أمهات الكتب. ومنها دار كتب أبي جعفر المهلبي الهمذاني جعل فيها اثني عشر ألف مجلد وليس من شك في أن الفيلسوف ابن سينا اقتبس من كتبها واستعان على تأليفه وتدريسه حين أقام بهمذان وهناك ذكر لدار علم شادها فخر الملك ابن عمار بطرابلس الشام وكان لها تأثير في إشاعة العلوم وتسهيل البحوث وتيسير التصنيف. ومن الأدلة الراهنة على اهتمام الخلفاء بخزائن الكتب وتنسيقها ما رواه الشيخ الرئيس ابن سينا (370-428هـ) عن مكتبة بخارى التي كان يختلف إليها قال:
"فطالعت فهرست كتب الأوائل وطلبت ما احتجت إليه منها ورأيت من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قط وما كنت رأيته من قبل ولا رأيته من بعد"(12). وأثبت ابن خلدون أن أسماء دواوين الشعر في مكتبة قرطبة عاصمة خلفاء بني أمية في الأندلس "كانت مدونة في ثمانمئة وثمانين صفحة".
ويذكر المؤرخون أن مكتبة قرطبة اشتملت على ستمئة ألف مجلد وأن فهرست أسماء تلك الكتب كان يتألف من أربعة وأربعين مجلداً.
يذكر ياقوت في معجم البلدان في صدد كلامه على مدينة مرو وكثرة المكتبات العامرة فيها ما يلي: "ولولا ما عرا من ورود التتر إلى تلك البلاد وخرابها لما فارقتها إلى الممات لما في أهلها من الرّفد ولين الجانب وحسن العشرة وكثرة كتب الأصول المتقنة بها فإني فارقتها وفيها عشر خزائن للوقف لم أرَ في الدنيا مثلها كثرة وجودة. منها خزانتان في الجامع إحداهما يقال لها العزيزية وقفها رجل يقال له عزيز الدين أبو بكر عتيق الزنجاني أو عتيق بن أبي بكر وكان فقاعياً(13) للسلطان سنجر وكان في أول أمره يبيع الفاكهة والريحان بسوق مرو ثم صار شرابياً له وكان ذا مكانة منه وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها. والأخرى يقال لها الكمالية لا أدري إلى من تنسب وبها خزانة شرف الملك المستوفي أبي سعد محمد بن منصور في مدرسته ومات المستوفي هذا في سنة 494 (وكان حنفي المذهب) وخزانة نظام الملك الحسن بن إسحاق في مدرسته وخزانتان للسمعانيين وأخرى في المدرسة العميدية وخزانة لمجد الملك أحد الوزراء المتأخرين بها. والخزائن الخاتونية في مدرستها والضميرية في خانكاه هناك وكانت سهلة التناول لا يفارق منزلي منها مائتا مجلد وأكثر بغير رهن تكون قيمتها مئتي دينار فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها وأنساني حبها كل بلد وألهاني عن الأهل والولد وأكثر فوائد هذا الكتاب وغيره مما جمعته فهو من تلك الخزائن"(14).
مما سبق يستبين كثرة المكتبات في أرجاء الوطن العربي، كله منارات للعلم كما يستبين من هذا النص الذي ذكره ياقوت وتطاول بعض الشيء كيف أن المكتبات تصنع العلماء. فقد صنعت مكتبات مرو المؤلف الموسوعي الكبير ياقوتاً الحموي الذي أمدّ التراث في جملة ما أمده بمعجمين مشهورين هما معجم الأدباء (إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب) ومعجم البلدان، كما أعانت المكتبات على كمال المعرفة عند الشيخ الرئيس ابن سينا وعند رهين المحبسين أبي العلاء وأمثالهما.

