نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

حسين الصدر - الشعراء الأميوّن ،قليلون ،ولكنهم يُثيرون الاعجاب والدهشة لما يملكونه من قدرات هائله في التعبير والتصوير ..!!

  1. الخباز البلدي.. الشاعر الأمي المدهش


    14/11/2012 12:00 صباحا

    والغريب أنهم يفوقون أقرانهم المتعمقين في علوم اللغة العربية وآدابها .
    والسؤال الآن :
    كيف يتفوق الأميّ على الضليع بآداب اللغه وعلومها ؟
    وكيف يبلغ تلك الدرجة العليا من البلاغة ؟
    والجواب :
    انها الموهبة الخارقة للعادة ، تقوده الى مرافئ الإبداع والإمتاع ، وتجعله يملأ العيون والأسماع ،والموهبة لاتأتي عبر الدراسة المنتظمه ، ولا تؤخذ من الاساتذة العمالقة ، وانما هي طفرة – بحسب مصطلحات قوانين الوراثة – تفعل الأعاجيب ..!!
    والموهوب له قدراتُه الخاصة ، في اقتناص الألفاظ والمعاني والتقاط الصور على نحوٍ يفضي به الى ولوج واحات الفن والجمال، والعطاء الباهر ....
    أبرز اولئك الشعراء الأميين هو الخبز أرزي .
    ومنهم أيضا الخباز البلدي (محمد بن حمدان بن حمدان ) الذي قال عنه الثعالبي في يتيمة الدهر (ج2/201) :
    (ومن عجيب شأنه انه كان أميّاً ، وشعره كلُه مُلَحٌ وتُحَفٌ ، وغُرر وطُرف ، ولا تخلو مقطوعة له من معنى حسن أو مَثَلٍ سائر )
    وانّ من المحزن حقاً ، أننا قَلَّ ان نتلمس البراعات الفنيّة والأدبيه ، في نتاج من عكفوا على دراسة اللغة العربية وآدابها ،فكيف بمن لم يكابدوا تلك الشؤون ؟!
    ان الأجواء والمناخات قد اختلفت كثيراً عما كانت عليه أيام الرواد الاوائل ، ولابد ان تنعكس آثار هذا الجَدْبِ على المحصلة النهائيه للأعمال الأدبيه المعاصرة .
    نماذج مختارة من شعر الخباز البلدي :
    قال يرد على شاتِمِه :
    بالغتَ في شتمي وفي ذميّ
    وما خشيتَ الشاعرَ الأميّ
    جرّبْتَ في نفسِك سُماً فما
    أحمدتَ تجريبكَ للســــــمّ
    ويبدو انه كان يستملح ان يوصف ب (الشاعر الأميّ ) .
    انّ الأميه صفة سلبية ، ولكنها حين تقترنُ بشاعرية فذّة ، تصبح شيئاً آخر يمكّن صاحبها من استملاح تلك الصفة ..!!
    ثقافته القرآنيه :
    ولننظر اليه كيف يوظف ثقافته القرآنيه ، بالرغم من أمّيته ، في شعره فيخاطب الذين خاب ظنه فيهم من الاخوان قائلاً :

    ألا ان اخواني الذين عهدتهم
    أفاعي رمالٍ لاتُقصرُ في لَسْعي
    ظننتُ بهم خيراً فلمّا بلوتهم
    " نَزَلْتُ بوادٍ منهم غيرِ ذي زرْعِ "
    ويقول ، وقد سافر بعض أصحابه بسفينة :
    سار الحبيبُ وخلّف القلبا
    يُبدي العزاء ويُضمر الكربا
    قد قلتُ اذ سار السفين بهم
    والشوقُ ينهب مهجتي نهبا
    لو أنَّ لي عزاً أصولُ به
    "لأخذتُ كلَّ سفينةٍ غصبا "
    هويته العقائديه
    وهو لا يُخفي في شعره هويته العقائديه ، فهو إماميّ ، شديد الولاء للعتره الطاهرة من أهل البيت (عليهم السلام)
    اسمعه يخاطب حبيبَه قائلاً :
    تظن بأنني أهوى حبيباً
    سواكَ على القطيعةِ والبعادِ
    جحدتُ اذن موالاتي عليّا
    وقلتُ بأنني مولى زِياد
    واين الولاء للوصي من الولاء للدعيّ ؟
    وهو بعد ذلك ، صاحب تجربة حياتيه ترشحه لتلقين الناس دروساً للتخلص مما يكرهون ، كل ذلك بفضل ذكائه وفطنته
    يقول :
    اذا استثقلتَ أو أبغْضَتَ خَلْقَاَ
    وسرّك بُعْدُه حتى التنادي
    فشرِّدْهُ بِقَرْضِ دُرَيْهِمات
    فانَّ القرضَ داعيةُ البِعادِ
    انك تستطيع ان تتخلص من الثقيل، بان تقرضه شيئاً من الدراهم ، فانك لن تعود تراه بعد ذلك ، لأنه يتحاشى لقاءك خشية المطالبة بتسديد الدين ، وبهذا يبتعد عنك ، وتستريح منه ..!!
    وقد ترجمه الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات ج1 ص 330 ولكنه سمّاه (محمد بن أحمد بن حمدان ) بعد ان سمّاه الثعالبي (محمد بن حمدان بن حمدان ) – كما تقدّم –
    واعتمد على صاحب اليتيمه اعتماداً كبيراً
    والملاحظ أنَّ الترجمتيْن جاءتا خاليتيْن من سنة ولادة الشاعر ووفاته ، وقد ذهبت أتعابُنا سدىً ، حين بحثنا عنهما في العديد من المصادر ،ولكن دون ان نصل الى شئ محدد .
    وليكن ختام المقاله قول الشاعر البلدي :
    ليلُ المحبين مطويٌّ جوانِبُه
    مُشمَّرُ الذيلِ منسوبٌ الى القِصَرِ
    ما ذاك إلا لأنَّ الصبح نَمَّ بنا
    فأطلع الشمسَ من غيظٍ على القَمَرِ
    وهما يشهدان له بعلّو الكعب ، وامتلاك الأدوات الفنيه التي ترتفع بِشِعْرِه الى ذروة سامقه ،
    ولا أدري هل هي صدفة عابرة ان يكون الشاعران الاميّان (الخبز أُرزي والخباز البلدي ) من مهنة واحدة أم انّ هـــذه المهنــــة تُنضج المواهــــب وتنتج الغــــرائب ؟
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..