ناجح المعموري - المسكوت عنه في ملحمة جلجامش 2-2

هذا ما رسمته الاسطورة الانثوية عن الالهة عشتار، وهي ذاتها التي اسقطت صفاتها العشتارية على واحدة من نساء او بغايا معبدها، واللاتي يمثلن وظيفتها التي اشرنا لها. والتي كانت فيها "شمخت" واحدة من فواعل التغيير الحاصل في الحياة والثقافة.
قصدت وحوش البر الماء، فصرخت وسرت قلوبها
اما انكيدو والذي كان مولده في التلال
والذي يأكل العشب مع الضباع ويرد الماء مع الحيوان
ويفرح لبه مع حيوان البر عند مسقى الماء
فإن البغي رأته، رأت الرجل الوحش
ابصرت البغي المارد، الآتي من قلب الصحارى
فأسر اليها الصياد: هذا هو ايتها البغي فاكشفي عن سوءتك لينال من مفاتنك .ص83
تنامي الدور الديني والمعرفي والاجتماعي لشمخت يعني نمواً وتصاعداً لبنية السلطة القمرية ولالوهة الانثى. على الرغم من انحسارها بعد هزيمتها امام السلطة الشمسية القامعة بقوة ذكورتها. كان للمرأة دورها الفاعل والمعترف به. واستطاعت في خطاب انثوي من تحقيق قوة الحضور المتعادل بين الحلم والمتحقق، بين الطاغية والرعية، وبين الحضارة والهمجية والتخلف.
الغواية التي مارستها شمخت مع انكيدو، تعني الاعتراف بالدور الذي بامكان المرأة النهوض به. وتوحيد ثنائية الفعل، الاغوائي والمعرفي معاً، ومن خلال العنصر الادخالي،
الذي استجابت له استجابة كاملة. وكانت استجابتها تلك كشافاً لدورها الحياتي الموكول لها اولاً ولسعيها من اجل عكس المعرفة التي استلمتها من معبدها ثانياً. حتى يكون لها تأثير في الحياة والكون.
وفي حكاية ترويض (انكيدو) اتضاح للفعل الادخالي وانعكاساته على تجسيد مواقف ضعف في قدراته الخارقة المتمثلة بعدم قدرته على اللحاق بالحيوانات، وتطور وعيه، لكنه تطور بطيء في البداية.
صار فطناً واسع الحس والفهم
رجع وقعد عند قدمي البغي "شمخت"
وصار يطيل النظر الى وجهها
وكلما كلمته اصاغ بأذنه اليها
كلمت البغي انكيدو وقالت له:
صرت تحوز على الحكمة يا انكيدو ومثل اله
ص83
ومهما يكن فقد شبع من هذا الوصال المتمادي –كما قال الاستاذ عبد الحق فاضل- فقام منصرفاً الى اصحابه من بين الحيوان. لكن الضباع ماكادت تراه حتى هربت من وجهه، وهمَ بان يلحق بها فلم يستطع. فقد خارت قواه وخذلته ركبتاه، وهكذا نبذته الحيوانات، لانه فقد "براءته" الى الابد…. ان الذي كتب يقول عن انكيدو الذي نفرت منه حيوانات البرية، وعجز عن اللحاق بها لانهيار قواه من فرط الوصال "إنه اصبح فهيماً ذا بصيرة".
ان سيرورة الرجل الغفل فهيماً، ذا بصيرة\، بعدما عرف المرأة تذكرنا بحالة مشابهة في التوراة .

نمط جديد

كان ضعف بعض قدراته، قد خلق نمطاً جديداً من العلاقات لم تكن موجودة سابقاً، مما اضطر للتآلف مع المكان الجديد والتكيف مع الجماعة التي صارت بديلاً عن جميع الحيوانات. وهذا موقف حياتي جديد ومهم ايضاً. وحقق فعل الاتصال الشهوي والمعرفي تطوراً واسعاً في تفكيره. واستطاع الجنس كمدار اخصابي، من احداث اكبر الانقلابات في حياة الفرد/انكيدو. والشواهد على ذلك كثيرة. في المجتمعات الزراعية المحكومة بالثقافة القمرية، وسلطة الالهة الام الكبرى فيها.
لقد حققت "شمخت" نجاحاً وتفوقاً، لانها استطاعت ترويض شخصية غريبة الاطوار ترويضاً مهماً، من خلال الاتصال الادخالي والمعرفي، وبواسطة الحوار التبادلي لاحقاً. حيث حصل الافتراق بينه وبين مجتمع التوحش الحيواني.
لقد شكلت سلطة الانوثة وبمشاعر الرغبة، وعواطف الامومة شخصية "انكيدو" وملامحها الجديدة، المتمثلة بحصول الفجوة بين مرحلتين من حياته. مرحلة تناولتها بالتفصيل قراءة الاستاذ محمد خليفة حسن، حيث اثر نهوض ملامح جديدة لمرحلة مغايرة، تمثلت بالانتقال من البداوة الى الحضارة*
وظهر ذلك بالتغيرات التي طرأت على "انكيدو" وتتلخص بزوال الصفات الحيوانية. حيث لم يعد قادراً على العدو كالحيوانات. وعندما اكتشفت الحيوانات ذلك هجرته. لانه لم يعد واحداً منها. ومع فقدانه لصفاته الحيوانية اكتسب فهماً ومعرفة.
قفز "انكيدو" فخارت قواه
وخانته قدماه
وتركته الوحوش
رضخ انكيدو حيث لم يستطع العدو كالسابق
لكنه اصبح اذكى واكثر فهماً
فعاد وقعد عند قدمي البغي
فصار ينظر الى وجهها
وكل ما تقوله كانت اذناه تصغيان اليه
ويكشف لنا هذا النص بداية استخدام الحواس عند "انكيدو" كمصادر للمعرفة، كما ان القوة المقهورة في داخله، هي القوة الحيوانية، غير القادرة على التجسد بعد ذلك، واكتفى بقوته البدنية.
جدل سلطتين


تم تخلق شخصية "انكيدو" لاسباب دينية، ودوافع اجتماسياسية، وقدمت لنا تصوراً واضحاً عن جدل السلطتين القمرية والشمسية. وكيف استطاعت كاهنة الرغبات، قيادة هذا الجدل، وتطويره الى صراع معرفي شامل. انتصرت فيه سلطة الانوثة، واكدت حقيقية فاعلية المرأة وخطاب الانوثة، الذي ظل فاعلاً بعد انحسار سيادته التامة. وكما فتحت رسولة عشتار عين "انكيدو" على عالم المعرفة، كذلك فتحت رسولة عشتار في هيئة افعى عين آدم وحواء على المعرفة، فاعطته ثمار شجرة المعرفة القائمة وسط الجنة ونقلتهما من عالم يعيشان فيه شبحين بلا ظل، الى عالم الطبيعة الحافل بافراح مفتوحة على الفراغ اللانهائي. لقد نشطت السلطة الثانية (المعرفة) في اعماق "انكيدو" وكان لها فعل كبير ومؤثر.
اعطى اهم النتائج المتمثلة بتآلفه مع الحضارة، وتنامي حسه وتطور وعيه الانساني وايمانه بضرورة مناصرتهم ومنع اضطهادهم وقهرهم اليومي المستمر لذا استجاب لكاهنة الرغبات في الدخول الى مدينة اوروك. وتقدم لنا الملحمة اشارة لبقاء هيمنة السلطة القمرية/ سلطة المرأة عليه ممثلاً في :
هلمي ايتها البغي خذيني الى البيت المشرق
مسكن آنو وعشتار
ص84
لقد ابتدأت مرحلة التكشف الجديدة له. مرحلة ابصار الحقائق، ومعرفتها بوعي، والاتجاه معها. بخط مسير واضح. حيث اكدت تجربته الجديدة وجود طرفين للحياة. الطرف الاول: مدينة اوروك وحضارتها التي اسست معها أيدلوجية سياسية، متمثلة سياسة القهر والاضطهاد والاغتصاب.
الطرف الثاني: حياة البراري التي غادرها، لكنه ظل محكوماً لها وحاملاً لتأثيرها، وهذا ما ظهر كمسكوت عنه في شخصيته، وحاولنا فحصه وتأويله في هذه الدراسة.
كان نزوح "انكيدو" بمثابة تحقق بنية جذب نحو اوروك، ولم يكن هذا الجذب بفعل تأثير احادي، هو الاغراء وقوة الاغواء، وانما يكمن السبب الاكثر تأثيراً في الحوار التبادلي بينهما.
صرت تحوز على الحكمة يا "انكيدو" واصبحت مثل اله
ص 84
لقد استلم انكيدو المعرفة والفطنة، واصبح مثل آنو. واكدت تحولات الشخصية سيادة سلطة الالوهة الانثوية، التي قادت انكيدو مأسورة بها الى مدينة اوروك.
وقع نصح المرأة في لبه موقع الرضا ص 88
واعلن ابتداء التحول الحضاري في حياته، والمعلن عنه في الملحمة بوضوح تام ثم شقت ثوبها شقين، البسته بواحد منها واكتست بالثاني.
امسكت به من يده وقادته كما يقاد الطفل
اخذته الى كوخ الرعاة، الى موضع الحظائر
فتجمع الرعاة حوله ص88
لقد اوجدت له السلطة القمرية، مساحة اوسع، هي الرقعة الاجتماعية المعلنة والمؤكدة على انسانيته واستعداده التآلف والتعايش مع المحيط ومركزه، لا الاكتفاء بالهامش منه.
ففتحت البغي فاها وخاطبت انكيدو
كل الطعام يا انكيدو فانها سنة الحياة
واشرب من الشراب القوي فهذه عادة البلاد ص89
يتعلم الانسان في الديانة القمرية فنون الرقص، اكثر من معرفته للطقوس الدينية، لان الرقص لديه مرتبط حتماً ببعض طقوسه الدينية/ الاخصابية، الرقص مرتبط مثلاً بالخمر، ويجب تناوله قبل انتظام حلقة الرقص وابتدائه، لان الانسان في الرقص، يحرر جسده من المادي ويغرقه في تدفقات الروحي السابح، وسط ملكوت. اتسع امام ذات الانسان مع الخمر وفي هذا اتفاق مع القمرية.ان الرقص اول طاقة حررت الجسد من اثقاله، ومنحته قدرته الخلاقة، على الحركة وجعل الجسد، مركزاً للانفجار والتدفق، بعدما كان سابحاً، او طافياً على هامش الحياة.
الرقص المنفرد منفر، اذا كان وحده، ويتصف بالتفجر والتدفق واللامحدودية عندما يقترن مع الخمر.
صار الرقص طقساً دينياً في الديانة الزراعية/ القمرية-الاخصابية، ونلاحظ ذلك مرافقاً طقوس السحر الذي تصاحبه اشكال وحركات رقصية، تدخل ضمن النشاط الموجه لحفظ الحياة وادامتها وتطويرها. وكانت تلك النشاطات –كما قال السواح- برعاية الام الكبرى التي تمده الى وكيلتهما على الارض. لان المرأة هي الساحرة الاولى وبسحرها كانت تمارس سيطرتها على الرجل وتعزز مكانتها ضمن الجماعة. وكانت الخمرة جزء من ممارسة طقس يومي وخصوصاً في الديانة القمرية لانها قرينة المرأة بما تثيره في نفس المنتشي من حساسية عالية وسعي للاتصال والاندماج واياها فالخمرة مرتبطة ايضاً بالمرأة، لانها نتاج الديانة الزراعية.
سكر ومخدر وموسيقى، تلك هي عادة الغيبوبة العشتارية التي تعبر بالمريد من جفاف الشمس الى نداوة القمر.لقد تحقق كل شيء وصار انكيدو واحداً من البشر. لكنه اكثرهم فطنة، لانه حاز بعض الصفات الالوهية.
اخذ سلاحه وانطلق يطارد الاسود ليريح الرعاة في المساء اصطاد الذئاب وقهر الاسود

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى