حميد ناصر الجيلاوي - وشم بالمسمار..

وشم بالمسمار
تم قراءة الموضوع 928 مرة

28/9/2011 12:00 صباحا

حميد ناصر الجيلاوي
يمد ساقيه وظهره إلى جدار الجامع ورأسه ينقر الجدار نقرات خفيفة.. يغني مع نفسه والعصافير تقفز فوقه على أغصان شجرة السدر المشرئبة من خلف جدار الجامع. الأوراق الجافة تسقط على ساقيه وعلى رأسه. (كش.. كش) ..يطرد العصافير بذراعيه وتناول حصاة قذفها عموديا إلى الأعلى، طارت العصافير إلى المئذنة الشذرية والحصاة أحدثت صوتا في فناء الجامع الصامت.. صاح السادن:
- هو... يا أولاد الحرام ستكسرون زجاج بيت الله.
وعادت العصافير... أعادتها الشمس الحارقة الواقفة فوق المئذنة.. أخذت تصرخ فوق رأسه، أخذ يهرش فروة رأسه بأطراف أصابعه من علبائه حتى صدغيه وإلى جبهته والقشرة البيضاء كالصواب تسقط على وجهه ودشداشته.نفض الدشداشة من القشرة وتشمم أطراف أصابعه العابقة برائحة القشرة والوسخ المتراكم على فروة الرأس، مد ذراعه تحت إبطه وزرقها إلى كتفه.. أخذ بالحك الرتيب، أحس بألم الحك فترك ذراعه تسقط إلى أعضائه، أخذ يداعبها والأطفال يمرون من أمامه إلى المدرسة في نهاية المدينة.. الحقائب تتدلى من الأصابع والكتب تنام تحت إبط الصغار.. رفع- مرزوك- رأسه إلى فحل النخل وسط البيت المقابل.. الحمامة تصيح على أحدى السعفات- ياقوقتي.. ياقوقتي- ثم تصمت.. اخذ يدندن مع نفسه ((ياقوقتي.. وين أختي بالحلة وشتاكل باكلة.. واشتشرب ماي الله..)) والحمامة استأنفت صياحها- ياقوقتي- والأطفال يعبرون من أمامه إلى المدرسة، بعضهم يلحس قطع المرطبات وهو يركض.. تلمظ مرزوك قال في نفسه ((لذيذة.. لذيذة.. تعضها فتذوب على اللسان ثم تنزلق إلى الأحشاء...الله)) وقف تلميذان بالقرب منه.. قال لهما (مرزوك).
- أتحبان أن اكتب لكما.
ضحك الطفلان وتركاه إلى المدرسة.. فوق رأسه المؤذن فوق المئذنة يتنحنح.. احم.. احم (أعوذ بالله من شر الشيطان الرجيم)):
- الرجيم قال مرزوك في سره .(( رجيم.. كالثور.. له عينان كبيرتان تفوران كالمقلاة وأسنانه من الحديد الحامي كالصنانير الكبيرة التي تصطاد بها الأسماك وذيله كالعصا الغليظة وجلده درع كالقنفذ.. له مخالب وأنف ومنقار وفي بطنه منقلة من فحم كراجي وبيده خنجر وسوط ومدفع هاون.. رجيم.. الشيطان.. أف)).. أخذ يحك رأسه، يحك فروة الرأس ليدفع عنها الشيطان الذي هبط من المئذنة إلى رأسه والمؤذن يصرخ، يندد، يستغيث..
قال أخيراً:((ورحمة الله وبركاته.. الفاتحة.. قبلها الصلوات على محمد)).
قال مرزوك في سره: ((بس.. بس.. ورحمة الله وبركاته)).
نزل المؤذن والعصافير تتنافر وتسقط الأوراق الجافة وجرس المدرسة يرن، يسمعه.. يمد أنفه نحوه وكأنه يشمم الصوت.. الأطفال يسمونه (اللقلق).. (وأبو منقار).. مد أصابعه إلى فتحة انفه...أخذ إصبعه يلبط داخل قصبة انفه، كور المخاط ولصقه بالجدار خلفه.. مر ابن الشيخ على دراجته.. صاح بأعلى صوته:-
- مرزوك..
وانطلقت دراجته... ود مرزوك لو ينقض على دراجته ويجلد ابن الشيخ بالأرض ويركبها((أمد ساقي وأحرك الدراجة هكذا وززز.. وأنت في الجسر يا مرزوك.. وززز وأنت في بغداد.. وأحرك الجرس...يرن.. وأمسك بالعصا وأنا ممسك المقود باليد اليمنى وباليسرى أهش الأطفال.. أكسر يدك لو مسست دراجتي.. باط.. انثقب الإطار)).
كان مرزوك يحرك المسمار على ذراعه فتتعرج الخطوط بيضاً واضحة على جلده.. رسمت ابن الشيخ ومرزوك على الدراجة والإطار والجرس والجسر وبغداد ومرزوك وبيده عصا.. فغرفاه. وجد الدراجة على ذراعه حلوة والمصلين يمرون من أمامه إلى دكاكينهم وبيوتهم.. (( آمين.. رزقك وعفوك يا أرحم الراحمين)) والمسمار يجري على الأماكن السمراء غير المخربشة على ذراعه.. الدراجة تجري على الجسر والعصا بيده والمسمار رسم ساعة حلوة وعريضة وأرقامها كلها خطوط ولها أربعة مؤشرات وزنجيلها من الذهب والصائغ يأخذ حفنه دنانير ويصوغ.. مد الزنجيل حول معصمه . انتهت الساعة ورسم مرزوك نفسه بالبنطلون والسترة والحذاء والجوارب بين حافة البنطلون والحذاء وبأطراف أصابعه حقيبة من الجلد لها عروة بيضاء معدنية جديدة، تلمع.. فيها الكراريس والدفاتر والأقلام والمساطر الخشبية الجديدة وقطع النقود في الجيب الداخلي والعصافير تقفز والأوراق تسقط عليه والحمامة فوق فحل النخيل تصيح ياقوقتي.. ياقوقتي والذراع تمتلئ بالأماني العذبة.




* عن الصباح

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى