صفاء ذياب - قتامة الشعر

"وقال ابن الكلبي: حدثني أبي عن ابن الكاهن الأسدي: أن حُجراً كان طرد امرأ القيس وآلى ألا يقيم معه أنفة من قوله الشعر، وكانت الملوك تأنف من ذلك، فكان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاطٌ من شُذَّاذ العرب من طيئ وكلب وبكر بن وائل؛ فإذا صادف غديراً أو روضةً أو موضع صيد أقام فذبح لمن معه في كل يوم؛ وخرج إلى الصيد فتصيد ثمَّ عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الخمر وسقاهم وغنَّته قِيانُه.
ولا يزال كذلك حتى يَنقّد ماءُ ذلك الغدير ثمَّ ينتقل عنه إلى غيره، فأتاه خبر أبيه ومقتله وهو بدَمُّون من أرض اليمن، أتاه رجل من بني عجل يقال له عامر الأعور أخو الوصَّاف...... ثمَّ قال: ضيَّعني صغيراً وحمَّلني دمه كبيراً. لا صحو اليوم ولا سُكر غدا. (اليوم خمرٌ، وغداً أمرُ).
يورد أبو الفرج الأصفهاني في (كتاب الأغاني) تفاصيل عدَّة، ومن روايات مختلفة، عن حياة امرئ القيس ومقتل أبيه حُجر؛ ملك كندة. الأوجه التي يذكرها الأصفهاني والأخبار المتناقضة، توحي بشكل أو بآخر عن اختلاف الثقافات التي تقف خلف الرواية، فلكل راوية مرجعية ثقافية تبحث عن أخلاقياتها ومنشئياتها وآليات اشتغالها والآيديولوجية التي تقف وراءها. إلا أن أولاء الرواة جميعاً يؤكدون على طرد الملك حُجر لولده امرئ القيس، لا لشيء؛ إلا لأنه يقول الشعر.
في الكتاب نفسه، يسرد الأصفهاني روايات عدَّة تفتخر بها جماعات بشرية وأقوام وقبائل بظهور شاعر منهم، فهذا سوف يمنحهم شرف الذكر ويدخلهم التاريخ من أبواب كثيرة. غير أن حُجراً، وهو الملك الكبير لا يريد لابنه أن يكون شاعراً، بل ملك يخلفه ويحفظ ملكه. امرؤ القيس، بعد سماعه خبر مقتل والده قال بعض الأبيات الشعرية، ومقولته الشهيرة (... وغداً أمرُ)، لكن الأصفهاني وغيره لم يذكر إن كان امرؤ القيس قد قال الشعر بعد ذلك أم لا، وإن كانت معلقته قبل مقتل أبيه أم بعده... غير أن اليقين في هذه الحادثة أنه تحول من شاعر باحث عن المتع والمجون إلى فارس جديد يبحث عن ملكه الضائع.
بعد قرون طويلة، أصبح الملوك هم الشعراء، ليس ابتداءً بالأمويين، ولا انتهاء بابن المعتز الشاعر الأهم في سلسلة ملوك العباسيين، وصولاً إلى قادة الزمن الحالي الذين كانوا يتبارون لقول الشعر؛ لكن أيُّ شعر، وهل يمكن أن يعد دومينيك دو فيلبان أحد هؤلاء؟ فهذا الشاعر الجميل حقاً ورئيس الوزراء الفرنسي السابق غيَّر من وجهة نظر ارتباط السياسة بالشعر، حتى عُدَّ لقب الشاعر سابقاً للسياسي حينما يتم ذكره في أي محفل ثقافي.
وإذا كان الملوك والرؤساء؛ في زمننا يريدون أن يصبحوا شعراء بالقوة، كما فعل صدام ومن بعده القذافي وغيرهما من ديكتاتوريي بلداننا، فهذا نابع من شعراء البلاط الذي كانوا يترامون تحت أقدام أولاء الساسة، حتى نضحت مياه وجوههم من أجل العطايا التي لم تتوقف إلى اليوم.
ربما لم يهتم الشعر العربي بموضوع أكثر من المديح، هذا المديح الذي لا يختلف بين مديح ما قبل الإسلام ومديح العصر الحديث، فلم يكن همه أكثر من الحصول على الهبات.
هذا أولاً، الأمر الثاني لم يطلب الخلفاء الإسلاميين وولاتهم من أي شاعر أن يمدحهم بقصيدة، بل كان الشعراء هم من يريقوا كلماتهم على مذبح هؤلاء، الأمر نفسه حينما تبارى مداحو نظام البعث حينما تراموا على أقدام اللباس الزيتوني، فعلى مدى عقود لم أسمع ببعثي ولا سياسي طلب من شاعر أن يكتب قصيدة مديح واحدة، بل كان أولاء الشعراء يبيعون أنفسهم بملء إرادتهم، حتى هجر بعض منظري قصيدة النثر نصهم الأثير واتجهوا لكتابة قصائد عمودية في سبيل ما أسموه (لقمة العيش)، بحجة واهية.. ويا لها من لقمة يابسة!
بين حُجرٍ؛ ملك كنده، ومدَّاحينا، مسافات طويلة من الوعي ونصاعة الجبين.. وبين مداحي ما قبل 2003 وما بعده، ذرة تراب تختلط بماء الوجه وتزيده قتامة!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى