نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

جورج سلوم - انتظار

نشر: جورج سلوم · ‏19/5/18 ·
  1. - هل تعرف كم تنتظر يومياً على بابِ الفرن؟

    - لم أحسب الوقت ... أصبحت عادةْ

    - طيّب... هل جمعتَ ولو مرّة السّاعات التي تصرفها على باب الجمعية الاستهلاكية أو ضمن طوابير الانتظار للحصول على المواد المقنّنة ؟

    - مثلي مثل بقية الخلقْ.

    - ولو أضفتَ إلى ما سبق انتظارك على موقف الباص.. وانتظارك على باب معتمد الرواتب ... وانتظارك على باب بيتك ريثما تفتح لك زوجتك القرفانة وأنت تحمل أكياس الخضار... وانتظارك للطبيخ الذي لن ينضج أبداً... وانتظارك المقلق في الفراش حتى يزورك ملاك النوم ... وانتظارك في المرحاض حتى يرتاحَ ضميرك الذي فاحتْ منه رائحة البراز ...

    - ماالغريب في ذلك ..؟ حياتنا كلّها انتظار.. وقد قيل (املأ دقائق الانتظار بالاستغفار )

    - وماذا يقول من طال انتظاره وضاق صبره وانهارت أعصابه فحرق لفافات التبغ وتاه بين المخدّر والمسكر .؟

    - اتّقِ الله يا رجل

    - رجل ؟! حتى الرجولة والفحولة أصبحتُ أنتظرها ساعاتٍ ريثما تأخذ (الفياغرا) مفعولها



    تلك كانت بداية الحديث فقط بين شخصين

    يسترسلان ويستطردان ويتوقفان عند الزوايا الحادة .. كالسياسة والجنس وأحياناً الدين ..فالجدران لها آذان

    والنرد بينهما يُرمى على عجل .. مكعّبٌ بستة وجوه فقط لا سابع لها .. لذا تكون الاحتمالات محدودة .. ولو كان النرد مثمّناً لكان بعشرة وجوه .. ولو أصبح كرة لأصبحت الاحتمالات غير محدودة

    ويدور النرد الكروي ويدور .. وينتظران وتكون النتائج غير محسوبة والزمن مفتوحاً


    لا أسماء لهما .. لذا سنسمّيهما الأول والثاني فالأول يشدّ والثاني يرخي .. والأول يربط العقد ويعقّدها والثاني يحلحلها ولا يفكّها.. ولا جديد


    وقال الثاني :

    - لقد أخذ اليأسُ منك مأخذاً.. وقد قيل ( ما أضيق العيش لولا فسحةُ الأمل )

    - الأمل ؟! لقد انطفأت شمعته وغابت جذوته فلا أراه ولا يراني ... حياتي مسلسلٌ من الفشل والتعثر والسقوط

    - يرحمك الله ... أنت بحاجة إلى الصلاة والصوم .

    - أما الصلاة فقد نسيتها .. وأما الصوم فأنا صوّام عن السعادة والراحة والسكينة والنوم ... والحبّْ... ولا أدري متى سيحين موعد إفطاري...

    وفي رمضان .. أنتظر مدفع الإفطار وأنا على طاولة السحور .. فأرى يوم الصيام طويلاً

    وأنتظر الهلال القادم بدءاً من الهلال الحالي .. فأرى رمضان ثقيلاً

    لست مستعجلاً في أمري .. لكن أعياني الانتظار ولم تعد لي قدرة على الاستصبار

    - حرامٌ عليك يأخي ... اذكر نعمة الله عليك واستغفر ربك كي يهديك .... أخاف أن تقتل نفسك بهذا القنوط

    - أحسنت... أقتلُ نفسي ... وأضعُ حدّا لهذه الحياة التي تنتظر الموت أيضاً منذ خمسين عاماً.

    - هل .. هل ستنتحر؟!

    - لا .. لن أنتحر .. قلْ سأتحرّر .. سأحرّر روحي من قمقمها .. من جسدي الذي كبّلها في عذاب الحياة .. لن أنتظر أكثر .. شبعت انتظارات لما هو آت



    وكانت النرجيلة تقرقر .. ولا تقرّر فلا قرار لفقاعاتها العائمة .. لذا تتصاعد دخاناً محترقاً .. يسمونه معسلاً لو أكلته لكنه مُعلقَمٌ لو استنشقته

    والشاي العربية ثقيلة بلونها وسكرها حتى على الكأس.. فتصبغها بظلال ألوان الخمرة الممنوعة ظاهرياً فقط


    وقال الأول :

    - أنا أكثر جبناً من كل المنتحرين وكلهم جبناء لأنهم يهربون .. لذا أفضّل الموت انتظاراً .. وأغني (أنا في انتظارك )

    جبني ناجم من تمسّكي بالحياة من تلابيبها

    أنا فقط أنتظر ..

    أنتظر زوال ضعفي .. فأصبح أشجع وأكثر إقداماً

    وأنتظر زوال خجلي عسى أن ألقي التحية على المارين بي ولو مرة .. ولا أنتظر أن يبادروا هم .. فإن تجاهلوني .. ندبت كالندّابة ونحت كالنوّاحة



    هجرت زراعة حقلي لأني لن أتحمّل انتظار البذور كي تنتش .. والأوراق كي تخضرّ ..والأزهار .. ثم الأثمار

    كله انتظار في انتظار

    خريفي القادم يلوح في أفق خريفي الحالي

    الحمد لله أنني لست دجاجة .. لن أتحمّل حَضن البيض كي يفقس .. قد أنقره وأنتهي من همه .. ولن أنتظر

    وتساءل الثاني :

    -وماذا عن عملك ؟

    -أنتظر أن يموت مديري في العمل أو يتقاعد .. فيتحسن مركزي الوظيفي

    وأنتظر أن تموت زوجتي فأرث نصف فدان من الأرض الزراعية

    وأنتظر الصباح .. كي أرى الشمس

    وأنتظر المساء .. كي أرتاح


    أحسّ الثاني بتخبّط أفكار صديقه .. فضرب كفاً بكف .. وهز رأسه حائراً :

    - وأنا أنتظر مستعجلاً صبيَّ المقهى أن يأتي .. أدفعُ ما عليّ وأنتهي من مسلسل انتظاراتك


    وتابع الأول :

    - تخيّل ذلك .. انتظرت البارحة ساعة ونصف في مباراة مملة .. ولم يأتي الهدف .. ويريدوننا أن ننتظر سنة كاملة لنعرف نتيجة الدوري الكروي .. ويركض اللاعبون كالمجانين .. ويتراكضون .. وتلحقهم جماهيرهم سنة بأكملها .. وكلهم ينتظرون من سيكون بطل الدوري

    - ذلك ضروري .. أن تكتمل المباريات والتصفيات .. لمعرفة البطل.. هنا يكون الانتظار متعة .. لماذا تستغرب الأمر ؟.. وهل تعرف البطل مسبقاً ؟

    -البطل معروف .. إنه أحد الفرق المشاركة بالدوري .. فلم الانتظار ؟

    إنه تحصيل حاصل ..

    لن أنتظر نتائج اليانصيب للأسبوع المقبل .. فسعيد الحظ معروف .. لست أنا .. لذا لم أشترك بالسحب

    لن أنتظر نتائج الانتخابات الرئاسية ست سنوات قادمة .. فالفائز معروف سلفاً .. ليس مرشحي .. ولذلك لن أنتخب أحداً

    لن أنتظر علاوة على راتبي في الجدول الشهري .. لأن اسمي سيسقط من القائمة في اللحظة الأخيرة

    لن أنتظر الصفعة على خدّي الأيسر .. لقد تلقيتها على الأيمن لتوّي وها أنا أدير لهم الثاني فوراً ..

    اصفعوني على الخدين معاً بيديكم الاثنتين .. تعبت من الاستدارة نحو الصفعة القادمة

    أتعرف ماهو الانتظار الأطول في الحياة ؟

    ليس انتظار الجنين في رحم أمه .. ليخرج إلى الحياة .. هو انتظارٌ صعبٌ فعلاً وصعوبته متأتية من مفاجآته وعواقبه .. فقد يلد في عائلة تحتضنه مرحّبة به .. وقد يرمونه في القمامة أو على باب المسجد فيعيش لقيطاً .. الجنين ينتظر شهقة الحياة ومفاجآتها ولا حول له ولا قوة .. تسعة أشهر لابدَّ منها

    ثم ينتظر ثمانين حولاً .. ويسأم تكاليف الحياة .. لا أبا لك .. كما قال الشاعر الذي نسيت اسمه قصداً

    - نعم .. نعم ذلك معروف .. فما هو الانتظار الأطول ؟.. أتحِفني به قبل أن أذهب فزوجتي تنتظرني في البيت

    - الانتظار الأطول هو الموت رجماً بالحجارة بعد أن صدر الحكم الشرعي بذلك .. يأخذون المرجومة الذي سيتم رجمها (ولا أقول الرجيمة فهي تذكرني بإبليس).. يسوقونها إلى دائرة الرجم .. لا يقيدونها .. انتبه ولو قيدوها لكان أفضل فيقل انتظارها .. يضعونها في مركز الدائرة وطبعاً ستضع يديها العاريتين على رأسها .. وتغمض عينيها منتظرة الحجر الأول .. وغالباً يأتيها من الخلف فالراجم الأول يخجل من عينيها .. ثم تنهال الحجارة مؤلمة غير قاتلة .. لأن المرجومة تتكوّر على نفسها حتى يصبح رأسها بين قدميها .. وتنتظر

    ويمل الراجمون الوقت الطويل فيضيّقون الدائرة عليها.. والحجارة ترتطم بظهرها المقوس وكتفيها .. والألم النفسي هنا أكبر من الجسدي .. وتنتظر الحجر القاتل على رأسها .. فيتأخر وتصبح بين كومة من الحجارة ولا تموت ..

    وعندها تملّ الانتظار القاتل فتقف شامخة متحدّية .. وترفع رأسها وتكشف وجهها وتفتح عينيها للشمس .. منتظرة حجراً رحيماً يشجّ رأسها وينتهي الأمر .. ولا يأتي.. فتسقط على وجهها منكبة على الأحجار .. ترجم نفسها بنفسها إذ ملت الانتظار

    وبعدها تضيق الدائرة .. ويصبح الراجمون أكثر جرأة .. ويأتي الحجر القاتل الثقيل الذي يسقطونه على رأسها من الخلف سقوطاً حراً.. على أرضية اكتست بالدماء (غير الطاهرة على ما يزعمون )

    وخرج الثاني مستعجلاً وكان يقول .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. وكانت نهاية القصة بداية للفاتحة مروراً بالبسملة

    جورج سلوم

    *************

    عن الكاتب

    مواليد1965
    طبيب مختص بالجراحة العامة وجراحة الأوعية
    كتاب منشور (أحضان فارغة)..عن دار نينوى
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..