أحمد الشريف الطريبق - درس في السينما … السينما ولحظة التساؤل عن اللغة والواقع 2/1

هناك رغبة في حكي متحرر من الدراما ومن السرد الروائي، ولا يتقيد بأي نص ما أو ينطلق في أقصى الحالات من تصور أكثر من سيناريو محكم، عمل يلتقط الأشياء في طراوتها وعفويتها وآنيتها، وأن تتقاطع ارتجالية المادة المصورة والسرد السينمائي، وأن يوجد الفيلم لذاته بدون مبررات اجتماعية آنية. ربما فيلم يشبه المسار الذي اتبعه ديزيكا فرتوف لتصوير فيلمه الشهير «رجل الكاميرا»’. حكي أو تأمل سينمائي ينطلق من السينما، وينتهي عندها في نهاية السفر، السينما من حيث أنها تتأسس على كاميرا تسجل واقعا وتحوله بفعل هذا التسجيل إلى واقع متخيل، مفترض. المحاكاة المطلقة مستحيلة، لأن الواقع لا يوجد بشكل موضوعي صرف. إنه حصيلة الرؤى الشخصية، وبالتالي اللغة، كيفما كان نمطها لا توجد فقط كوسيط، ولكن هي في حد ذاتها وسيلة لإنتاج الواقع. نقل واقع بوسيط ما يتم تحويره وفق وجهة نظر ما، أكان ذلك عن قصد أم لا، وليتحول بعد ذلك إلى شيء آخر إلى مادة ذهنية متخيلة تذهب بخيالنا.


كانت العودة إلى الأدب الكلاسيكي الغربي، خصوصا للقرن التاسع عشر ومتابعة كتابات نقاد الموجة الجديدة بفرنسا من خلال مجلة “دفاتر السينما”، هي ما مكنني من الانفتاح على السياق الثقافي الأوربي في الستينات إلى الثمانينات، وحفزني إلى إعادة النظر في بعض المسلمات، والأحكام المسبقة، وبداية تكوين ثقافي شخصي بنوع من الجدية، والصرامة بعيدا عن ضوضاء الشعارات والرومانسية الثورية. اكتشفت بباسطة وأنا أختلي بنفسي، وأنا أقيم مسافة مع هذه المرحلة، وهذا السياق الثقافي الذي تكونت فيه، والذي كان يعيش لحظاته الأخيرة لأن الأزمنة كانت قيد التغير، أن هناك مجموعة من الكتب الأساسية للتكوين الشخصي يجب الاطلاع عليها وعدم الاكتفاء بالإشارات التي تقيمها بعض المقالات إليها، والتي تعطيك مع الوقت الإحساس بأنك قرأتها، أو تعفيك من الاطلاع عليها، منها أعمال من المفروض أن يكون الواحد منا قد قرأها في سن مبكرة إن كان هناك توجيه وانتشار لثقافة القراءة. وكان علي أن اقتنع بحدود الثقافة الشفهية المتداولة في التجمعات الثقافية في شكل تدخلات ونقاشات ودردشات المقاهي الطويلة، وأن ألتزم ببرنامج صارم. الحقيقة أنه من بين الأشياء التي شكلت وعيي بضرورة وجود مرجعية ثقافية هو قراءة حوارات صحافية مع مخرجين حيث كنت أصطدم بهم عوض الحديث عن الجانب التقني الذي كان يستهويني، أفاجأ بهم يتحدثون عن أعمال أدبية ولوحات فنية لكبار الرسامين، ويتحدثون عن مثلا كيف استلهم الواحد بنية سنفونية ما، أو كيف استلهم أجواء عمل أدبي في هيكلة بناء العمل الذي يتحدث عنه، أو ببساطة وهو يتحدث عن مرحلة التكوين والدافع إلى اختيار السينما كنمط تعبير، وكيفية تشكل الوعي بهذا الاختيار.
كانت أول فكرة أكونها بمسافة نقدية، ولو أنها كانت مازالت في مستوى الشعار، ولم تتجاوزه بعد، هي أن تقديمية العمل السينمائي، والفني بشكل عام وحداثته، لا يجب أن تبقى مرتبطة بمضمون الحكاية فقط، وبما تنطق به الشخصيات، وأنها يجب أن تتبلور من البناء الداخلي للعمل ككل؛ فمثلا لا يكفي تغيير البطل بالعامل، والشرير برب العمل المالك لوسائل الإنتاج، ليصبح الفيلم تقدميا، ولأن ترسبات الفكر البورجوازي تشتغل من داخل البناء الداخلي للعمل أو ربما هي التي أوجدته، وبالتالي يجب أن نتبنى وندافع على سينما أخرى تكون ثورية من داخل آليات السرد، سينما تعيد النظر في منطلقات وآليات كتابة السينما كما هي سائدة، وبالتالي قبل تبني الشعار ينبغي الثورة على السينما السائدة. يجب معرفة هذه اللغة من الداخل وليس الاكتفاء بأحكام مسبقة وأفكار جاهزة.
بدأت من داخل المشاهدة وقراءة ما يكتب عن الأفلام، وحورات مع صانعيها أتعرف بشكل تدريجي على بعض آليات اشتغال وتركيب الحكاية وبناء العمل، لتكون هذه أول خطوة لمعرفة كيفية تمرير الأفكار والمشاعر عبر اختيار مجموعة من التدابير التقنية والفنية، وخلق إحساس معين عند المتلقي، وكيف يمكن إعادة تركيب الواقع وعفوية الحياة عن طريق التسجيل بالصوت، الشيء الذي يتطلب منك خيالا بثلاث أبعاد، لأنك مطالب سينمائيا أن تتعامل مع الموقف باحتمال كل زوايا النظر؛ ذلك أننا، مثلا، في المسرح نملأ الخشبة ونتحرك فوقها بمنطق زاوية نظر متفرج لا يغير مكانه. أما السينما فتفرض تعدد زوايا النظر، وبالتالي تصبح المسألة أصعب مع العلم أن كل زاوية نظر من المفروض بشكل عادل أن تكون بنفس درجة التعبير والتكوين التشكيلي والتناسق، وأن تخلق شبكة من علاقات تجعل منها في النهاية متتالية سردية سينمائية.
بدا الأمر في البداية شبه مستحيل، مما اضطرني لتجاوز هذا الإشكال بالعودة أولا إلى مشاهد الأفلام وإعادة مشاهدتها، والعودة لدروس التربية التشكيلية لاستعادة تقنيات الرسم، لرسم اللقطات، ثم المرور إلى إنجاز تقطيع فني لمشاهد أفلام متخيلة أو أفلام شاهدتها وأثارت إعجابي من أجل التعلم وتثبيت بعض التقنيات وحفظها. حاولت بشكل عام تحرير قاموس شخصي أضع احتمالات الانتقال من لقطة إلى أخرى مع الروابط المستعملة (raccord)، بالموازاة مع كتابة السيناريو لأفلام قصيرة كنت أستوحيها من قراءاتي، أو من بعض المشاهد التي تثيرني في الأفلام التي شاهدتها وفي بعض الحالات من الواقع اليومي. مع العلم أن خيالي في هذه المرحلة أي مرحلة التعلم الذاتي، كان يعاني من انفصال بين الروائي ومحاولات التقطيع التي كنت أقوم بها. كان على الأشياء أن توجد في ترتيب وفق منطق معين، أي أن المشاهد التي كنت أرسمها لقطة لقطة كانت منفصلة عن ما كنت أحاول أن أكتبه كتمارين لسيناريوهات، بل كانت في الحقيقة تمارين لمعرفة صياغة الجملة السينمائية ومعرفة كل احتمالات زوايا التقاط اللقطة والربط بينها في مشهد ما، حيث أصبح الإبداع السينمائي عندي مرتبطا بأكبر عدد من اللقطات المستعملة داخل الفيلم وتعدد حركات الكاميرا، إننا هنا في مرحلة الانبهار والدهشة.
كانت المقولات الكبرى للموجة الجديد مغرية براديكاليتها، حيث تأتي كإجابة عن الأسئلة الذي كنا نطرحها فيما سلف، وفيها نوع من الانتقام الرمزي لوضعنا كفقراء، كما تفتح آفاق الولوج لعالم السينما، أي تجعل الحلم ممكنا، وتأتي كرد فعل لرغبتنا في التمرد على الأنماط التعبيرية البورجوازية السائدة، لكنني عندما أتيحت لي فرصة مشاهدة الأفلام بهدوء وعدم الاكتفاء بالقراءة عنها فقط، اكتشفت أنه رغم مناهضة هذه المدرسة لمجموعة من السينمات التي اعتبرتها ذات أسلوب أكاديمي استنفد ذاته، وخصوصا السينما الفرنسية لما بعد الحرب، والتي تخلفت عن زمانها، جاءت الأفلام الأولى للموجة الجديدة الفرنسية خصوصا «400 ضربة’’ و’’جول وتجيم’’ لفرانسوا تريفو و’’حالة انقطاع النفس’’ لجون لوك كودار متحررة على جميع المستويات من حيث الكتابة والإنتاج والكتابة الفيلمية، ولكن في نفس الآن محكمة البناء رغم أنها لا تبدو للوهلة الأولى كذلك.
بالإضافة إلى الأفلام التي قام بإخراجها جيل الموجة الجديدة، فإن هذه المدرسة السينمائية تدفعك أفلامها وكتاباتها إلى العودة إلى السينما، وخصوصا الكلاسيكية الأمريكية، لتعيد مشاهدتها بعين أخرى ولإعادة اكتشافها، وأن لا أن تتوقف عند إنجازات الأبطال وما تنطق به، ولكن هذه المرة للوقوف عند ذكاء مخرجيها وكيفية تحايلهم على مدراء الاستوديوهات وكيف يمررون مواقفهم رغم تشدد الرقابة للمنتجين، خصوصا على القيم التي يروج لها الفيلم، وأيضا كيف أنه في إطار أقوى سينمائيات في العالم استطاع نوع من المخرجين رسم ملامح أسلوب شخصي هيأ الأرضية لمشروع سينما المؤلف.
إن الموجة الجديدة الفرنسية باعتبارها مرحلة متقدمة من تاريخ السينما، وقفزة نوعية تقترح فرجة سينمائية تمزج بين متعة الفيلم كأجواء وشخصيات وعوالم، وأيضا كفيلم يحمل في طياته مجموعة من الإشارات المشفرة لتاريخ السينما، أي فيلم يتساءل عن وضعه داخل تاريخ السينما، ولا يقدم نفسه كواقع ولكن كفيلم وليس شيئا آخر. من هنا تأخذ الموجة الجديدة الفرنسية بالنسبة لي بعدا بيداغوجيا .
بعد سنين من اكتشاف الموجة الجديدة ومحاولة مشاهدة كل أفلامها، ظهرت السينما الإيرانية بعنوان عريض اسمه عباس كياروستامي كاستمرارية لمشروع الموجة الجديدة، ولعمل مخرجين مخضرمين، كل واحد منهم مدرسة بحد ذاته، كروبير بريسون وأوزو وجاك تاتي.
جاءت هذه السينما لتطهر الفيلم وتجعل الحكاية بسيطة ولا تحتفظ إلا بخط درامي بسيط، لا تغلفه أي مؤثرات، ومطهرة بشكل شديد وأسلوب لا يمكن الفصل فيه بين السيناريو والإخراج، أي فكرة مشروع فيلم يوجد كتصور يمكن أن تتبلور منه الفيلم بدون الفصل بين مرحلة السيناريو والإخراج.
عند هذه النقطة بدأ وعي شخصي يتبلور حول ماهية السينما، وكيف أن عليها أن تنبع من وجهة نظر شخصية، وتُشكل ذوقا سينمائيا لا يرتبط بكل ما نجح وحصل على جوائز مهرجانات خمسة نجوم، ولكن يختار الأفلام بخط تحريري واضح. إننا الآن نقطع مع مرحلة الانبهار. الأمر لم يكن سهلا، لأنك يجب أن تتخلى عن ربما ما كان سببا في التورط في هذا العشق للسينما، وذهنيا يتطلب ذلك مجهودا كبيرا وتضحية كانت ستتطلب سنين لكي تصبح أمرا بديهيا، وتتحول إلى سلوك عفوي وفي نفس الآن واع. هي تضحية، ولكن ليست مطلقة، لأن في هذه السينما ما يبهر وما يجعلها تدفعك إلى إعادة النظر في المنظومة التي ينطلق منها عادة لاتفكير في السينما.
ربما ذكرني عباس كياروستامي كثيرا بمخرج من الموجة الجديدة لا نتحدث عنه كثيرا أو من المفروض أن أحيل عليه كثيرا، لأنني كنت في هذه الفترة متأثرا بأفلامه وكتاباته، ويتعلق الأمر بإيريك رومير، مخرج سلسلة أفلام ‘’قصص وعبر» و ‘’ركبة كلير’’ و»بولين في الشاطئ’’ ورباعية «قصص الفصول الأربعة’’ من حيث بساطة التقطيع والتقشف الحكائي.
بالموازاة مع هذا السيرة الثقافية، كانت هناك الحياة في صيغتها اليومية. علاقات حب من طرف واحد، أو علاقات حب فشلت، أو لم تعمر طويلا. صداقات كانت تحمل في طياتها الحلم، لكنها توقفت في نصف الطريق، وأخرى استمرت رغم العواصف وتغير اتجاه الرياح، كان هناك الحلم، والوهم، والفشل، وأحلام اليقظة، والانتظار، والفقدان والرسائل، والتورط في علاقات تجعلك تتعرف جيدا على الذات الإنسانية. كان هناك اللقاء مع الناس. فمعهم يأتي تعلم الحياة، وولادة الأفكار، وآلاف المشاريع التي لم تكتمل، أو لم تسمح لها الظروف بالخروج إلى الوجود، وآمال خابت، وأسئلة معلقة تتطلب سنين كثيرة للإجابة عنها، وننتهي بالتخلي عنها في وسط الطريق، بمنطق كم من أشياء قضيناها بتركها. كان هناك الموسم الجماعي للهجرة إلى اسبانيا وتحول المدينة في وهلة إلى مدينة أشباح، لأن كل الذي ارتبطنا بهم غادروا، الواحد تلو الآخر، ومن بقي منهم كان يحبس نفسه في قاعة الإركاب، يعيش في اللامكان، وحدثت حرب الخليج، ووقع احتراف الخروج إلى الشارع للتظاهر، وتم توقيع معاهدة أسلو، وانهيار سور برلين، والانتقال الديمقراطي في المغرب في شكل تناوب لم يكتب له أن يكون كذلك، في النهاية، عناك طبقات دقيقة من التجربة الإنسانية، تجعل فعل الحكي المفترض غير بريء، وتوفر إمكانية النظر إلى الواقع بهذا الإحساس، ومادة وافرة من القصص الإنسانية، ليست كلها صالحة للحكي، ربما كانت تحتاج إلى إبداع بنية ما، لجعل عملية الانتقاء والتكثيف ممكنة.
أعتقد، من خلال ملاحظتي للمشهد الثقافي المغربي، أن الإبداع بكل أشكاله عانى من نوعين من الرقابة والتوجيه الذي جعلنا نتأخر قليلا. وهنا لا أتحدث عن الرقابة في شكلها الرسمي، ولكن تلك الرقابة التي تتبلور في شكل رأي عام يتسرب إلى الداخل ويتحول إلى رقابة ذاتية. من جانب كانت هناك رقابة سياسية تفرض على العمل أن يوجد بمضامين معينة، وأن يتموقع من الصراع الطبقي ويشكل فقط نوعا من الدعاية للقضية أي أن يكون واقعيا اشتراكيا. ومن جهة أخرى، هناك النقد الأكاديمي الذي يجد مبررا للإبداع في كونه تطبيقا لكل المنهاج الأدبية الحديثة. كل هذا جعل الابداع يفقد جزءا من عفويته وطراوته وجعله مبرمجا شكلا ومضمونا.
في نظري الشخصي المتواضع، هناك أعمال لروائيين كبار مغاربة عندما تعود إليها بمسافة، بعيدا عن التنويم المغناطيسي الذي يحدثه لك ما يكتب عنها، تجدها لا تتجاوز تمارين أسلوبية لنظريات أدبية. بالمقابل هناك القصة الخطية أو العمل الروائي بمقومات الكتابة الروائية التي تحرك في القارئ المشاعر، وتخاطب الذكريات، وتصبح مع الوقت جزءا منها، حاملة لمعنى قدحي بمنطق تلك الكتابات التنظيرية التي رسختها المناهج البنيوية السائدة آنذاك. مقابل ذلك، هناك أعمال كان الأصدقاء يتحدثون لك عنها بانبهار مبالغ فيه ولن تتأخر عندما تلح في معرفة تفوق هذا العمل، فيجيبك الصديق والابتسامة تعلو محياه وكأن ما سيقوله يفوق البداهة، لأن الكاتب كسر الزمن الكرونولوجي، وتضيف: وبعد؟ يجيب أن السارد في لحظة معينة توجه للقارئ لينعته بالقارئ الجاهل، وبعد؟ لأن العمل يحقق الحداثة، وكأن هذا التصنيف بحد ذاته كاف لأن يعطي للعمل قيمته. وعندما تعود للعمل، تكتشف أنه خارج معادلات شكلية رياضية، لا تجد فيه ما يشبه الحياة، شيء يمكن أن تتعلق به خارج الإبهار النظري وبعض التنويعات الشكلية التي كانت ثورية فقط في لحظتها، ولم تنجح في أن تصبح قاعدة، ومقاربات شكلية كانت نتيجة الرقابة التي تفرضها أنظمة المعسكر الشرقي على الأدب، مما اضطرهم إلى التركيز على الشكل لتجاوز المنع. حتى في الغرب الذي له مشروعية الحديث عن الحداثة وما بعدها نظرا لتطور الذي يعرفه المجتمع في جميع مجالات الحياة، ما زال الأدب يخاطب ويتناول المشاعر الانسانية وينبني على تقاسم القارئ والمؤلف لتجربة إنسانية ما. وحتى عندما يتعلق الأمر بالانزياح عن الأشكال المتعارف عليها، فإن ذلك يكون مبررا من داخل الحكاية، ودون أن يكون مفروضا من طرف السارد، بنفس المستوى الذي يكتب به كاتب ‘’أخلاقي’’ عملا، لا يعطي لشخصيات أية استقلالية وينطلق من حكم مسبق عليها.
سأكتشف فيما بعد أن ما كنا نعتبره عملا بسيطا ومتجاوزا، هو ممتنع وليس بالشكل الذي نتخيله، خصوصا وأننا نتواجد في نمط إنتاج سينمائي يغيب فيه المنتج الحقيقي ويغيب كاتب السيناريو، ويصبح المخرج مضطرا أن يرتجل ذاته ككاتب سيناريو… والحقيقة أن الكتابة بعكس ما تعتقد العامة هي الأكثر إرهاقا، وهي التي تأخذ وقتا أطول، وأنا لا أتكلم هنا عن العباقرة الذين يكتبون أفلامهم في أسبوع لأنهم يمثلون حالات خاصة جدا، ولا تشكل القاعدة، والدليل أنها أفلام لا يتجاوز عمرها أسبوعا، كما في الحياة هناك الحب وهناك العلاقات العابرة.
عندما نتحدث عن الكتابة لا نعني هنا التحرير، ولكن الكتابة في مفهومها العام، حيث يفرض العمل علينا أن نتورط في تجارب وعلاقات إنسانية، أن نقوم بالبحث، أن نسافر داخل الذات وفي المكان. المهم هو أن تجعل جزءا من عيشك ينحو كله نحو نقطة الهروب التي هي عمل ما، أما التحرير، فهو كما يقول أحد الكتاب الفرنسيين: لقد انتهيت من النص الذي أريد أن أكتبه، ما علي إلا أن أكتبه.
ومع ذلك، كانت، ومازالت، هناك رغبة في حكي متحرر من الدراما ومن السرد الروائي، ولا يتقيد بأي نص ما أو ينطلق في أقصى الحالات من تصور أكثر من سيناريو محكم، عمل يلتقط الأشياء في طراوتها وعفويتها وآنيتها، وأن تتقاطع ارتجالية المادة المصورة والسرد السينمائي، وأن يوجد الفيلم لذاته بدون مبررات اجتماعية آنية. ربما فيلم يشبه المسار الذي اتبعه ديزيكا فرتوف لتصوير فيلمه الشهير ‘’رجل الكاميرا’’. حكي أو تأمل سينمائي ينطلق من السينما، وينتهي عندها في نهاية السفر، السينما من حيث أنها تتأسس على كاميرا تسجل واقعا وتحوله بفعل هذا التسجيل إلى واقع متخيل، مفترض. المحاكاة المطلقة مستحيلة، لأن الواقع لا يوجد بشكل موضوعي صرف. إنه حصيلة الرؤى الشخصية، وبالتالي اللغة، كيفما كان نمطها لا توجد فقط كوسيط، ولكن هي في حد ذاتها وسيلة لإنتاج الواقع. نقل واقع بوسيط ما يتم تحويره وفق وجهة نظر ما، أكان ذلك عن قصد أم لا، وليتحول بعد ذلك إلى شيء آخر إلى مادة ذهنية متخيلة تذهب بخيالنا.
في مرحلة الانبهار، كان الارتباط بالسينما أولا ارتباطا بالكاميرا كجهاز في حد ذاته، وبالشريط السينمائي الذي كنت أذهب إلى المدخل الثانوي لسينما إسبانيا لجمع قطع من ذلك الشريط، للاحتفاظ بها، والتسلي بتسليطها على الحائط باستعمال مصباح صغير، والارتباط كذلك بالبروجكتورات (الكشافات) التي كنت وما أزال أعشق شكلها، وبالميكروفون وآلات التسجيل (الناكرا)، والشريط السينمائي، ولم يكن في البال كل ذلك المجهود الفكري الذي يهيئ لاستعمال هذه المعدات، وأنها لا تستعمل لذاتها، ولكن لغاية التعبير عن أفكار، وأحاسيس، ومشاعر.
جاء التورط بشكل تدريجي، إلى أن تحولت الكاميرا، وكل الأجهزة التقنية الأخرى من أجهزة لا توجد لذاتها ولكنها وسائل للحكي، وأن مرحلة التصوير هي مرحلة الكتابة وتتطلب نوعا من التركيز، والقدرة على الإبداع وسط جيش من التقنيين والممثلين والمشاهدين، وأنت تتخلص من فكرة أنك كمخرج موضوع الفرجة والإبهار بغض النظر عن ما تصوره.
يجب الإشارة هنا إلى كوني أعيش في مدينة صغيرة لم يسبق لها أن عرفت إلا كاميرا النشرة الجهوية، وبالتالي كان حدث تصوير فيلم، في بداياتي، حدثا استثنائيا بكل المقاييس، وكان يُنظر إلي بغض النظر عن قيمة العمل، كبطل رغم أن سلوكياتي وتصرفاتي كانت تمشي عكس هذا الاتجاه وترفض هذه البطولة.
المهم أن هذه النظرة كانت تخرجني من العمل الذي أقوم به، وتتطلب مني مجهودا إضافيا لإقامة مسافة مع هذه النظرة، والتركيز على العمل لا لأني كنت أتوفر على وعي حاد منذ البداية، ولكن فقط لأنني كنت أعي أن لحظة التتويج الحقيقية بالنسبة للمخرج، ليست لحظة التصوير ولكن لحظة عرض العمل، أي اللحظة التي يلتقي فيها العمل بجمهوره. فالعالم يحتفل بالذكرى المئوية للسينما بتاريخ العرض الأول، وليس بتاريخ تصوير «خروج العمال من المعمل».
أضف إلى ذلك بعض الربورتاجات التي كنت أشاهدها عن كواليس تصوير بعض الأفلام المغربية النادرة التي كان أصحابها يبالغون في أداء دور المخرج أمام كاميرا التلفزيون، الشيء الذي كان يخلق عندي انتظارا كبيرا وتشوقا لمشاهدة الفيلم.
حينما كانت تتاح لي فرصة مشاهدة العمل، كنت أصاب بخيبة أمل. وربما هذا من بين الأشياء التي جعلتني أقيم مسافة مع كل ما يمكن أن يكون إكسسوار وسلوكا اجتماعيا، فاخترت سرية الكتابة.
لقد شكل ومازال ما كان ينتج في بلدنا من سينما، وسمعي بصري بشكل عام في هذه الفترة محددا في تشكل هذه الرؤية رغم ما كان وما زال يعاب عليه من ضعف المستوى وعدم رقيه إلى المستوى المطلوب ( أعتقد أن هذا الخطاب رغم جديته قد استنفد نفسه، ومن المفرض أن تتبلور رؤية جديدة لهذا الانتاج).
فبغض النظر عن الانتقادات، لا ينكر الواحد أننا كنا نقبل على الانتاج الوطني بحماس يفوق الإقبال على تحفة سينمائية عالمية، بعيدا عن الحكاية وأسلوب الإخراج، يصبح زمن العرض زمن الانبهار باكتشاف والتمتع بمشاهدة أشياء، وتفاصيل من واقعنا وصورنا ومشاهدة أشخاص يشبهوننا، وليس هذا بالقليل في تاريخ شعب. وأظن أنه من المداخل الأساسية للانتماء فعليا للحاضر والجغرافية.
رغم اطلاعنا على السينما العالمية، كنا في علاقتنا بالفيلم المغربي نعيش طفولة السينما. يعود بنا الفيلم المغربي إلى زمن العرض الأول في تاريخ السينما سنة 1895. في هذا السياق، أعتقد أن تأثير السينما المغربية على أي مخرج مغربي شيء قد يأتي في نفس المستوى الذي تؤثر فيه السينما العالمية، لأن الطريقة التي تتسرب بها صور هذا الفيلم إلى الذاكرة والمكان الذي تحتله يكون بسهولة تشجعها المكونات الثقافية المشتركة، وحتى في حالة نفي ذلك النفي بشكل مطلق يكون هذا التأثير بارزا. أثناء العودة إلى بعض المقالات التي كان يكتبها عن السينما الفرنسية لنهاية الخمسينيات من القرن الماضي، الطفل المتوحش للنقد الفرنسي فرانسوا تريفو، والتي كانت بمستوى لاذع خصوصا مقاله الشهير ‘’بعض اتجاهات السينما الفرنسية ‘’ لا نجد له مقابلا في النقد المغربي لفيلم المغربي، ورغم ذلك عندما بدأ الأخير في صناعة الأفلام، جاءت الأخيرة فرنسية حتى النخاع، وحتى أنها جاءت دون أي قطيعة مع ما كان ينتقد من أفلام كان ينعتها بالأكاديمية.
حتى في الفترات التي كان الانتاج المغربي ضئيلا، لا يتجاوز ربما فيلمين في السنة كنا مع مجموعة من الأصدقاء نسخر من بعض المواقف، وننعتها بمواقف يمكن أن توجد في فيلم مغربي ما، أي أنه في المحصلة ربما أن هذا الإنتاج يحمل بعض الخصوصيات ربما تتطلب مجهودا على مستوى الدراسة والتحليل لتسميتها. على الأقل أنا كمهني وكمتفرج أحس بهذه الخصوصية، وأجد لها أثرا فيما ننتجه وما أنتجه من أعمال رغم مقاومتي الشديدة له، والبحث عن مرجعيات بمستوى عال. في هذا السياق يحضرني المخرج المصري يوسف شاهين، وربما حتى الهندي ستياجيت راي وآخرين، لكنني أفضل أن أتحدث عن شاهين لأنه بالنسبة لنا الأقرب جغرافيا وثقافيا.
لم تأت عالمية يوسف شاهين من أول فيلم ‘’بابا أمين’’ بل بعد عدد مهم من الأفلام لم يحاول البتة أن يقيم قطيعة مع الإنتاج المحلي، بل اندمج فيه بمسافة من الداخل وليس من رؤية متعالية. فشاهين أخرج فيلم غنائي لفريد الأطرش ‘’أنت حبيبي’’ وأفلام أخرى لا تختلف عن الانتاج المصري السائد أنداك، ثم سينتقل بشكل تدريجي إلى أفلام أكثر ذاتية ستجد لها موقعا في المهرجانات الدولية ثم سينتقل إلى أفلام بإنتاج مشترك مع فرنسا.
في كل هذه المراحل ظل يوسف شاهين يعمل من داخل السينما المصرية، عندما تشاهد جينريك أحد أفلام شاهين التي انتج في إطار الانتاج المشترك تجده جينريكا يشبه جينريك أي فيلم مصري لأنك تجد نفس الأسماء ماعدا اسمين لا أكثر. رغم أن أسلوب شاهين متميز ومعروف إلا أنك تحس انه مصري سينمائيا، أي أن أسلوبه تطور من داخل أسلوب السينما المصرية بكل تنويعاتها، وليس أسلوبا متعاليا يستلهم بشكل متعال كل الأفلام التي حصلت على أحسن الجوائز، حتى عندما يتم استجوابه من طرف قنوات دولية عن بعض القضايا المرتبط بالسينما المصرية يتحدث الرجل، رغم عالميته، بنبرة تحسسك أنه ينتمي سينمائيا إلى بلده، ولا يأتي تدخله بشكل متعال ولكن من طرف شخص من داخل هذه السينما.
أعتقد أن تطوير السينما المغربية لن يتطور من خارج ما أنتج لحد الآن خطابا وأفلاما. إن أي مجموعة بشرية في جغرافية ما، عندما تطور لغة ما، يهمها أساسا أن تتواصل فيما بينها لأغراض عملية، وإلا كانت البشرية ستتحدث نفس اللغة، وكنا سنفقد كل هذا الغنى الذي تعرفه الثقافة الإنسانية.
تحدد الطريقة التي اطلع بها على السينما والأدب العالميين كشكل من الإجابة على ما كنت اعتقد أنها مشاكل تعاني منها السينما المغربية وتجعلني في سنوات الحلم أعتقد باعتزاز أن ما سأنجزه في المستقبل من أفلام سيكون مغريا ومتميزا. كنت أعتقد بشكل عميق أنه يمكن أن تصبح ثقافتنا اليومية مادة ممتعة، وتخلق الفرحة على الشاشة كما مع السينما المصرية و الإيطالية لما بعد الحرب، وفي التسعينات في تونس على الأقل عربيا من ناحية الحوار. ويتذكر أبناء جيلي وما أكثرهم أنه من بين الانتقادات العملية للفيلم المغربي تتجه نحو اعتبار الحوار في الفيلم المغربي غير سلس، ومفتعل ولا يعبر عن اللسان المغربي بتعدده. ربما أتحدت هنا، في هذا المستوى، عن السينما المصرية كنموذج بحكم تشابه الواقع، وبحكم وحدة أصل اللسان الدارج وهو العربي.
يمكن أن نلاحظ على سبيل المثال لا الحصر أن المصريين من خلال السينما، والتلفزيون، والمسرح، والرواية، وحدوا لهجتهم وصنفوها إلى أنواع حسب المناطق: لهجة ناس كايرو، ولهجة الإسكندرية، والصعيد، بشكل يجعل الأمر مقبولا لدى الجمهور العربي ومفهوما.
ورغم هذا التوحيد لم تذهب السينما المصرية في مستوى الحوار إلى تنميط مبالغ فيه لهذه اللهجة، وجعلها منفصلة عن لغة الإنسان المصري، بل يلاحظ الواحد عندما يلتقي مصريا أو تتاح له فرصة التواجد بمصر، يحس أنه داخل مسلسل. لكن داخل هذا الكم الهائل من الأفلام والمسلسلات، يتميز شاهين بالنسبة لي، حيث تجد حواراته مكثفة ومحملة بأفكار فلسفية باستعمال لغة اليومي، ودون أن يبدو كذلك، وثانيا لأنه وجد حلا للغة في الأفلام التاريخية، تجعلها سهلة الولوج مثلا في» المهاجر» و»المصير». فالشخصيات تتحدث الدارجة المصرية المعاصرة، دون أن يؤثر ذلك على التلقي أو يخرجنا من جو المرحلة التاريخية التي يحكيها الفيلم.
مثلا في مشهد من ‘’المهاجر» يقول رام للقائد العام نابيهار : دول كلهم أولاد تسعة، فيرد الأخير: دول مش ولاد تسعة، دول أولاد حرام. أو يقول القائد لرام في لحظة انفعال وغضب: انت كدا كدا حتتسكن، مش لأنك خاين بس لأنك عبيط.
لقد تأثرت بجمالية حوار أفلام اشاهين إلى درجة دفعي لحفظ بعض المقاطع عن ظهر قلب. مرة وأنا أشاهد فيلم وثائقي فرنسي (les cinéastes de notre temps de André Labarthe) عن يوسف شاهين وكان يكتب سيناريو فيلم «المهاجر» وعندما قرأ جزء من مسودة السيناريو، لاحظت انه يمزج في الكتابة باللغة الفرنسية والمصرية، دون أن يؤثر ذلك عل سلاسة المشهد أثناء القراءة، لأن شاعرية المشهد تتبلور من بنية الحوار وليس من اللغة في حد ذاتها أو أن اللغة تأتي في المرحلة الثانية.
(يتبع)

أحمد الشريف الطريبق



عن الاتحاد الاشتراكي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى