اللوحة

[SIZE=5]
27172_1.jpg


اللــــوحــــة
1- فصل [/SIZE]

اللـون



- لا تتذكّريني إلّا في الأماكن التي أحبّ...!

القبور أبوابٌ مصمتة...

المتسولون للماضي والموت، هم فقط الذين يجلسون على أبواب القبور، إلا أنّ الإنسان غايته أن يمشي قُدماً في تلك الطرقات اللانهائية، فقبل أن تجوب الكون لا يحقّ لك أن تقف في حضرة الخالق؛ لتقصّ له حكايتك، فالله مستمع جيد.

وضعتُ الزهور على قبره وكلماته تتساقط في داخلي: "الزهور خُلقت للريح أو لأصابع عاشق، فلا شيء يبرّر للطبيعة قطف الأزهار إلّا حرارة الخلق الكامنة في قلب العاشق".

مارستُ دور الأرملة، وكأنّي بذلك أطيل وجوده في المكان والزمان، وأعرف أنّه سيقول: "مازلتِ تحبين حالة لمس اليد ... وعلى الرغم من جمالها إلّا أنّها أكثر الأشياء خداعاً".

لم أكن أرملته حقيقةً، إذ لم نكن زوجين إلّا وفق منطق العيش معاً، فالقانون ليس للخاصة بل للعامة.

في البدء، لم يكن هناك من قوانين؛ خُلق الإنسان بكلمة، وبكلمة كان التزامه، ولأنّه فشل بامتلاكه الحرية الكاملة، فقد تميّزهَ؛ لذلك كان وجوده الجديد عبر سنّ القوانين التي تجعله عبداً.

كنتُ أشتهيه أكثر، عندما كان الإله المكنون فينا يتفجّر فيه، فيلقي كلماته كأمواج البحر رغم اختلافها، إلا أنّها سيماء وجه واحد. يقف في وسط الغرفة، ينفث دخان سيجارته وكأنّها العماء الأول ويبدأ بعملية الخلق.

قال لي مرّة: "يجب على كلّ إنسان أن يجرّب السجن الانفرادي؛ لأنّه كالقبر، وهذا المدفن الحيّ هو من يجبر الإنسان على الخروج من الأبعاد المكانية وارتياد حالات روحية تعيد له انتماءه الأول".

بكيته بصمت...

(الحزن أجمل الأشياء، وهو نادرٌ جداً! فاستعمليه بعقل كبير)

ظللتُ معه ساعة كاملة، محتضنة رأسه بشدّة، كنتُ فارغة من كل شيء؛ إلّا من سكينةِ قمرٍ في وسط السماء.

(سأعطيكِ آخر ما أملكه، عندما أموت)

نمْ يا ولدي، فالصبح قريب...

ثم اتصلتُ بالمدينة أُعلم أخاه بموته.

أجمل الأشياء التي تحدث في حياتك! عندما تصبح عجوزاً، فتستطيع النظر إلى الخلف دون الخوف من أن تفقد الكثير من الأشياء التي أمامكَ، وهكذا تصبح الذكرى مستقبلاً جديداً يجب أن تعيشه بكلّ حبٍ، ولربما تعيد تقييم تجربة لم ُيتح لك الزمن تأملها جيداً، وهكذا تحصل على المعلومة كاملة، فالإنسان ابن الخطأ، ومع كثرة الأخطاء؛ من المفترض أن يقترب من الصواب الواجب في النهاية، فالاحتمالية هي القانون الدائم، والكون ما هو إلّا عيوننا.

***********

كنتُ أخاف فرشاة الرسم، فأستخدم أيّ شيء آخر كي أرسم، فاللوحة التي أطلقت عليها اسم "رماد" لم تكن إلا ثدييّ المضطجعين على القماشة البيضاء. كانت اللوحة على أثر اللقاء الخامس، فمنذ زمن طويل لم تؤطّرني عينا رجلٍ وكأنّهما يدان. اختصرتُ حينها السهرة في بيت أخيه، وصعدت إلى بيتي الموجود فوق منزلهم في الطابق الثالث، تستبيح رائحةُ رجل يباسي، كأنّها احتراق غابة. دخنت سجائري الأخيرة فيما المرسم المنتظر منذ شهور وقماشته البيضاء لا أرى سواهما.

أخذتُ شكل الكرسي، يدي ملقاة على بطني والأخرى تحتضن ثديي، أرغب بالاستحمام، فبدأت أخلع ثيابي، ولكنني لم أغادر الكرسي بعد، متقصّدة لمس جسدي والكشف عن أعضائه السرية وكأنّ اليد يدٌ أخرى، دفعتها في أجمتي الصغيرة، باحثة عن أرنبي المنسي، لتبدأ مطاردة بعينين مغمضتين عن ملامح وجههِ، حركات يديه، امتصاصه لسيجارته، صوت أنفاسه التي اختلطت مع أنفاسي، ليبتل عضوي الجاف.

أفتح عيني، أغادر الكرسي باتجاه قماشة اللوحة، وأدعك صدري باللون الأزرق ومن ثم أحتضنها. فيما بعد قال لي: لو أنّكِ لم تحتضنيني بقوة.

اللوحة معلّقة في غرفة النوم وكان المكان خياره.

لم يصبح الرسم هاجساً عندي إلّا منذ أعلن وجوده في حياتي. كان لقاءً زمنه فنجان قهوة، مع تعارف قصير، لم يكن ينظر إلى أحد بينما يتكلّم، ولكن إيقاعه في الحديث كالمطر الخفيف، تبتل به بلا شعور، وهكذا كنّا نصغي إلى كلامه أنا وأخوه وزوجة أخيه بهدوءِ من يراقب ظلاً ينمو، فأخصّ نفسي بالتمعّن بوجهه ولا أظنه وقتها انتبه لذلك، حتى قال لي فيما بعد: "لا تنظري إلى الأمور مباشرة، سوف يفوتكِ الكثير لأنّني أكثرُ من وجه وأبعد من مسافة قد تفترضينها".

ومع الوقت، أصبحتُ، أستخدم الفرشاة بسهولة، فرسمت وجهه؛ لكنّه أصرَ على أن تباع اللوحة لاحقاً وقد قبلتُ بذلك، بعد أن طلب ذلك بجدية كالتي أخبرني بها، أنّه يحبني. ظلّت لوحة وجهه عندي، إلى أن أصبحنا نعيش معاً، وقتها قال لي: لا أستحمل هذه اللوحة، إنّها تشبه شخصاً قد سرق ملامح وجهي!

لم يتّضح الأمر لي إلّا بعد وفاته، عندما رسمتُ له لوحة أخرى، قال عنها من رآها: هل هذا ابنكِ؟

انتقلت للعيش معه في القرية وبدأت بإقامة عدّة معارض مشتركة مع رسامين آخرين وأصبحتُ متفرّغة للرسم، وحقّقت شهرة لا بأس بها، جعلتني أقيم معرضاً وحدي، لكنّه بقي اللون الوحيد الذي لم أمتلكه رغم الحيازة الصحيحة له، وبالمقابل هو لم يعمد لامتلاكي لأن أجمل ما فيّ هو ظلّي الذي تملكه الشمس وحدها: (عندما أمتلككِ سوف تهرمين، فالزهرة لم تعتدْ نفسها؛ لذلك لم تتغيّر وظّلت النحلة تأتيها، أمّا الإنسان، فكان خلقاً آخر، وعندما اعتاد نفسه ملكتْه، فأصبح ما هو عليه).

*****************************

براءة الطفولة؛ هذه الكذبة الكبيرة التي يتم تسويقها بكلّ خبثِ مَن يختبئ وراء حلمِ نظافةِ الراشدين. كنتُ سمينة في طفولتي، وأنفع كفراش كما قال الصِبية. تلك البداهة التي تتناساها النساء في غمرة الحبّ، أن الشكل هو العنصر الأهم لدى الرجال، وهكذا رفضَ حبي له، وأعلن أنّه لا يستطيع أن يحب فتاة سمينة إلى هذه الحدّ! أيَّ حدّ؟!

فهمت حينها إلى أي حدٍّ يستطيع أن يتمادى الإنسان بأحكامه من غير أن يعلَقَ به ما يلوثه، فكل ما يُغسل مقبول، المهم أن يبقى خفياً، فنحن نأكل علانية ونخرأ خفية.

الجميع يعمل على تنظيف مرآته؛ إنّه التناسي لأجل مقاربة الصورة التي نقبل بتأطيرها لنا.

***********

وجدتُ نفسي وحيدة مع تركة أبي من الكتب التي كنت أقرأها بعيداً عن نظر أمي، وعلى ما أظن كانت متواطئة معي في ذلك، وهكذا عملتُ على اختيار الكتب بشكل يخدم تطورات جسدي ونفسي، ومع الوقت بدأت أفهم الإشارات بصورة تثير فيّ الضحكَ في الوقت الذي يفترض الآخرون فيّ الغباء، ويرون في الفارق العمري حاجزاً لا يمكن تجاوزه، وهكذا لم أوفر الوقت في تجربة أبعاد الخطوط الحمراء، فكان الريجيم الخطوة الأولى التي عملتُ بها على نحت جسدي، ومع الوقت أصبحتُ أرى صورتي المفترضة تأخذ مكانها، خاصة عندما أمارس عملاً ما، فقد كانت سمنتي السابقة تفرض عليَ شكلاً في التصرف، فأُدهش مما حدث، وكأنه أمرٌ لم أكن أتوقعه.

جسدي الجديد المتفق مع صور المجلات والتلفاز، لم أحرمه من التعبير عن جماله، فكنتُ أقف أمام المرآة أبدّل ثياباً بأخرى، أتعرّى، وأحاول أن أكتشفه بعدسة مكبّرة، كأنّي أردت أن أحفظه غيباً.

كم عدد شاماتي؟ أعتقد أنّها خمسَ عشْرةَ شامة، ولكنّه أكدّ لي، أنّها ثمان وعشرون، وقتها قلتُ: يا لها من مصادفة تأتي على عدد الأحرف، أجاب بابتسامة من اكتشف شيئاً: المهم أن أجيد تركيب لغة تحمل طموحات هذا الجسد، فلو كانت ستاً وعشرين شامة؛ لكنّا في بلد آخر!

**********************

من يحفر في الأماكن الرطبة سوف يجد الماء، وأنا وجدتُ الحبّ ولذّتي عبر رجال الروايات الذين لم يبخلوا بحبهم وشهواتهم العارمة؛ فحين يبدأ الكاتب بالبوح ولا يجد صوتاً نسائياً يفرض نوعاً من الحشمة تخدم مصالح الذكور في زيادة تخصيص المرأة، فينطلق معبّراً عن شهواته؛ لذلك كنت أفعلها مع جميع رجال الروايات وحتى مع الكتّاب؛ إذ كنتُ المرأة السرّية لهم، وأسخر منهم، لعدم قدرتهم على اكتشاف خيانتي.

الخيال عالم نظيف، لكنّه الابن الحرام للواقع.

****************

كان لطيفاً كجدّ، إلا أنّي كنتُ أكثر من حفيدة مفترضة، فهو صديق والدي، فبعد وفاة زوجته واستقلال أولاده ظلّ وحيداً في بيته رافضاً الانتقال للسكن لدى أحد أولاده. إنّه من المدرسين الذين يرون التدريس رسالة خالدة، فاحتجته لبعض دروس قواعد النحو، ومن خلالها تعرّفت لعالمه الهادئ المملوء بالألوان.

إنّه يرسم، ومعه اكتشفت فكّ طلاسم اللون الممزوج، فتح لي غرفته السرّية ورأيتُ تجاربه الأولى كلون يتحسّس الظلام من حوله، لكنّه كان ضوءَ شمسٍ لسرعة تطوره، وكنتُ كغيوم الشتاء ما لبثتْ أن أمطرتْ؛ لماذا لا أكون نموذجه، فكل الرسامين يحتاجون إلى نموذج.

عرضت الأمرَ عليه كامرأة مجرّبة، أذهله العرض السخيّ ومن الغباء أن يرفضه، فقبل معي شرطَ أن يبقى الأمر سرّياً.

وجهي، كان اللقاء الأول، فجلستُ على الكرسي، مستذكرةً مَن خلدهم الرجال الذين أدمنوا اللون كمخدر، وبين ضربة للريشة وأخرى، أصبحتْ أنفاسه أقرب إلى وجهي.

يتعمّد أن يوازن بين توضّع رأسي في كل جلسة، وأنامله التي تتحسّس وجهي بانتباه من يمشي في حقل ألغام أصبحتْ أكثر خبرةً لتلامس لغم الشفة من غير أن تنفجر، فيحدث أحياناً إنذار خفيف، يحذّر من عضّة، فيعلّق وقد احمرّ لونه: لم أعلم أن لديّ كلبٌ صغيرٌ هنا، فأردّ بزمجرة خفيفة.

وجهي يتوسّط اللوحة كغيمة صيف وحيدة. قلتُ له: لم أرتكب جرماً أستحق عليه قطع الرأس، وعدت إلى مكاني، وكأميرة أمرته بمتابعة الرسم، لم أعطه الفرصة ليأخذ نفساً، فككتُ أزرار القميص، فنفر ثدياي ونفرتْ دهشته كبحرة في بيت شامي لم تمارس قذف الماء من زمن، أشرتُ له، أنْ ارسمْ، فتابع كمن يعترف بتقاليد المهنة، لكن كطبيب لم ينفعه قسَمه من أن يسترق الإحساسَ وهو يفحص مريضته الأولى.

تتابعت لقاءات الدرس والرسم، وأخذ يجلس بقربي بعد أن كان يجلس في مواجهتي، لم يترك سبباً يمرّ دون أن يستغله للاقتراب، كأنّ المكان يضيق رويداً رويداً، فلقاءات العشاق تعشق الزوايا. عملت على تفريغ صبره على العكس من لوحاته التي تتكاثرت على الرغم أن موضوعاً واحداً كان جوهرها.

في الدرسَ الأخير، شكرته بهدوء، لكنه لازل صامتاً كحجر ينتظر الإزميل، وكاشتعال عود الثقاب أطبقتُ على شفتيه ، وتركته أبيضَ ... كلوحة لم ترسم.

*** لم أتوقّع هذا! كلّ ما افترضته؛ أنّه رجلٌ بأسلوب غامض- كان سجيناً مدة عشرين سنة - إنّه السّلم الخبيث لتوافق الاتجاهات المتعارضة، فالوطن الحمار لا يحتمل إلّا راكباً واحداً يسوسه.

استفسرتُ عنه كمريض يريد أن يقف على أبعاد مرضه ودوائه. كان لا يأتي من القرية إلا عندما يجلبُ بعضاً من نتاج الأرض لأخيه أو لشراء بعض الحاجيات.

تشاركنا جميعاً في تذوق النبيذ الذي أحضره. إنّه كالغبار يستقرّ عليك، لكنه غبار رطب يلصق بقوة، لم يتحدّث عن فترة سَجنه، بل تكلّم على حال الغابة المتدهورة في أعلى الجبل بطريقة تفيض إحساسا، حتى لتخاله تحول إلى لون أخضر.

***

الأخضر لون أستاذي القديم، والأحمر للصيف وباجتماعهما تكون الثمار.

كان روايتي المفضلة التي تنتظر صفحاتها البيضاء أن أملأها بالحبر الذي أريد.

عمّ أبحث معه؟ هل سقطتُ في فخي الذي نصبته أم إنه الحبّ؟! تلك العشبة غربية النمو، التي تكسر احتمالات الفصول، لم أحسم ما حدث إلى الآن! ولربما هذا أفضل، فبعض الطرق يجب أن تمشى دون آرمات[1].

***

بعد تلك القبلة، حدث نوع من التوجّس من كليْنا، فتلك الجرأة التي عرفناها سوية، اختفتْ ودهشتنا الطفولية احتلمت، أصبحت لقاءاتنا عملية، متركّزة على دروس في الرسم وحديث في الألوان، إلى أن طلب منّي عدم القدوم، قالها بلون أزرق بحري، ورمى بموجته الوحيدة على شاطئي -لأنّي أحبكِ –

لم أسمع إلا دقات قلبه، بعد أن لذْتُ بصدره باكية وهمست بالكلمة السحرية التي فتحت عالم الروايات لي، ولرجل من لحم ودم: إنّي أحبكَ.

عصرني كما اللون، فتمدّدتُ على مساحات اللمس، مغمضة عيني، متذوّقة الواقع. شفتاه كما المحيط يحدّ القارب المتمايل على نبض قلبه، أحاطتْ بشفتيّ المسترخيتين كما المرساة في عمق القبلة. التصقتُ به كطابع بريد، فكان الرسالة المبعوثة إلى جسدي الأكاديمي، فقطرة المطر أكثر من هيدروجين وأوكسجين، نهداي اللذان أنهكا فرشاته، سقطا ساجدين لجيش نمل الأصابع أمام كومتين من القمح الطري، اجتاحني شعور الزاوية التي أريد أن أحشر فيها، لم يعد حساب مثلثي الصغير يساوي مئة وثمانين درجة، ولربما يمكن تقديره مرتبطاً بمجموع شهقاتي مضافاً إليها معدّل الضغط الدموي في الشرايين، في النهاية اعتذر كما هو متوقّع مع عينين دامعتين، همستُ بأذنه: قليل من الحرام يفيد.

*************





أرسم بكثرة وكأنّي أعوّض ما فاتني، أرسمه هو، لا أحد غيره، محاولة إخراج رجل من العتمة، فشعوري أنّه دائم الهرب منّي، دفعني لألون مصائدي في كل الطرقات المتوقعة التي سوف يسلكها، لم يهتم بي حتى وإن بصورة غير مباشرة، ولكنني في استرجاعي المشهدي للقاء، كانت تتكاثر الطيور خلفه وكأنّه يلقي فتات الخبز خلفه: أيّها الرجل الأحمق توقفْ، ههنا أنثى تبحث عنك. فأحيانا يخيّل لي، أنه ليس أكثر من شخص في قصة منداحة في هدوئي في تلك المكتبة الآمنة.

علمتُ مسبقاً بقدومه، فأعدّدتُ العشاء وساندتني أخته بتواطؤ الإناث، لم يأكل كثيراً، رغم انهماكي بإغرائه بتعدّد أصناف الطعام، وسخرتُ من نفسي فيما بعد، فقد قلن لي: إن طريق المرأة إلى الرجل معدته.

أخافني تركه للطعام مبكراً، فشعرتُ وقتها أن الوصفات القديمة للجدات تنجح مع الرجل الذي يضاجع بعد أن يملأ معدته.

شعور المرأة الرخيصة الذي رافقني تبدّد عندما دلف إلى غرفة الرسم المفتوحة الباب قصداً بعد أن استأذن وبقي هناك إلى أن أنهينا طعامنا، كنتُ قد أخفيتُ لوحة رسم وجهه المباشر وتركت غيرها من اللوحات، لحقنا به ولكنّه لم يمهل أحداً ليسأله عن رأيه، بل بادر هو: أنت ترسمين لعمر مضى في أكثر لوحاتك، وكأنك مراهقة تحب للمرة الأولى. ومن خلف الشباك-صمت للحظة لم تسمح لأحد أن يتدخّل-

- اضربي موعداً، وتلمسي اللون بأصابعكِ.

********************

تنقّلت كلمات الحبّ كالقطط المتشرّدة بيننا. الرجل العجوز الذي كان صامتاً كما بدا لي، بدأ يجيد الكلام، الكلام في كلّ شيء، لذلك كنّا نمارس الجنس متسرعين وكثيراَ ما كان يكتفي بإعطائي جرعتي منه بواسطة فمه، بعد أن يخلع منه فكّه، ثم نثرثر عن الله والسياسة والموت والبوظة وأشياء أخرى.

قال لي: يجب أن تكوني عجوزاً!

رددت عليه: لماذا لا تكون أنت شاباً؟

فأجاب: على أحد منّا أن يكون قريباً من الموت، هكذا ترى الأمور بطريقة أوضح.

كم أنتَ وحيد أيها الموت! لا تدوم صداقاتك أكثر من عدة شهقات متتالية!


**********

لو ينسى القدر بعض التفاصيل. لو يتأخّر، ولكنّه اعتاد الكمال، وإن حدث النسيان؛ لعاد وأكمل مهمته بتمام أكبر من السابق، فمنذ سنة وقف رجلٌ بباب البيت، وسأل عن أمي، ... للحظات، لم أفهم لماذا تلك المعانقة التي أخرجتْ أمي من تحفظها!

إنّه شخص من الذكريات القديمة المتمسّكة بالحياة وليس مجرد صورة بالأبيض والأسود للذكرى. للحقيقة، إنّ هذا الشخص قد حملني طوال فترة دفن والدي وأخوتي.

إلى الآن مازلت أؤمن أن الوطن من قتلهم، إذ فجر اغتيالُ والدي الغضب العارم على كل الاختلافات السياسية التي قادتْ إلى مؤتمر حوار وطني، أعادوا فيه توزيع الثروات فيما بينهم إلى أجل مسمى.

التضحية لازمة وتصبح ذات جدوى أكثر عندما يكون المضحى به في معزل عن أية تكلفة!

أبي وهذا الصديق رفيقا نضال. وهذا يكفي! هذا ما قاله الضيف، ليغلق وراءه كل هذا الماضي.

أمي اكتفت بالتدريس، ولم تفعل كبعض النساء اللواتي انخرطْن في العمل السياسي على أثر انخراط أزواجهن به، بل دوماً كانت تراه عملاً قذراً، مهما كانت نظافة ثياب من يمارسوه، لربما تكوّن لديها هذا الموقف من جراء اغتيال أبي.

إنّي لا أملك ذاكرة من ذلك الزمن، لكن اكتشفتُ فيما بعد من حوارات ومتابعات والدي السياسية، أنّها كانت من النساء الناشطات في الحركة النسائية في ذلك الزمن وبقصدٍ، أبعدتني عن تلك الأجواء وعملتْ جاهدة على تقديم حياة جيدة لي؛ إذ عملت كمدرّسة خصوصية في البيت، وهذا ما أمّن دخلاً جيداً وسمح لي بالكثير من الحرية بعيداً عن عينيها وأنا أطالع كتب أبي وكانت سعيدة جداً وهي ترى موهبة الرسم تتوضّح من خطوطي.

لم أكن صديقة جيدة لأمي، ولم تكن هي كذلك! كنّا أماً وابنتها، الآن أتمنى لو كان بيننا حديث الأم وابنتها عن تلك الأشياء النسائية الصغيرة، وهنا لابدّ من الاعتراف أن مكتبة أبي؛ الأم الفكرية لي.

كم شعرت بالقدسية وأنا أعيد ترتيب المكتبة من جديد، أمسح الغبار عنها وبعناية كبيرة أعيد تنظيمها بالشكل ذاته الذي كانت عليه، وكنت بشكل دائم، أفتح الصفحة الأولى لبعض الكتب وأستذكر التواريخ التي أعدتُ فيها قراءتها إذ كنت أدّون تاريخ كل قراءة جديدة للكتاب.

توفيت أمي بعد طلاقي بسنة، رجعتُ إلى البيت لأجدها متوسّدة المكتب في غرفة المكتبة-غرفة أبي-وفنجان قهوتها لم تكمِله. سيجارتها مازال رمادها متماسكاً في المنفضة وتحت وجهها تموضع دفترٌ لأبي، كتب عليه بعض رؤاه السياسية.

عرفتُ الموت كثيراً في الروايات التي قرأتُها. الموت في الروايات لا يفاجئك بل يترك لكَ وقتاً لتتأمل تفاصيل الحزن، والاستمتاع به ولربما تذرف بعض الدموع حيث يقف الموت أمامكَ كحيوان يدافع عن فريسته، فتنتظر كي تتم أعراف الوجبة لتتلمظ فيما بعد حزناً يختصره الأسود، مددتُ يدي -وصوتي يصيح عليها-جسستُ نبضها لم يكن هنا ولا هناك.

(نمْ يا ولدي؛ لم أكن أمّاً) لكن عندما وجدتُ أمي غافية فوق ذراع أبي تعلمتُ أن أفهم حنيّة الموت عندما يأتي كطفلة ترفل بثوبها الجديد الذي ابتاعه والدها البارحة؛ لتضمها أمها وتسقيها دمعاً حلواً جداً كأحلام الأطفال.

******

يترك مدرسي العجوز الباب مفتوحاً لأدخل عليه كشخص من البيت، فبعد أن كبر الأولاد لم يدخل أحد بيته بدون أن يقرع.

هنا، حيث القبلة الأولى، حيث اختار أن يكون المرسم مركزَ كونه، وجدته مجعداً على الأرض والريشة لم يجف لونها بعد. بكيته بحرقة الزوجة ولبست الأسود عليه حتى الأربعين ولم أمارس عادتي السرية حتى طهرتُ أربع مرات من العادة الشهرية.

أربع وفيات كانت أمي الخامسة، لا بدّ أنّي سأكون وحيدة عند موتي، قلتُ له: تركتني وحيدة تماماً كما كنتُ في مكتبة أبي، لكن دون كتبه، أأنت الكتاب الأخير؟ أسألكم أيها الموتى: هل ستخرجون من ماضيّ؛ لتحصوا الأنفاس الأخيرة لي بابتساماتكم المتوقدة بالبخور؟

*****



كان أبي آخر رجال العائلة، فنحن عائلة صلاتها رحمية، فجدي الوحيد جاء على تسع بنات، ثلاث منهن سلمت حياتهن وتزوجن وأنجبن وتباعدت مساكنهنّ، بقي جدي في دار أبيه وتزوج ثلاث مرّات ولم ينجب غير أبي من زوجته الأولى، جدتي التي توفيت أثناء ولادته وتركته لترعاه الزوجة الثانية، وبعد فترة وجيزة من وفاتها وقبل أن تتم الأربعين حيث كان صراخ الولد التغطية المناسبة ليدفع أبو جدي ولدَه لزواج مبكر، لكن الزوجة الثانية كانت عاقراً لربما ورثتُ ذلك عنها وبقيتْ في بيت جدي حتى عندما تزوج الثالثة التي لم ترض أن تكون عاقراً إذ طلقها جدي بعد ثلاث سنوات من زواجهما؛ لتتزوج رجلاً توفيت زوجته وعنده أولاد، فأنجبت منه صبياناً وبناتاً، وقتها عرف جدي أن العطب منه، لكن كيف ذلك؟ وقد أنجب أبي، أحياناً في شكّ بوليسي أتمنّى أن أحصل على شيء من رفات جدي، ولكن كما قال عندما قرأ في عين زوجته الثانية شكاً في لحظة انتقام على زواجه الثالث وبعد طلاق زوجته الثالثة: يرزق من يشاء، وصمت.

هذا الشّك مات في وقته وأبي كان باراً بأبيه وراعياً لزوجته الثانية كأمّه، لكنّه خرج عن تقاليد العائلة بشكل كامل حتى في زواجه، فقد تزوج مسيحية تعرّف إليها في الجامعة، لكن بعد أن أنجبت ذكرين عادت الأمور لمجاريها، وكان جدي قد سمى أخوتي الذكور باسم أبيه وجده أما اسمي، فكان لأمي التي سمّتني على اسم أخت لها متوفاة.

ماتت أمي بعد طلاقي من قريب لنا من جهة أخت الجدّ، الأكبر من جدي عمراً، والتي بقيت الصلات بيننا معقولة وخاصة بعد فعلة أبي التي أبعدت عنه القرابات الرحمية.

لأكُنْ صريحة، لم يكن حباً بالمعنى الدقيق للحب، كان لوناً أحمر فقط. أربع سنوات مرّت ولم أنجب، وثبُت طبياً عقمي. وهرباً من ضغط أهله والزوجة الثانية التي رشحتها له أمّه، كان الطلاق الذي أعادني إلى بيت أمي، فكان الضربة القاضية بفقدانها الأمل، لربما يعيش الأهل في عيون أولادهم، إنها المواجهة الأخيرة مع سر الموت بالهرب منه عبر التقمّص بالأبناء.

**********

لم يكن أحدٌ في وزارة التربية يمانع انتقالاً إلى المنطقة الساحلية، وخاصة بعد أن وجدت فتاة ترغب بالانتقال إلى العاصمة. وهكذا بعتُ كل شيء، حتى المكتبة، ولم استعمل من الماضي إلا رقم هاتف صديق أبي الذي أمّن لي بيتاً صغيراً فوق بيته في تلك المدينة الصغيرة مع إطلالة بحرية على شاطئ وكورنيش يتبعه أزرق استوطن لوحاتي.









[SIZE=5]2- الفصل اللاحق[/SIZE]


[SIZE=4]الريــــــــــشة[/SIZE]

أبٌ على وشك التقاعد، وأمٌ عملها الوحيد في هذه الحياة العناية ببيتها، وأطفالٌ يتدفقون كالماء في أيام العطل؛ هذه الحياة، حياتهم، كانت توحي لي بالأمان والراحة.

أصبحتُ البنت التي أتتْ على كبر، فهم يدلّلونني ويحبونني بطريقة جعلتني أعيدُ حياة الأسرة إلى وجودي.

كان يختبئ جزء كبير من حياة أبي في صدر هذا الرجل، لقد سرده لي على وقع المطر الشتوي في الخارج، وصخب الموج الذي يحتجّ على تهييج ذكرى الموتى، ولكننّي اعتبرت استكمال تلك الحياة التي طوتها أمي بعيداً عنّي ضرورة وجودية في اعتقادي، حيث لم تنفع مكتبة أبي إلا بإعطائي صورة تكاد تكون فكرية عن فيلسوف أو ما شابه، كنت أرى تلك الأسرار التي سردها لي، طريقة في معرفة أبوة جديدة أكثر قرباً وحميمية، حيث لم تعد تلك الغصّة المرّة التي ترافق جوابي عن حياة أبي علقماً كالحنظل، بل أصبحت بمرارة القهوة.

*******

كثيراً ما جنحتْ أفكارنا بعيداً عن الشرفة التي كانت تجمعنا؛ مع أخيه وزوجة أخيه، وعندما كنت أستأذن كي أصعد إلى بيتي؛ كنت أجرّ قدمي من التعب لشدة ما مشينا.

(أشعر أنّ لي القدرة على الطواف حول الكرة الأرضية مئات المرات. إنّه الحلّ الوحيد لأهدم هذه الزنزانة اللعينة، ولكننّي لم أفعل، فالزوجة والأولاد الذين رسمتهم بقلم الرصاص على جدرانها، يلزمونني بالبقاء. وعندما أخرجوني بحكم أشدَّ قسوة من الأول، طلقتها لتتزوج النزيل الثاني ليعتني بالأولاد. السجين الذي خلفني في الزنزانة، خرج بعدي بستة أشهر، وعندما سألته عن زوجتي وأولادي، قال لي: لقد صبغوا الزنازين بطلاء جديد، فهناك بعثة خارجية سوف تتأكد من حسن التعامل الإنساني مع المساجين، وقتها ضحكتُ من كل قلبي، لأنّهم دخلوا في البياض وحزنت لبقائي في الألوان).

عندما تم القبض عليه، يوزّع المناشير السرية، لم يكن ذلك بسبب التقصير منه، فقد تم خداعهم من قبل أحد الأشخاص في التنظيم الذي ينتمون إليه، وقتها دفع بنفسه أمام مطارديه من الشرطة السرية، وسمح لزميله بالهرب، الذي استطاع بعد عشرين سنة أن يكون وزير داخلية وفق التحاصصات التي -بصورة أو بأخرى-دفع أبي بعضاً من ثمنها بموته. تذكرّه بعد كل تلك المدّة، إذ إنّه، ومع تغيّر أهواء الحكومات المتعاقبة بطريقة تدعو للغرابة، لم يكن يتم إخراج المعتقلين السياسيين، وكأنه نوع من الفطنة التي تصيب من يجلس هناك في قمة الجبل، فمن يعارض سيظل يعارض.

وهكذا أصبح البيان "رقم واحد" شيئاً طبيعياً يمرّ لوقته، وينتهي، حتى إن الموظفين الصغار لم يعد يعنيهم من يرأسهم، فالقصة قصة تاريخ يجب أن يصفّي نفسه من أحقاده.

خرج من السجن وعاد إلى القرية. البيت كان مغلقاً. أمّه وأبوه ماتا وهو في السجن.

بعد أسبوع من قدومه وقفتْ أمام البيت سيارة سوداء تلمع تحت شمس الصيف، ترجّل منها رجل وحيد، وطرق عليه الباب وغارا في الظلمة، لساعة مضتْ لم يعرف أحد من سكان القرية ما حدث، فهم لم يتعودوا نوع السيارات هذا يمر بطرقات القرية، لكن الرجل الغامض منحه وظيفة حارس للغابة التي تتسلق الجبل خلف القرية.

***********

كنت قد دخلت الثلاثين، أقضي معظم وقتي ما بين المدرسة التي أدرّس فيها ومرسمي، ومن ثم الشاطئ الذي بدأتُ أعرفه حجراً حجراً، مبتعدة عن ساعات الرجال، محتفظة بزمني لنفسي، اقضي مع العائلة الجديدة مقدمة السهرة ثم أنطوي لمرسمي، لم أهتم بتطوير صداقات، كنت مهتمة بالرسم لا غير.

عدت للعاصمة بعد غياب سنتين، لأشارك بمعرض مشترك مع مجموعة من الفنانين الذين عرفتهم سابقاً، لم أستحمل وجودي هناك لأكثر من يومين، رجعت بعدها بعد أن ائتمنت صديقة لي على اللوحات، وفي حال تم شراء إحدى اللوحات سمحتُ لها بالتصرف بالسعر، أعادت جميع اللوحات، فلم تُبع واحدة منها.

****************

الشعور الذي راودني تجاهه، يشبه رائحة مكتبة أبي عندما أدخلها وفي نيّتي كتاب جديد بعد أن أكون انتهيتُ من آخر. متعة جميلة هذا الإحساس، ولكن كان لدي شك وخوف من أنّ سريّ سوف يفتضح، أما هو، فلم يغّير من مواعيد قدومه من القرية كلّ ثلاثة أسابيع، يأتي قبيل العصر ويغادر في الفجر.

أصبحت أستيقظ مبكّراً، أعد فنجان القهوة مترقّبة مغادرته، أضع الفنجان على حرف شباك غرفة النوم، في حين كان هو يهبط الدرج، يتوقّف قليلاً قبل الانعطافة التي ستخفيه عن ناظري، فأظن أنه سينظر إلى الوراء ومن ثم إلى أعلى، لكنّه يدلف في المنحنى ويختفي.

عندما علّق على لوحاتي، قائلاً: إنّي أرسم لوقت مضى، كان قد مضى على معرفتي به، أحد عشر شهراً.

تكاثرتْ مواعيد قدومه كفتات خبزي الذي أرميه إلى عصافير الشارع، نقضي جلّ الوقت في المرسم، نستمع للموسيقى، ونتكلّم عن كتب تشاركنا في زمنين مختلفين في مطالعتها، فنتبادل الآراء عن انطباعات مرّت في الذاكرة، تمنيته أن يكون أحد مؤلفي هذه الكتب؛ لأخون الآخرين معه، فقال لي فيما بعد: "كنت جباناً، كم رغبت أن أقبلك لحظتها وأهمس، فأنا لم أهمس منذ زمن، ولكن السجن يجعلكِ تعتقدين أن الصمت أفضل وسيلة للتعبير ولا تنتبهين إلى مرور الوقت فيه. عشرون سنة مضت، أشعر بها كحياة أخرى، فلم أنظر إلى ساعتي فيها.

حاولت مقاربة السياسة بأحاديث عابرة ولكنّه دوما كان يقاطعني:( السياسة ليست وسيلة ناجحة للقيام بشيء، إنها فقط للتغيير، وهذا التغيير كقفزة في المجهول لا تعرفي أين ستسقط قدماكِ؛ أرجوكِ لا تعيدي فتح هذا الموضوع)، ثم يشرع بالتكلم عن حال الغابة المتدهورة فوق القرية، فأردّ: ولكنّها السياسة من جديد!

يهمهم: مازلنا نتكلّم عن الخطيئة الأولى، وكأنّها حدثتْ البارحة، ما الذي ينفع في ذلك، لاشيء! الخطيئة سبب وجود، أمّا الذي يهمني الآن، هو: كيف أعيش هذا الوجود بعيداً عن ظلالها. إنها كالسلاسل الحديدية تمنع السجين من الهرب. أنا نقعت قدمي بالماء طويلاً حتى أكل سلاسلها الصدأ، فاهترأت، أنا هارب لحياتي، ألا يكفي هذا لأغلق هذا الماضي.

الذنب الوحيد الذي أشعر أني اقترفته كان تجاه الطبيعة. إنها مسالمة لحدٍّ تدعو للشفقة والحزن، وجديرة بأن تنذر الحياة لأجلها، سأعمل وحدي هناك على سفح الجبل، سأعيد للغابة عمقها وأسرارها وسحرها، لعله في يوم ما يخرج بشري أكثر إنسانية بلا خطيئة تتبعه كظله، فالغابة يكفيها أن أمشي في طرقاتها كحيوان يحترم قوانين الفصول، وهي سوف تعطيني مستقبلاً أخضر، ولكن إن أهملتها سأنتهي بموتها. نحن وحيدان،

- وحيدان؟! "علّقت ممتعضة كأنّ أنبوبة للون فاجأني انتهاؤها".

*******

لربما، أصبح تعلقنا بعضنا ببعض واضحاً للجميع، ما عداي وعداه، كنّا نرى الأمر على أنه نوع من الإجبار، لم يعد يتفق وحياة الحرية التي نعيشها.

كلّمني بموضوع الانتقال للسكن معه دون زواج، لأنّ الزواج يراد منه مستقبلاً؛ أمّا أنا أريدكِ للحاضر لا أريد أوراقاً من صناعة مدنية الإنسان تجمعنا ... هذا فيما يتعلّق بي، أمّا إن كنتِ تحتاجين لضمانة مالية سأكتب لك الأرض ... الشيء الوحيد الذي أملكه، ليس الحبُّ ما يجمعني بكِ؛ إنما الألفة ... اختبرتُ الحب قبل السجن واكتشفتُ أنه يمت للسياسة بصلة، بل إنها مثله عمياء.

أقنعني كلامه، فمتى كانت الدساتير تحمي الشعوب التي تتبناها، فدائماً كانت الدساتير مطيّة للسلطة التنفيذية.

الكلمة الوحيدة التي قلتها حينها: ولكن...!

قال لي بعدها، دون أن يمهلني لأتم جملتي: أمام الناس لكِ أن تكذبي كما تشائين، فهم دوماً سيسألون ثم يعتادون، فالسؤال سهل، لكن البحث عن الإجابة يحتاج مجهوداً وزمناً ونادراً ما يشغلهم ذلك، مادام لا يمسهم مباشرة.

اعترفت له، أنّ سبب انتقالي إلى بيته، لم يكن بطريقة عقلية، فقد انتقلت لأن الحب يبرر.

حينها عرض عليّ أن نسجل زواجنا، ضحكتُ من قلبي وقبّلته كما لم أقبّله من قبل، متذكرة كل قُبل الهواء.

في اليوم الثالث لقدومي للسكن معه، ذهبنا للغابة، تسلّقنا الهضبة المنحدرة إلى أنْ وصلنا أمام كهف ذي مدخل صغير، دلف قبْلي وتبعته بخوف، التفتَ وبابتسامة شدّ على يدي قليلاً، بعدها انفرج الضيق الذي دخلناه عن قاعة من الحجر المكتسي بالصواعد والنوازل مع فتحة سماوية تضيء المكان، وبحيرة صغيرة في مواجهة المدخل، لم أتمالك نفسي من الروعة وقلت: إنّه بيتنا، فضحك وضمّني وتكلّم: إنها مياه صالحة للشرب، أخذت بعضاً منها إلى مديرية الماء وكانت النتيجة إيجابية.

ليومين بعد قدومي، كنّا نكتفي بالنوم قريبين من بعض إلى أن قالها: أحتاج لبعض الوقت، فالمرأة الوحيدة التي عرفتها كانت زوجتي في السجن، امرأة من رسم.

ضممته وقلت له: عندما يحين موعد قلم الرصاص، فمبراتي جاهزة.

- أتسبحين؟

خلع ثيابه بسرعة ودخل الماء، ظهره كلوح مسماري نتيجة التعذيب في السجن، لم ينظر إليّ، بل حدق إلى الفوهة التي تطل منها السماء والتي تُرى منها الشمس لمدة ساعة تقريباً في النهار، من الواحدة والربع إلى الثانية والربع أمّا في الشتاء فلا تلحظ أبداً.

تبعته، غمرته بيدي، أطلق نفساً يعود إلى عشرين عاماً قد مضوا.

همستُ له: أريد أن أتقنّ اللغة المسمارية، ثم بدأت أقطّب حروف تلك اللغة عن ظهره، أبلّها بريقي ثم ألثمها ويدي تعبث بشعيرات صدره البيضاء وتلمس بخفّة حلمة منتصبة من البرودة، لربما لشدّة الإثارة التي لم أتيقنها إلا عندما أدار وجهه وغطّ على شفتي كالطيور المهاجرة.

ينغرز وتدٌ في مثلثي، لينصب خيمته، أشعلت النار، طحنت البن، وضعته على نار هادئة كبدوية تضع الكحل.

تساقط جميع الأبطال الذين عرفتهم وكتّابهم ما عدا مدرسي القديم الذي ابتسم وأعاد تزرير قميصي، توقفت النافورة عن قذف الماء.

سحبني إلى ذراعه ومن ثم نحو حافة البحيرة الصغيرة ووضع بطانية تحت ظهري واستلقينا تحت الشمس حتى غادرت الفتحة صامتين كصواعدها ونوازلها، تحرك من قربي أخذ القهوة من الترمس وصب فنجانين من القهوة، أشعل لي سيجارة وله أيضاً، همس لكيلا يسمعنا الرب: لن يطردنا أحد من جنتنا؟!

2007
قصة من المجموعة القصصية : تمامًا قبلة

[1]- لوحة إعلانية

تعليقات

نص كبير، في لغته و رقته و عمقه، كتابة سردية جريئة تمشي بين الشعر و الفلسفة.. و أكاد أراها تخترع فنونا شهية و جديدة من الرسم...
سعدت بقراءة هذا النص.
 
أعلى