نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

مصطفى محمود - نهاية الشبح

  1. Dr-Moustafa_Mahmoud.jpg


    قد جمَعَ المليونير الكبير قبلَ موتِه أولادَه الأربعة وراحَ يُملي على أكبرِهم وَصِيَّتَه الأخيرة التي سينسخ بها جميع وصاياه السابقة . إنه يُملي بصوتٍ متهدج والأولادُ قد فتحوا أفواهَهم من الدهشةِ وكأنما يستمعون إلى شخصٍ آخَر غير أبيهم الذي عَرَفوه .
    قال الرجل بصوتٍ مهدَّم . . هناك مليون دولار ستوزَّعُ عليكم بالتساوي أما السبعة ملايين دولار الباقية فوصِييَتي أن تُبنى بها مدارس ومستشفيات وملاجئ ودار مسنين ومعهد لتعليم الحرف . وعلى الأخ الأكبر إنشاء هذه المؤسسات الخيرية وإدارتِها ورعايتِها لتكون صدقةً جاريةً يَنتفعُ بها اليتيم والمريض والمحتاج . . وارتفع صوتُ الابن الأصغر معترضاً .
    ولكن يا أبيِ لا أحدَ منا له خبرة بهذه الأشياء .
    استمرَّ الأبُ يُملي بصوتِه المتهدج . والاثنين مليون دولار في الخزينةِ يُبنى بها مسجد ومستوصف ومقْرأة للقرآن .
    وتلَفَّتَ الأبناء كل واحد يتصفح وجهَ الآخَر في استغرابٍ وعادَ صوتُ الابن الأصغر ليعترِضَ .
    ليس هذا ما تعلمناه منك خلال سبعين سنة لقد رَبَّيتنا على أعمال أخرى والآن تفاجِئنا بدَورٍ جديد لا نستطيعُ أن نقومَ به . أنت في حياتِك لم تدخل مسجداً ولم تصلِّ ركعةً ولم تفتح مُصْحَفاً ولم تعطِ مِلّيما لمحتاج ولم تحدِّثْنا حرفاً واحداً عن الدين أو الخير وكل ما تعلَّمناه منك هو كيفَ نستلم البضاعة من قُبرص ونَدخل بها مهربةً إلى مصرَ وكيفَ نوزِّعها على الأعوان وكيفَ نقود اللنشاتِ السريعةِ وعرباتِ النقل والمقطوراتِ والهليكوبتر وكيفَ نَستعمل البنادق السريعة والقنابل اليدوية ومَدافع الهاون عندَ اللزوم . وكيفَ نُحَوِّلُ المائة جنيه إلى مليون ولو قتلنا في سبيل ذلك كلِّ رجال غفَرِ السواحل . علَّمتنا ألا نخافَ أيَّ شيءٍ وأَلَّا نعبَأَ بحاكمٍ ولا بمحكوم ولا بحكومةٍ وأنَّ كلَّ الذِّممَ يمكن شراؤُها وأنَّ الذِّمةَ التي لا تقبل المائة سوفَ تقبل الألف والتي لا تقبل الألف سوفَ تقبل المليون وأنه لا يوجد كبيرٌ يتكبر على المال وأنَّ كلَّ الناس حشرات يمكن اصطيادها بالعسل ومَن لا يقع في العسل يقع في السُّمِّ وأنَّ العالَم غابَةٌ لا أمان فيها وأنَّ الشعار الوحيد الذي يَصْلُحُ للتعامل في هذه الغابَة هو اقتلْ قبلَ أن تُقتَل . هذا ما علَّمتنا خلال سبعين عاماً ولا نرى جديداً قد جَدَّ حتى تقول لنا كلاماً آخَر .
    الجديد أنيِ أَمُوت أنا أبوكم . يموت . وغداً أُصبِحُ رِمَّةً يأكلها الدُّود . وتراباً لا يختلف كثيراً عن التراب الذي تطؤونه بنعالِكم . .
    هذا ليس أمراً جديداً عليك فقد كنتَ ترى الموتَ حولَك كل يومٍ يختطِفُ أعوانَك واحد بعدَ الآخَر وكنتَ تمشي بنفسِك في جنازاتِهم وكنتَ أحياناً تقتلهم . أنتَ الذي كنتَ تقتلهم بيَدِك أو تُصدِرُ الأمرَ بقتلِهم بنفس اللسانِ الذي يُملي علينا الآن هذا الكلام عن بناء المساجد والملاجئ ودُور الأيتام .
    لأنَّ هذه المرةَ أنا الذي أَمُوت أنا الذي دَوَّخَ أجهزةَ الأمن في مصرَ والشام والعراق وتونس والجزائر وإيطاليا وألمانيا واليونان . أنا الشبح الذي لم يكن أحد يستطيع أن يضعَ يدَه عليه أنا اليوم معتقَل بالشللِ والعمَى وبكرسيٍّ لا أستطيع أن أبرحَه وأنا أَنزِف الدمَ من أمعائيِ وأموتُ ببطْءٍ وأصحو وأعُود إلى الغيبوبةِ والدقائق التي تبقت لي قليلة معدودة لقد كنتُ أصنعُ الموتَ للأُلوف .هذا صحيح ولكن رؤية الموت تختلف كثيراً عن تذوُّقه . الفارق كبير وأنا لا أُريدكم أن تذوقوه كما أذُوقه لا بدَّ أن يتغيرَ كلُّ شيءٍ لقد أخطأتُ يا أولادي أخطأتُ بفظاعةٍ ربما اكتشفتُ خَطَئِي بعدَ فوات الأوان ولكن هذا لا يُغيِّرُ شيئاً من النهايةِ إنَّ الخطأَ هو الخطأ . اسمعوا هذه الوصيةَ الجديدةَ هي التي يجب أن تُنَفَّذ هذا أمرٌ .
    وحاولَ أن يُخرِجَ المسدس من جيْبِه فلم يستطعْ فطلَبَ من ابنِه الأكبر أن يناولَه مسدسَه . ومدَّ الابنُ يدََه في جيب أبيه وأخرج المسدس وسلَّمه لأبيه وأمسكه الأبُ بإعزازٍ وراحَ يلوِّحُ به وأصابِعَه على الزِّناد ثم ناوله لابنِه الأكبر قائلاً .
    مَن يُخالف هذه الوصية أَطلِق عليه النار ولو كان أخوك . هذا آخر أمرٍ لي في هذه الدنيا . اقتل اقتل بلا تردُّد أي إرادة تقف في سبيل هذه الوصية . هذه الأموال في المصارف وفي الخزائن ليست ملْكيِ لترثوها إنها سرقات لا تكفير لها إلا أن تبْنِي كما هَدمت وتصْنع من الحياة بقدر ما أَعدمتْ
    والعماراتُ؟؟ . قالها الابن الأصغر بصوتٍ مرتجف .
    تُباعُ في مزاداتٍ ويُصنَع بها نفس الشيء .
    وكازينو القِمار وأوبرج مِيلانو وشركات بيع السلاح في لندَن وشقة باريس وفيلل جنيف وشاليهات فلوريدا؟؟ .
    تُباعُ كلها لا نصيب لأحدٍ فيها ولا يدَ لأحدٍ عليها ولا تَؤول لأحدٍ منكم إنها ملْكيِ وحديِ وأنا وهبْتها لنفس الأغراض وثمَنها يكفي لإنشاء جامعة .
    ونحنُ ماذا يبقى لنا وكيفَ نعيش؟؟ .
    إنَّ المليون دولار التي ستقتسمونها بينَكم هي بقيمة أربعة ملايين جنيه مصري أي مليون جنيه لكل واحد منكم وهي بداية تكفي لأنْ يبدأَ كل مٌّنكم حياةً شريفةً .
    وبدت كلمة الشرف غريبة وهي تخرج من فمِ الضبع صاحب أكبر عصابة مخدرات في الشرق الأوسط وبدا لها رنين غريب في جوِّ الصمت والرهبة مما جعَلَ كل ابن ينظر في وجه أخيه ويقلب شَفَتيْه في انتظار معجزة وكانت المعجزة مُرْعِبة فقد سحَبَ الضبعُ المسدس من يد الابن الأكبر ولوَّحَ به في وجوهِهم وأطلق الرصاص في الهواء وفي كل اتجاه مما جعلهم يتقافزون برعبٍ ويلتصقون بالجدران بينما تهدجَ صوتُ الرجل وهو ينطقُ .
    هذا آخَر أمر . آخَر أمر لي قبلَ أن أَمُوتـَ ولا بدَّ أن يُنَفَّذ .
    واختنق صوته وراحَ يلهثُ ثم سكَنَ فجأةً وسقَطَ رأسه على صدرِه ولفَظَ آخِر أنفاسِه في صمتٍ . وأطبقت لحظة ثلجية من الذهول والرعب على الجميع لا حركة ولا شيءٍ سِوى أنفاسٍ مرتجفةٍ ونبضات مضطرِبة ونظرات زائغة ثم بدَأَ الابنُ الأصغر يتحرك ويَسعُلُ ويُلوِّحُ بيديْه في الهواء ولا يجدُ كلاماً ثم ما لبِثَ أن جمَعَ أشتات نفسِه فانفجرَ قائلاً .
    لقد فعَلَ كلَّ شيءٍ . لم يترك جريمةً لم يرتكبْها لم يدَعْ لذةً لم ينتهبْها ولا امرأةً لم يغتصبْها ولا شرّاً لم يقارفْه ولا رذيلةً لم يلهثْ خلفَها والآن وفي آخِر لحظة حينما فقَدَ القوةَ على عملِ أي شيءٍ وحينما فقَدَ الأملَ في أيِّ مُتعةٍ وفقَدَ القدرةَ على الشعور بأي لذةٍ الآن فقط يُقرِّرُ بعثرةَ كلَّ أموالِه ويَحْرِمُنا منها لأنه أصبح وليّاً من أولياء الله الصالحين شُغْله الشاغل بناء المساجد ومقارئ القرآن والملاجئ وبيوت الأيتام . شيءٌ غريب غير مفهوم .
    قال أحد الأخوة . الدكتور الذي كشَفَ عليه بالأمس قال قد أصابه ضمورٌ في المُخ .
    وقال الآخَر . هي أعراضُ هَذيانٍ بلا شكٍ .
    فاستأنف الابنُ الأصغر قائلاً . إنه يخرج من غيبوبةٍ ليعودَ إلى غيبوبةٍ ولا يمكن أن يُؤخَذَ كلامه مَأخِذَ الجد .
    قال الابنُ الأكبر في هدوءٍ مُريبٍ . ولماذا لا يُؤخَذُ كلامه على أنه توبةٌ حقيقيةٌ .
    فأجابه الابنُ الأصغر في عصبيةٍ . توبةُ رجلٍ مشلولٍ فقَدَ القدرةَ على كلِّ شيءٍ لا يمكن أن تكونَ توبةً حقيقيةً .
    قال الابنُ الأوسطُ مؤيِّيداً . فعلاً التوبةُ عن الذنب لا يمكن أن تكون مفهومةً إلا من رجلٍ قادرٍ على الذنب فهو يُقلِعُ عن ذنبِه بإرادتِه واختيارِه أما فاقد الإرادة والاختيار والقُدرة فهو كاذب إذا ادَّعى فضيلةً أو ادَّعى توبةً .
    قال الابنُ الأكبر بنفس النبرة الهادئة . التوبة مسألة نية ولا يحكم على صدق النِّيات إلا الله وليس من حقِّنا أن نكذِّبَ الرجل فلا أحد منا اطَّلعَ على قلبِه .
    قال الابنُ الأصغر . إنَّ قلبَه بلونِ القطران إنَّ حياتَه كلها تقول هذا وحاله يشبه حالَ رجلٍ تاب عن نزول البحر حينما فقَدَ القدرةَ على السباحة .
    فأجاب الابنُ الأكبر . لا يمكن أن تتهمَه بالكذب إلا إذا استعادَ قدرتَه على السباحةِ ولم يُنفذْ وعدَه ونفس الشيء لا يمكن أن نتهِمَ أبانا بالكذب إلا إذا استعاد حياتَه واستعاد صحتَه ثم عاود جرائمَه ولم ينفذْ وعدَه وهو ما لا سبيل إلى معرفتِه .
    ماذا تعني؟؟ . قالها الابنُ الأصغر في صلابةٍ .
    أعني أنَّ الوصيةَ واجبة ولا سبيلَ إلى الطعن فيها وسوفَ أحرِصُ على تنفيذِها . وأخرجَ مسدسَه ووضعه على المنْضدةِ مُردفاً . وعلى مَن يقف في وجهِ إرادةِ الميتِ أن يستعدَّ ليَلحقَ به .
    فقفَزَ الابنُ الأصغر مرتاعاً وهو يردِّدُ في دهشةٍ . هل جُنِنتَ هل فقَدْتَ عقلَك هل صدَّقتَ هذا المعتوه؟؟ .
    وخرجتْ من الأخويْن تَمتماتٍ مرتعشةً . . هل نَحْرِمُ أنفسَنا من مائة مليون جنيه لمجردِ نزوة توبة خرجت من دماغ مشلول . . ألم نكسب له هذه الأموال بدمائِنا وعرَقِنا كيفَ لا تكون أموالنا ؟؟ .
    قال الابنُ الأكبر وهو يَعبثُ بزِنادِ مسدسِه . إنها سرِقات . ربما كانت هذه الكلمةُ هي كلمةُ الصدق الوَحيدة التي قالها أبونا في حياتِه . المهمُّ أنه قالها وقد صَدَقَ أنا أشهدُ على ذلك والقتلى الذين قتلناهم من حرسِ الحدود ومِن خدَم الفنادق ومِن ضبّاط الأَنتَربول . يشهدون, والله فوقَ ذلك يشهدُ ويرى .
    أنت أيضاً تتكلمُ عن الله متى عرفْته وبالأمسِ كنتَ تقتل؟؟ .
    إنَّ رؤيةَ الموت تختلف كثيراً عن تذوقِه . لقد نطَقَ أبونا بالحكمةِ أخيراً لم يكن معتوهاً حينما قالها إنَّ الذي سوفَ يموت منكم سوفَ يتحول إلى رِمّةٍ يأكلها الدودُ وإلى تراب تَدُوسه النعال سوفَ يُدركُ أنَّ هناك فارقاً كبيراً جدّاً بينَ رؤية الموت وبينَ تذوقِه وليس منكم مَنْ هو بعيدٌ عن هذا المصير .
    وعادَ يُغازلُ زِنادَ مسدسِه في هدوءٍ مُريبٍ .
    أنت تهذي أنت لستَ في وعيِكَ لقد أصابك موتُ أبينا بالهَذيان .
    لم أكن في وعييِ في أيِّ يومٍ من الأيامِ كما أنا الآن بل أنا كمَن أخرجَ رأسَه من تحتِ الماء لأولِ مرة . ورَأْى لأولِ مرةٍ حقيقةَ الدنيا .
    وما هي حقيقةُ الدنيا؟؟ .
    بَلُونةٌ تُوشكُ أن تنفجرَ . فُقاعة تلْمع بأَلوانِ الطيْف الجميلةِ البرّاقةِ ثم فجأةً تُصبح لا شيء .
    هل أصبحتَ واعظاً؟؟ .
    لا بل أنا مجرد قائم على تنفيذ وصية .
    قال الابنُ الأصغر . إنها مجرد كلام شفوِي لا يساوي الحِبر الذي كُتِبَ به وهو أيضاً لم يعشْ حتى يُوَّقِعَها إنها مجرد قُصاصة ورق بلا توقيع ولن يأْخُذَ بها قضاء أو قانون .
    ومدَّ يدَه فجأةً واختطفَ الورقةَ ومزقَها في عصبيةٍ إلى مِزَقٍ صغيرةٍ . ونظَرَ إليه الأخُ الأكبر نظرةً ثلجيةً وتكلمَ في بطءٍ ثقيلٍ . ومنذ متى كنا نلجأُ إلى القضاء أو نحتكمُ إلى القانون أو نأخذُ برأي العدل؟؟ .
    لم تعدْ هناك وصية انتهى كلُّ شيءٍ .
    أنا الوصيةُ وأنا القانونُ وأنا العدلُ . . وفجأةً وبحركةٍ غير محسوبةٍ أخرجَ الابنُ الأصغر مسدسَه وأطلقَ رصاصةً على أخيه الأكبر أصابت كتِفَه وجاء الردُّ فوريّاً من مسدسِ الأخِ الأكبر سيلاً من الطلقاتِ وانبطحَ الأُخْوةُ أرضاً يتبادلون الرصاص . وأسفرت المذْبحةُ عن ثلاثةِ قتلى وأفلَتَ الأَخُ الأصغر من الموت ليُسْرعَ الخُطا إلى الخزينةِ وإلى مخابئ الدولارات في الجدران ليُفْرغَ كلَّ شيءٍ في حقيبةٍ كبيرةٍ وليَقْفِزَ بها إلى سيارتِه المَرسيدس وليَدوسَ على البانزين بأقصى سرعةٍ . وقد بسَطَ أمامََه خريطةً كبيرةً وراحَ يَنْظرُ فيها باحثاً عن خطِّ سيْرٍ مأمونٍ إلى الصحراء الليبية عِبْرَ الحدود . . كانت ليبيا بعدَ فتح الحدود وإزالة الجمارك هي أكثر الأماكن أمناً ولم يتردَّدْ وأطلقَ لسيارتِه العنان وقد راودَه الشعور بالأمن لأولِ مرةٍ بعدَ ليلةٍ عاصفةٍ لم يكن يُفكِّرُ في أيِّ شيءٍ ولم يكن نادماً على شيءٍ كان يشعُر بأنه فقط موجود . وهكذا عاشَ دائماً لا يُفكِّرُ إلا في نفسِه وكان يُؤمنُ بالحكمة التي علَّمَها له أبُوه إنَّ كلَّ الناسِ حشرات يمكن اصطيادها بالعسل ومَن لا يقع منها في العسل يقع في السُّمِّ . ولم يحدثْ أن شَعُرَ مرةً بروابط العائلة أو صلة الدم وما كان أبُوه وإخوته إلا وسائل للثراء السريع وجمْع الدولارات مجرد أعضاء عصابة يجتمعون ويَنْفَضّون على خطط القتل ويعود كل واحد منهم آخِر الليل إلى بيتِه لينامَ بلا ذرة ندم . وكلُّ ما جرى من حكاية الوصية أضغاثُ أحلامٍ مجرد جُملة اعتراضية بلا معنى جاءت بينَ قوسيْن ثم عادَ سياق الحياة ليَستأنِفَ مسيرتَه كالمعتاد . قَتلٌ ورصاصٌ وهرب واختفاء لا جديد . وضغَطَ على البَنازين أكثر وانطلقتْ المَرسيدس تسابق الريح . . ربما مضتْ سبعُ ساعاتٍ أو أكثر لا يَذكُر بالضبط فالساعة في يدِه توقفتْ بعدَ أن أصابتْها رصاصة أثناء المعركة وقد أَنقذت الساعةُ السميكةُ معْصَمَ يدِه وهو يرى الآن الصحراء تمتدُ أمامَه بشِعابِها وتِلالِها الرملية على مدى البصر والفجر يبدو من وراء الأفقِ والشمس تطْلعُ وبعدَ ساعة سوفَ تلتهب الرِّمال بحرارةِ أغسطس المشتعلة . شكراً لجهاز التكييف الذي يقوم بواجبِه . هل مضت عدة ساعات إنه يرى الشمسَ في السماء والصحراء تحولت إلى بريقٍ أبيض يُعمي العيْنَ لقد توقف مرتيْن واستبدل إطاراً أماميّاً وملأَ جهاز التبريد بالماء ولم يبقَ عنده ماء ليملأَ الجهاز بجُرعةٍ أخرى وتوقفَ مرةً ثالثةً ليملأَ خزان البانزين بما تبقى عنده من احتياطيٍّ والصحراء ما زالت تمتدُّ أمامَه بلا نهاية . هل أخطأ باختيار الممراتِ؟؟ . وعادَ ينظر في الخريطة ويمرُّ بإصبعِِه على الخطوط الطويلة . نعم لقد دخَلَ في مَمرٍّ داءري وهذا يعني بضع ساعات زيادة ليصلَ إلى الحدود الليبية . لا يهمُّ خزان الماء ممتلئ وكذلك خزان البانزين ومزيد من السرعة سوفَ يختصر الوقتَ . . الشمسُ تَغْرُبُ وساعات أخرى بطيئة ثقيلة ومؤشر البنزين يقترب من الصِّفر واللَّمبة الحمراء تضيء . الخريطة تقول إنما تبقى لبلوغ الحدود قليل ربما عشرة كيلومترات وربما أقل وإذا نفَدَ البنزين بعدَ خمسة أو ستة كيلومترات فإنه يستطيع أن يحملَ حقيبتَه ويمشي الباقي على قدَميْه . وساعة أخرى قلِقةٌ متوترةٌ . وتتوقف السيارةُ كخنزيرٍ أسوَدٍ في صحراء حالكة الظَّلَام ويحملُ حقيبتَه ويَنزلُ ليمشيَ وقد وضعَ الخريطةَ في جيبِه . ساعة أخرى ساعتان ثلاثةُ ساعات وتتهاوى ساقاه ويتكومُ لينام على تلٍّ من الرِّمال الناعمة فاقد القُوى تماماً وما تكاد تمرُّ دقائق حتى ينتفضَ من لدغةٍ تَلسعه كالنار فلمَحَ بطرفِ عيْنِه ثعباناً يعودُ أدراجَه ليغوصَ في الرملِ بعدَ أن فعَلَ فعلَتَه إنه يعلم ماذا ستفعلُ به لدغةُ الأفعى . لا أمل انتهى كلُّ شيءٍ . وزَحَفَ على بطنِه ليفتحَ الحقيبةَ ليُلقيَ نظرةً أخيرةً على ملايين الدولارات المكدسة وبَدأَ السُّمُّ يسري في دمِه ليصِلَ إلى مراكز التنفس ويُصيبَ عَضَلاتها بالشللِ وهنا أخَذَ يُحشرِجُ ويحتَضِرُ ويُسلِمُ الروحَ . وهَبَّتْ دوّامةٌ عاتيةٌ من الرِّمال بَعثرتْ محتوياتِ الحقيبةِ لتتناثرَ على مساحةٍ شاسعةٍ من الصحراء ورأىَ أمامَ عينيْه اللتيْن كانتا في طريقِهما إلى الخمود رُزَمَ الدولارات تَضِيعُ هباءً منثوراً .. وهكذا مات أخِرُ أبناء الضبع ومِن المؤكَّد أنه عرَفَ قبلَ موتِه الفَرْقَ بينَ رؤية الموت وبينَ تذوقِه .. وكم كان الفَرقُ كبيراً .

    .: تمت :.

    عن الكاتب

    كاتب من مصر
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..