أهمية الحج والرحلات في نشر الثقافة:
إن دارس الحضارة العربية ليعجب أشد العجب للسرعة التي كانت تسري بها الثقافة من أقصى دار العرب إلى أقصاها على بعد الشقة وصعوبة المواصلات فعندما ازدهرت مثلاً فلسفة إخوان الصفا وعلمهم في القرن الرابع في البصرة عرفت ذلك إسبانية في وقت جد قصير وكذلك في المقابل سرعان ما انتشرت في سورية آراء ابن عربي المولود في مرسية.
وكان الحج إلى بيت الله يعادل ما تدعوه الآن رحلات البحث وتبادل الأساتذة بين المعاهد في عصرنا لأن طالب العلم كان يوفق بين طلب العلم والحج ويتوقف في طريقه إلى أداء فريضته مواقف متعددة تقصر أو تطول حسب الاقتضاء ليلتقي بأكبر عدد من العلماء ويأخذ عن مشهوري الأساتذة في حلقاتهم بالمدارس المختلفة. ومن عناية العرب بالكتب كانت الرباطات والخوانق (مفردها خانقاه) التي ترصِّع أجواز البلاد العربية تفتح صدورها للعلماء عامة وللوراقين فيستطيعون أن يقيموا فيها ما شاؤوا على أن يسددوا نفقات حياتهم بنسخهم الكتب. ولن ننسى أن ابن النديم صاحب (الفهرست) المشهور كان وراقاً وكثيرون أمثاله.
ولو أردنا أن نعدد مجالات تألق العرب في ميادين الكتب والمكتبات لما أحصيناها وهو جانب واحد من جوانب الحضارة العربية أردنا أن نشير إلى صفحاته المجيدة في بعض العهود هذا في الوقت الذي كانت فيه مكتبات الغرب نادرة وملحقة – إن وُجدت- بالأديرة والكنائس ومقصورة على رجال الدين.
وعلى الرغم من تأخر البلاد العربية بسبب الصروف العالمية المختلفة والكوارث الطبيعية والسياسة التي تألبت عليها ولاسيما غارات المغول والحملات الصليبة نجد إيماناً ثابتاً ومستمراً، عند الشعب العربي العريق خاصة وعند المسلمين عامة، بقيمة العلم وتنويهاً بمكانة المكتبات والتأليف والنشر والبحث في أرجاء الوطن العربي الفسيح. ولا شك في أن ذلك متساوق مع استقلال أجزاء ذلك الوطن واستشرافها نحو التقدم وإنشاء الجامعات والمعاهد العلمية ومراكز البحوث وهذا يستتبع بالضرورة الاهتمام بالكتاب ووسائل الثقافة الأخرى المتطورة. والخلاصة أن المكتبات هي الحقول الزكية التي ينبت فيها العلم والعرفان وهي الكنوز الثرية التي تحوي اللآلئ والجمان والمرجان.

الحواشي:
(1) Sarton George: The Incubation of western Culture in the Middle East, Washington, L.C. 1951.
(2) اليافي، عبد الكريم: أسرار الأبجدية العربية، مجلة مجمع اللغة العربية، العدد الأول المجلد 54، 1979.
(3) سورة العلق الآيات 1-5.
(4) الواقدي: كتاب الطبقات الكبير ج6، ص74-75.
(5) العقدة: بضم العين ما فيه بلاغ الرجل وكفايته.
(6) النشرة: رقية يعالج بها المريض والنَشرة بالفتح النسيم.
(7) أي ممتع بالحياة أو باق حياً.
(8) عَضِيهة: الكذب والإفك والبهتان.
(9) الجاحظ: الحيوان، ج1، تحقيق عبد السلام هارون ص38-42.
(10) الحموي ياقوت: إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب (المقدمة).
(11) حاجي خليفة: كشف الظنون.
(12) ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء.
(13) فقاعي: صانع شرابات.
(14) الحموي، ياقوت: معجم البلدان.



المصدر : الباحثون العدد 58 نيسان 2012

هذا النص

ملف
فاطمة عصام صبري
المشاهدات
320
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى