محمد نوري جواد - زال..

للفعل الماضي (زال) ثلاثة أفعال مضارعة هن: ( يزال، ويزيل، ويزول) ولكل فعل من هذه الأفعال معنى، فالأول: أي: زال يزال فعل ناقص من أخوات (كان) وهو يتصرف تصرفاً ناقصاً، حيث إنه لا يستعمل منه الأمر، ولا المصدر، ولكن يمكن تصريفه إلى بقية التصريفات، ومعناه: الدوام والاستمرار، ويشترط أن يتقدم عليه نفي، فتقول: ما زال، ولا يزال، ولن يزال، ولم يزل، وقد رفض بعضهم استعمال (ما يزال) أي: استعمال (ما) النافية مع الفعل المضارع، وقد جاء الفعل كثيرا مع (لا) كقوله تعالى ( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا )، وتحقيق ذلك أنه لم يشترط أحد اللغويين أن يسبق الفعل المضارع بـ(لا) فقط، وقد جاء ذكر ذلك كثيرا في المعاجم العربية وفي الشعر، وهو استعمال فصيح، كقول ليلى الأخيلية: نَحن الأخايل مَا يزَال غلامنا ... حَتَّى يدب على العَصَا مَذْكُورا . ورفض كذلك استعمال (لا زال)، فإذا أريد نفي الفعل الماضي وجب نفيه بـ(ما)، فنقول: (ما زال)، ولا يصح استعمال (لا) مع الفعل الماضي إلا إذا تكررت ؛ لأن (لا) إذا لم تكرر كما في قوله تعالى ( فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى )، أو تعطف على نفي سابق كقولنا: ما جاء الضيف ولا اعتذر، فإنها تأتي لمعنى الدعاء كقوله تعالى ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ )، وكقولنا: لا زال فضلك عامرا، أي: أدعو أن يكون فضلك عامرا على الدوام . وقد شاع استعمال (لا) مع الفعل الماضي من غير
تكرار، ومن غير معنى الدعاء نحو: لا زال العلماء يواصلون البحث في هذه المسألة، وهذا مرفوض عند الأكثرين، إذ يمكننا القول: ما زال العلماء يواصلون البحث، أو لا يزال العلماء يواصلون البحث ؛ لأن استعمال (لا) مع الفعل المضارع لا يشترط التكرار .
أما الفعل (زال) الذي مضارعه (يَزيل) فهو فعل تام، وهو من زلت الشيء عن مكانه أزيله، ومصدره (الزّيل)، ومعناه: مَازَ يَمِيزُ، يقال: زَالَ زَيُدٌ ضَأْنَهُ من مَعْزِ فلان، أي: مَيَّزَه منه وفصل وفرّق، ومنه قوله تعالى ( فزيَّلْنَا بَيْنَهُم ) أي: فرقنا، وقد ضعف الفعل للتكثير، ومصدر (زيّل) هو (التزييل) .
وأما الفعل (زال) الذي مضارعه (يزول) فهو فعل تام غير ناقص لازم؛ لأنه بمعنى الانتقال، ومصدره (الزوال)، و(الزولان)، يقال: زال الشَّيءُ عن مكانه، وزال الشَّيءُ من مكانه: تنحَّى عنه ، وذهب وتحوَّل عنه، قال تعالى ( َإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ )، وقال: ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا )، والزّوالُ: ذَهابُ المُلْك، وزوالُ الشَّمس كذلك، قال الشاعر: هذا النّهارَ بدا لها من هَمِّها .. ما بالُها باللّيلِ زال زَوالَها .
وقال ابن قتيبة في تفسير قوله تعالى ( فزيَّلْنَا بَيْنَهُم ) أي: فرّقنا، وهو من زال يزول، كذلك ذهب العكبري إلى ذلك فظن أنه من (زال يزول)، وقد قلبت الواو ياء، وهذا غلط منهما، فهما لم يميزا بين زال يزول، وزال يزيل، وبينهما بون بعيد .




د. محمد نوري جواد
* عن الصباح

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى