ضياء خضير - جماليّات قصيدة النثر..

هناك على المستوى النقدي، اهتمام متزايد بما يسمى (قصيدة النثر)، ونحن نعرف أن واقع شيوع قصيدة النثر وتواتر الكتابة فيها حالياً من قبل الشعراء الشباب، بصيغتها المعروفة وغير المعروفة، هو الدافع إلى هذا الاهتمام الذي بقي في الغالب أسير النيات والكتابات النقدية ذات الطابع الصحفي في الغالب. والغريب في الأمر إن القصيدة العمودية ذات الموضوع السياسي والهدف الأيديولوجي الموظف لأغراض تعبوية لا تحظى بمثل هذا الاهتمام إلا في القليل النادر من هذه الكتابات.
ولئن كان الكثيرون يعتقدون بأن قصيدة النثر تمثل أكثر من غيرها جانباً مهماً من الحساسية الشعرية السائدة الآن، فإن علينا أن نعترف لهم بذلك شريطة أن يتحملوا معنا الإصغاء لبعض الحقائق المتصلة بواقع بعض توجهات هذه القصيدة من ناحية، وبتاريخها السابق ومرجعيتها العربية والغربية، من ناحية ثانية.
من خلال ملاحظة نقدية عامة يمكن القول إنه إذا كانت القصيدة العمودية أو المكتوبة على غرارها قد التزمت عندنا بالتعبير عن الفكر السائد على صعيد المضمون، والحساسية الجمالية والبلاغية الموروثة على صعيد الشكل، فإن قصيدة النثر قد منحت نفسها فرصة أكبر للتأمل أحياناً والدخول في أحيان أخرى بمماحكات لغوية ولفظية وجمالية لا علاقة لها بالقضايا السياسية والفكرية المطروحة إلا على نحو بعيد وغير مباشر، هذا إذا لم يكن المرء مستعداً للذهاب إلى حد القول بأن هذا النوع من الصوغ اللساني المسمى بقصيدة النثر هو الذي يمثل الأداة المفضلة لدى الكثيرين للتعبير عن هواجس وأحاسيس ومشاعر لا تريد الإفصاح عما تريد قوله دوماً، ولكنها لا تشعر بالانسجام وتطابق الهوية بين ما تطرحه وبين ما هو سائد في السوق الشعرية.‏
وهذا الدور الذي تقوم به قصيدة النثر أو بعض نماذجها لا يبدو بعيداً عن ذلك الذي قامت به هذه القصيدة في بيئتها الأوروبية منذ ظهورها الأول في القرن الماضي على يد الفرنسيين (بيتر لتران وبودلير وليتريامون ورامبو وفرلين).‏
فقد كان هؤلاء جميعهم يشعرون بوجود صدع في العلاقة بينهم والمجتمع الذي عاشوا فيه بكل ما ينطوي عليه من قيم وأخلاق ثابتة مما جعلهم يبدون غرباء عن الواقع الحضاري والاجتماعي الذي عاشوا فيه وحاولوا التعبير عنه. ولقد ثبت إن الشعر التقليدي الكلاسيكي كثيراً ما يتناسب وحالة توازن جسدية ومعنوية واجتماعية تتفق مع الإنسان وعالمه في حين إن قصيدة النثر تتنكر، كما هو معروف، لأية إمكانية لوجود الوزن والقافية في الكلام الشعري، حسبما أشارت إلى ذلك سوزان برنار.‏
والإنسان الاجتماعي يظهر دائماً إعجابه بالغناء الموزون جيداً وبالتمائم الشعرية والتناغمات التي تستجيب في داخله لغريزة بساطة جوهرية واستلهام للإيقاعات الجسدية الكونية وإلى حب النظام وقد كتب (ه. توماس) بهذا الصدد ما يلي:‏
“إن البحر الشعري النظامي يبين اهتماماً بالألفة، ويبرز فكرة الإنشاد وهو ملآن بالوقار، وهو يقدم عنصر مطابقة وإذا أهمله الشاعر فإنه يمضي نحو ميادين أكثر فردية وفوضوية.” ويمكن المضي إلى حد القول إن الشاعر الذي يكتب شعراً تقليدياً يكون متطابقاً بصورة أساسية مع الخليقة برمتها، فضلاً عن المجتمع في حين إن الشاعر - الناثر المناهض للشكلية (الالتزام بالشكل السائد) يتمرد على هذا الخلق، وهو لكونه خالقاً، فقد يعمل بطريقة تختلف عن طريقة الخالق، كما يقول (فكتور هيغو) الذي يضيف إلى ذلك قوله إن كل ما في الطبيعة هو “إيقاع ووزن، حتى أننا نستطيع القول إن الله خلق العالم من الشعر”.‏
وعن السنوات الأخيرة من القرن الماضي، وهي السنوات التي شهدت ميلاد المدرسة الرمزية في فرنسا، التي حاولت أن تستثمر الإرث الذي خلفته قصيدة النثر في أعقاب الرومانسية المنهارة كتبت (سوزان برنار) التي اعتمدنا على كتابها (قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا) في إيراد بعض هذه الملاحظات تقول:‏
“لقد شب الجيل الذي خرج من المراهقة ما بين 1880 و1885 في المرارة والهزيمة وصخب الثورة وانهارت من حوله القيم كلها ولم يعد يؤمن بالجمهورية المهانة المستضعفة، ولا بالفعل التافه الخالي من المثل، ولا بالأساتذة الذين يجلهم الجيل السابع، ولكنهم ما عادوا يلبون حاجاته”.‏
ومعروف إن جيل الشعراء العرب اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين الذين تبنوا مشروع قصيدة النثر وكتبوا فيها وحاولوا تثبيت أقدامها في البيئة الشعرية العربية، كانوا يحسون بالمشاعر نفسها التي أحس بها أقرانهم الفرنسيون في عهود سابقة أو بما هو قريب منها. فقد عاش هؤلاء مرارة الخيبة والهزيمة وفكروا بالثورة على كل شيء بعد هزيمة عام 1948 وكانت في حياة بعضهم جوانب أخرى غير واضحة تماماً وأسباب مركبة يرجع بعضها إلى انفصامهم عن الواقع الاجتماعي والأخلاقي والسياسي الموجود في مجتمعهم العربي،ويرجع إلى تأثر سريع أو عميق بالشعراء الغربيين ولا سيما الفرنسيين من أصحاب قصيدة النثر. وكان كتاب (سوزان برنار) المعروف “قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا الصادر في الخمسينات من هذا القرن قد قدم لهم إطاراً نظريا وأسساً لقصيدة النثر الفرنسية تاريخاً وأشخاصاً وأسباباً فنية وفكرية واجتماعية ونماذج وتحليلاً نقدياً، وكانت لبعض هؤلاء ارتباطات معينة وعلاقة بالتوجهات الفنية والأيديولوجية التي حكمت خطابهم النقدي والإبداعي بكل ما انطوى عليه من “رفض” و”ثورة” و”موقف من التراث”. وهو أمر معروف جرت دراسته والجدل حوله في كثير من المقالات والكتب، من بينها كتاب الشاعر (سامي مهدي) الموسوم ب “أفق الحداثة وحداثة النمط /دراسة في حداثة مجلة الشعر/ بيئة ومشروعاً ونموذجاً، الصادر في بغداد عام 1988.‏
وذلك لا يعني إن “أدونيس” و”يوسف الخال” و”انسي الحاج” وتوفيق صايغ وجبرا إبراهيم جبرا وغيرهم من شعراء حركة مجلة (الشعر) اللبنانية قد مارسوا تأثيراً سلبياً مطلقاً على بقية الشعراء العرب الذين قرأوا لهم وتأثروا بهم. فقد كان لدى الكثيرين منهم وعي مضاد بحقيقة الدوافع الأيديولوجية التي رافقت ظهور مشروع قصيدة النثر لدى روادها اللبنانيين، على الرغم مما ينتج عن ذلك من صعوبة يتداخل غيها الأدبي بالسياسي. والفني بالأيديولوجي.‏
وعلى الرغم من أن الساحة الشعرية العربية لم تشهد ظهور شعراء كبار يكتبون على وفق هذه الطريقة ويعنون بتكريس مبدأ النظم المتحرر حسب الشعرية المتبعة في قصيدة النثر، فإن بعضهم كان يزاوج في كتاباتها بين الطرائق الحرة (أي قصيدة التفعيلة) وقصيدة النثر نفسها، والغالبية العظمى من شعراء قصيدة النثر العربية الذين ظهروا في ستينات هذا القرن والعقدين التاليين، ينتظمون في هذه السلسلة الطويلة التي يتخذ أصحابها مواقف رافضة تعتمد على تقنيات لفظية يميل أصحابها إلى اتخاذ مواقف وجودية يشيع فيها الغموض والحيرة والدعوة إلى مناهج وأفكار أخرى يجري التعبير عنها والإشارة إليها تحت ستار شكل مجدد ومتحرر من سلطة التراث والعمود الشعري.‏
وحين نقول ذلك لا نريد الإساءة إلى أحد، فما يهمنا بالدرجة الأولى هو تقرير واقع الحال والكشف عن حقيقة موضوعية قائمة وإعلان واقع لا يتوانى أصحابه عن التعبير عن طموحات فكرية وقناعات فنية قد لا تكون ثابتة ونهائية، ولكنها قادرة مع ذلك على ممارسة حريتها في الكتابة الشعرية بصورة مختلفة.‏
وتأتي الأسباب الفنية والجمالية لاختيار الكتابة في إطار “قصيدة النثر” في المقدمة. فكاتب هذه القصيدة يدرك أحياناً أن (العمود الشعري) وحتى (شعر التفعيلة) قد أصبح قديماً وأدركه التحجر والرتابه، على الرغم من كل محاولات التغيير والتطوير في طبيعة البناء الموسيقي لهذا الشعر. فلذلك لم يعد بمقدور بعض الشعراء الشباب استخدام الأدوات الشعرية القديمة من دون الشعور بأنهم إنما يعزفون على أوتار ميتة فقدت الروح ولم يعد بإمكانها مساوقة التطور الذي يشهد واقع الحياة وتطور الرؤيا للأشياء من حوله.‏
وكان بودلير (الشاعر اللعين) خير من عبر قبل ذلك عن تلك الرغبة الحارة في خلق شعر حديث ينطوي على “موسيقى بدون إيقاع ولا قافية، مرن وحار كي يتكيف مع حركات الروح الغنائية وتموجات الخيال ورجفات الضمير..” أي أن قصيدة النثر تقوم على هذا الأساس الذي يرفض فيه الشاعر الوسائل الآلية للشعر الموزون المقفى، ويطلب (مفاتن) أكثر دقة من الكلمات نفسها، ومن التوافقات السرية الموجودة بين الصوت والمعنى، وبين الإيقاع والفكرة وبين التجربة الشعرية واللغة التي تترجمها.‏
وقد ساعدت على تدشين قصيدة النثر في العربية، فضلاً عن ذلك، مجموعة أخرى من العوامل والوقائع الثقافية تأتي ترجمة الشعر الأجنبي إلى العربية في مقدمتها. إذ إنها مارست تأثيرا خاصا في إيجاد هذا النوع الجديد من الكتابة الشعرية. فقد اعتاد القراء العرب منذ بداية هذا القرن رؤية أشعار منقولة عن الإنكليزية والفرنسية من دون وجود وزن أو قافية. ولكن هؤلاء القراء لاحظوا أن (هذه الأشعار) تحتفظ بين سطورها مع ذلك بطاقة كامنة لا توجد في النثر الاعتيادي. ويمكننا أن نتخيل، تبعاً لذلك، أن بعض هؤلاء القراء الذين لم يتح لهم أن يقرأوا شعرا أجنبيا بهذه اللغات أو غيرها قد تخيل بأن بودلير ورامبو وكيتس وادغار الن بو إنما يكتبون في لغاتهم بهذه الطريقة أو بما هو قريب منها. وهو أمر لم نألفه في تراثنا، أعني أن القارئ العربي لم يعتد من قبل قراءة شعر في العربية مترجم نثراً عن اليونانية أو اللاتينية أو عن غيرهما من اللغات القديمة، في حين عرفت لغات أخرى كالفرنسية شيئاً من ذلك في وقت مبكر من تاريخها عن طريق نقل أشعار يونانية ولاتينية عرف القارئ الفرنسي معها أن القافية ليست جوهرية فيها، بعد أن نجح عدد من هذه الترجمات المكتوبة ب (النثر الشعري) في نقل بعض جماليات الشعر الأجنبي دون اللجوء إلى القافية، وأحياناً دون اللجوء إلى الوزن.‏
وبعض نقادهم يعد أشعار (هوراس) التي ترجمها الأب (ساندون) وقصائد (لوتاس) التي ترجمها (م.دو ميرابو) وقصائد (ميلتون) التي ترجمها (دون سان مور) قصائد فرنسية غير مقفاة، وإن لهذه القصائد وزنها مع أن هذا الوزن ليس موحداً. وهو نوع من التبني للغة النثر الفرنسي الذي يقترب في صياغاته من الشعر حينما يكون فيه من القوة وتوفر بعض المزايا الأسلوبية الخاصة ما يجعله يقطع مع لغة النثر الأدبي الاعتيادي.‏
وربما كانت ترجمة (أنطوان كالان) لحكايات الليالي العربية في القرن الثامن عشر قد دخلت في هذا الإطار، بحيث أصبح النص في نظر بعضهم فرنسياً ونقلت عنه ترجمات إلى لغات أخرى، مع أن (كالان) كان قد خلص نصه الفرنسي من الشعر العربي الذي كان يرد فيه تعليقاً أو تلخيصاً لهذا الموقف أو تلك الحال.‏
وكل ذلك كان مهماً وجوهرياً لجمهور فرنسي رأى في هذه الترجمات إرضاء لطموحات شعرية لم تجد ما يلبيها في الممارسات الشكلية لناظمي الشعر الموجودين في الساحة الأوربية أنذاك.‏
وسوزان برنار تقول إنه: عبر الترجمات قام الكتاب الفرنسيون بأولى المحاولات في قصيدة النثر التي تختلف عن الرواية وعن الكتابة الملحمية. وليس لدينا شك في أن شعراء عربا مثل جبران خليل جبران وأمين الريحاني وغيرهما من الشعراء المهجريين الذين كتبوا بالعربية كانوا يستعيرون الأداء السهل للترجمة الحرة لكي ينقلوا إلى نثرهم تراكيب وإيقاعات وصوراً قادرة على منافسة الصور الموجودة في القصيدة العمودية المنظومة من قبل الشعراء العرب في عهدهم، وتقدم شكلاً من أشكال البدائل الجديدة غير الحاسمة لها. وكان لذلك تأثير كبير، خصوصاً في أولئك الشعراء الذين لم يعودوا راغبين في النمط الكلاسيكي لأسباب عديدة، من بينها أنهم لا يملكون ناصية الأصالة ليخلقوا لأنفسهم شكلاً وطرائق جديدة في القول الشعري.‏
غير أن هؤلاء كثيراً ما وقعوا في الخلط في تصورهم لبنية قصيدة النثر أو (القصيدة في النثر poem en prose التي كان عليهم أن يكتبوها. فهناك لبْس، كثيراً ما أشير إليه، يقع حينما لا يجري التفريق بصورة دقيقة بين (النثر الشعري) و(الشعر المنثور) و(النثر المركز) من ناحية، وما نسميه (قصيدة النثر) من ناحية ثانية. إذ على الرغم من أن هذه الأخيرة تبدو كما لو كانت تسلك طرقاً فوضوية في نظامها التركيبي والصوتي، فإنها لا تفتقد إتباع طرائق معينة في إنجاز القول الشعري تأتي في طليعتها حاجة أصحابها إلى ضغط الكلمة وتركيزها على عناصر موحية، والحيلولة دون تشتتها أو خروجها إلى مستوى الأداء الغنائي التقليدي في الشكل، والروح الأخلاقية أو الفلسفة في المضمون. والنقاد الفرنسيون لم يستطيعوا التمييز حسب سوزان برنار بين شكل النثر الذي اختاره بودلير لكتابة بعض قصائده في (أزهار الشر) وغيرها عن قصده التحديثي، فلترجمة حياة وروح أناس مدينة القرن التاسع عشر بكل تعقيداتها، كان من الضروري استخدام شكل مرن، كما يقول بودلير نفسه “مرن ومتنافر بما فيه الكفاية ليتلاءم مع الحركات الغنائية للروح، ومع تموجات الحلم وارتعاشات الضمير”.‏
أما على مستوى الموسيقى والوزن الشعري، فأصحاب قصيدة النثر يتحدثون عن(إيقاع داخلي) ينبني على وسائل مختلفة تهب القصيدة في مجملها نظاماً إيقاعياً خاصاً قائماً على أساس تكراره واستعادة بعض العبارات والكلمات والصور بأشكال مختلفة، مثل تكرار كلمة بعينها، وعودة لازمة معينة على مراحل منتظمة، والتفكير بمقاطع البداية في الخاتمة والسماح عبر هذه الوسائل للفكرة الشعرية أو الرؤيا التي تسود المقطوعة بان تلتف حول نفسها وتغلق القصيدة، مشددة على وجود بنية دورية داخلية فيها وقد يوظف البناء السردي أو الدرامي المكتوب بطرق وأشكال معينة لخدمة هدف من هذا النوع. والشعراء الأوربيون الذين يتبعون نظاماً أو أنظمة إيقاعية داخلية من هذا النوع للتعويض عن الفراغ الذي يتركه غياب القافية والموسيقى الخارجية والوزن الشعري يلجأون في الغالب إلى وسيلة أخرى معروفة لديهم وهي (النبر) الذي يجري فيه التشديد على بعض الحروف أو تحقيقها، مثلما يجري عندنا في القراءات القرآنية. وهو الأمر الذي دفع بعض النقاد العرب في مرحلة سابقة من تطور القصيدة العربية الحديثة إلى الدعوة نحو تعويض النظام الكمي (الساكن- المتحرك) الذي يقوم عليه نظام العروض العربي للإفادة من الإمكانات الإيقاعية الداخلية الناشئة عن فاعلية نظام النبر أو المقاطع وهو أمر بقي نظرياً ولم يثبت بعد، ولم يجر تلمس مصداقيته النظرية من خلال نتائجه المطبقة في كتابة القصيدة. ولذلك بقيت دعوة (محمد النويهي) و(محمد مندور) و(إبراهيم أنيس) إلى هذا النظام محدودة التأثير لأنها بدت مفروضة على التجربة الشعرية العربية من خارجها. حسب ما أشار إلى ذلك الناقد (فاضل ثامر) في كتابه (الصوت الآخر).‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى