عباس محمود العقاد - مراجعة ديمقراطية

معرفة الحاضر على ضوء الماضي كمعرفة الماضي على ضوء الحاضر: كلاهما وسيلة من وسائل المعرفة الصحيحة بعد المقابلة بين الحالات المختلفة

ومنذ أيام رجعنا إلى وثائق الحركة الدستورية والحركة الاستقلالية على عهد الاحتلال، لأنهما مدار القضية المصرية، وهي الآن في دور الفصل والتقرير. فوقفنا على نبذ من طرائف التاريخ القريب تدلنا على ما نحن فيه وما كنا فيه، وتحتاج إلى بعض التوضيح من طريق التعقيب

كان لورد كرومر يتكلم عن المطالب الوطنية في تقريره عن سنة 1906 فقال عن مطالب الحزب الوطني: (. . . فهمت إنه يطلب إنشاء مجلس شبيه بمجلس النواب البريطاني. ولا أدري هل كان يطلب حصر السلطة كلها في مجلس واحد، أو إنشاء مجلس ثان بمثابة مجلس الشيوخ في فرنسا، أو مجلس الأعيان في إنجلترا، ولا أدري كذلك هل كان يقصد إن ذلك المجلس النيابي المصري يسن القوانين لسكان القطر المصري كلهم بلا فرق ولا تمييز، أو يسنها لرعايا الحكومة المحلية وحدهم دون غيرهم. . . فلعلي لا أخطئ إذا قلت أن ذلك الحزب يطلب أولا أن تكون الوزارة مسئولة لذلك المجلس، وأن يتوقف وجودها على بقاء أكثريته معها، وثانيا أن تكون للمجلس السيطرة التامة على مالية البلاد كما هي الحال في المجالس التي ينتخب أعضاؤها في بلاد الإنجليز وفي غيرها من البلدان الأوربية)

ثم قال: (فلو قبل طلبه الأول لأفضى إلى الفوضى بلا مبالغة، لأنه يثير الدسائس على اختلاف أنواعها، ويعيد القوة إلى الرشوة التي كانت ضاربة إطنابها في طول البلاد وعرضها، ولا تزال إلى يومنا هذا تموت موتا بطيئا جدا، ولا يبعد إنه يعيد أسوأ مساوئ الحكومة الشخصية تحت ستار المجالس الحرة الشورية. ولو قبل طلبه الثاني وتولى المجلس مراقبة المالية، لأفضى ذلك بالأمة إلى الإفلاس لا محالة. . .)

هكذا كان لورد كرومر يقول قبل أربعين سنة في إبان سيطرة الاحتلال

ومهما يكن الظن بالباعث له على هذا الرأي سواء اعتقده أو غلبت عليه المصلحة السياس فيه، فقد كانت الرقابة البرلمانية هي الشرط الذي اشترط الإنجليز عندما سلموا ببعض الحقوق الوطنية في سنة 1922، أي بعد تقرير كرومر بخمس عشرة سنة. فلم يتشاءموا بالحياة النيابية المصرية يومئذ كما تشاءموا بها قبل تلك الفترة، ولم يجهلوا ما فيها من الضمان أيا كان غرضهم المقصود من ذلك الضمان

ومضت بضع وعشرون سنة على حياة نيابية متقطعة، فلم بفض الأمر إلى الإفلاس في ثروة الحكومة أو ثروة الأمة، بل زادت موارد الحكومة ثلاث أضعاف، ونشأت للأمة موارد صناعية وتجارية لم تكن معروفة عند كتابة ذلك التقرير

وعزل لورد كرومر بعد كتابة هذا التقرير بأقل من عام واحد، فخلفه سير الدون غورست، وكتب عن الانتخابات المصرية التي حدثت في أول عهده فقال: (تمت الانتخابات لمجلس شورى القوانين والجمعية العمومية في آخر السنة الماضية. ولما كانت الميول قد اتجهت مؤخراً إلى إدخال شكل من أشكال الحكم النيابي إلى هذه البلاد، فيحسن بي أن أروي بالتمام ما يحدث في هذه الانتخابات)

وبعد أن أوجز القول عن قانون الانتخاب قال: (في القاهرة 134000 بالغ مصري، ولكن المقيدة أسماؤهم في السجلات منهم 34000، وقد بلغ عدد الذين اقترعوا من بين هؤلاء 500 فقط، أي 4 , 4 في المائة من الذين قيدوا أسماءهم في السجلات، و 1 , 1 من مجموع الذين لهم حق الاقتراع. وكان عدد المندوبين الذين اقترعوا في الانتخاب الثاني 12 فقط بدلا من 13 على عدد دوائر القاهرة لان الانتخاب لم يتم في إحدى الدوائر إذ لم يترشح أحد للانتخاب).

ومضى في إحصاءات كهذا الإحصاء للدلالة على قلة إقبال الشعب على الانتخاب ثم قال: (ولكن الحال تتبدل متى دخل الانتخاب في طوره الثاني واجتمع المندوبون لانتخاب أعضاء مجلس المديرية أو الجمعية العمومية أو مجلس الشورى حسبما تدعو الحال؛ فإن الاهتمام يشتد اشتداداً عظيماً وينصرف هم المرشحين إلى اكتساب أصوات الناخبين، وقل أن يتخلف أحد من المندوبين عن الحضور).

ثم قال: (فالأحوال التي تتم الانتخابات العمومية المصرية فيها تؤيد رأي الذين يرون أن هذه البلاد لا تزال بعيدة جداً عن بلوغ المنزلة التي يستطاع فيها إنشاء شيء من المجالس النيابية الحقيقية، وقد يتيسر تشكيل مظاهر حكومة كهذه، وإنما يستحيل ضمان تمثيل آراء أكثرية الأمة تمثيلاً صحيحاً فتكون النتيجة الوقوع في أيدي السياسيين الذين لا يهمهم سوى مصلحتهم فيسهل عليهم العبث بالنظام حتى يطابق أغراضهم).

ثم ختم هذا البحث بالكلمة التي تستحق الوقوف لديها كثيراً لأنها هي النتيجة المستخلصة من جميع هذه المقدمات إذ يقول: (لست أريد أن يحمل كلامي على رغبتي في الحط من فائدة هذين المجلسين في شكلهما الحالي أو المعارضة في ترقيتهما تدريجياً على نسبة قيامهما بتأدية ما أنيط بهما بالحكمة والعقل. فإن الاقتراحات التي يقترحها هذان المجلسان كانت تقع موقع الاعتبار لدى الحكومة دائماً، وقد تيسر في السنوات الأخيرة قبول كثير من اقتراحاتهما مما يدل على أنهما سالكان السبيل القويم. . .).

فالسير الدون غورست لم يكن مقصراً في تصوير عيوب الانتخاب، ولا كان عظيم الرغبة في الشهادة لمجلس الشورى أو الجمعية العمومية، ولكنه اعترف بالحقيقة التي هي خلاصة البحث في هذا الموضوع، وهي أن الهيئات النيابية تأتي بالفائدة التي لا يستغني عنها أيا كان نظام الانتخاب ومبلغ العناية بإعطاء الأصوات بين الناخبين.

ونحن نعلم من التجربة أن نظام الانتخاب ذو شأن في الحياة النيابية، ولكننا لا نبالغ في شأنه حتى نحسب إنه يغير تمثيل الأمة في مجالسها الدستورية.

فالطبقة التي يتألف منها مجلس النواب المصري هي هي بعينها كلما جرى الانتخاب على اختلاف القوانين من الدرجة الواحدة إلى الدرجتين ومن المندوبين الثلاثينيين إلى المندوبين الخمسينيين، وهي هي بعينها بالغاً ما بلغ عدد الناخبين في العواصم والأقاليم، لأن ألف ناخب يمثلون العناصر المصرية كما يمثلهم عشرة آلاف أو أكثر من عشر آلاف، إذ كان الاختلاف مقصوراً على العدد فلا يتجاوز ذلك إلى الاختلاف في تركيب البنية الاجتماعية أو تعدد المصالح الطائفية. فمائة ساكن من سكان المدن يمثلون آراء الشعب ويؤلفون عناصره كما يمثلهم أو يؤلف عناصرهم ألف أو ألفان، ومن أجل هذا لا يصح أن يقال أن قلة الناخبين تخرج للبلد مجلساً لا يمثل أكثرية الأمة كما قال السير الدون غورست في تقريره. فإن الألف تكرار (عددي) للمائة لا يترتب عليه تغيير في حقيقة المصالح ولا في حقيقة التكوين الاجتماعي ولا في حقيقة التربية السياسية. فلا سبيل إلى تمثيل اصدق من هذا التمثيل بزيادة العدد أو تعديل بعض الشروط.

أما إذا تبدل تكوين العناصر الاجتماعية في الأمة فيومئذ لا يغنى الألف عن عشرة الآلاف، ويومئذ يتحرك العشرة الآلاف جميعاً لإعطاء أصواتهم لان مصالحهم لا تمثلها مصالح ألف منهم أو ألفين، ويومئذ يتعلق الأمر بالبواعث النفسية التي تحفز الناخب إلى الاهتمام بإعطاء صوته لمن يرضاه، ولا يتعلق الأمر بالنصوص الحرفية أو بالكمية العددية، لأن النصوص الحرفية لا تخلق الاهتمام، ولا تخلق المصالح التي تبعث في النفوس ذلك الاهتمام.

نعم إن القوانين تحتاج إلى التعديل بين الحين والحين لرفع بعض القيود وتوسيع بعض الحقوق، وليس هذا الذي ننفيه وننكره لأنه بديهي واضح لا يقبل النفي والإنكار، ولكننا نريد أن نقول إن شأن النصوص والكميات العددية دون ذلك الشأن الضخم الذي يبالغ فيه بعض المعقبين على إحصاءات الانتخابات؛ لأن تغيير النصوص كما رأينا لم يغير (تركيبة) المجلس النيابي في مصر لا من حيث الطبقة ولا من حيث الكفاءة ولا من حيث المزايا الاجتماعية أو الخلقية، ولان عدد الناخبين يغنى فيه ألف كما يغنى فيه عشرة آلاف، إذا كان هؤلاء جميعا على تشابه في العناصر الاجتماعية والمصالح الطائفية، فيصح التمثيل القومي بالعدد القليل كما يصح بالعدد الكثير.

تلك هي عبرة المقابلة بين نظم النيابة في العهد الحاضر ونظم النيابة في عهد الاحتلال.

أما حركة الاستقلال فقد كان لورد كرومر حريصاً على تقرير الواقع في وصفها حين قال: (. . . إذا قلنا أن الحركة الوطنية المصرية الحالية ليست إلا حركة نحو الجامعة الإسلامية لم يطابق قولنا الواقع من كل وجه) ولعله لم يخالف الواقع كثيراً حين وصف تلك الحركة في أيامه فقال إنها مصبوغة صبغاً شديداً بصبغة الجامعة الإسلامية) ثم عاد فقال: (وإني على الرغم من جميع الظواهر لا أزال غير مقتنع بأن الميل إلى الجامعة الإسلامية متأصل كثيراً في الهيئة الاجتماعية المصرية. بل إني واثق إنه لو كان المصريون يعتقدون إمكان إخراج الآراء المتعلقة بتلك الجامعة من القوة إلى الفعل لانقلب الرأي العام عليها انقلاباً عظيماً سريعاً. . .).

هذه التفرقة بين حركة الاستقلال وحركة الجامعة الإسلامية هي نظرة مشكورة من سياسي إنجليزي لا يرضيه إعلان الحقيقة في هذا الموضوع على التخصيص، ولكننا على يقين أن الجيل الذي انقضى بعد كتابة التقرير الكرومري قد فصل في هذه المسألة فصلاً لا يجوز اللبس فيه. لأنه قد ابرز حب الاستقلال الوطني بمعزل عن العصبية الدينية. فلا يقال أن المصري يقبل الحكم الأجنبي من أبناء هذا الدين ويرفضه من أبناء ذلك الدين وإنما يطلب الاستقلال لأنه يؤمن بأن مصر للمصريين، أيا كانت عقائد هؤلاء المصريين.

عباس محمود العقاد


مجلة الرسالة - العدد 683
بتاريخ: 05 - 08 - 1946

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى