نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

ديوان الغائبين : محمد ربيــــــــــع - مصر - 1975 - 2008

نشر: نقوس المهدي · ‏1/6/18 ·
  1. محمد ربيع روائي وصحفي
    ولد عام 1975 بصعيد مصر
    وتُوفيّ في الثالث من مارس 2008 بالاختناق من تسرّب غازي، في سن صغير (33 عامًا)
    أبدع خلالها خمس روايات منشورة إلكترونيًا:
    البابا
    مؤامرة على السيدة صنع الله
    ناس أسمهان عزيز السريين
    عموم اليالي التي

    بالإضافة إلى أولى رواياته: موسيقى تصويرية.

    ترك محمد ربيع قريته، وانتقل إلى القاهرة ليمارس عمله الصحفي في جريدة البديل، حيث عمل بالصحافة الأدبية واهتم بمحاورة أبناء جيله، ودعمهم، وإبرازهم.. كهمّ أصيل من همومه الأدبية، وتزامنت وفاته مع نشر حوار له مع الروائية الشابة نهى محمود اتسم فيه بخفة الظل، وبساطة اللغة الأقرب للعامية، وسخريته المعتادة، حتى أنها عندما أخبرته أنها تتمنى لو تكتب بأسلوب يوسف السباعي، هتف عجبًا: "يا نهار إسود! هو لسّه في حد عايز يكتب زي السباعي والجماعة دول!؟" هكذا يكون لربيع حضور حتى في حواراته.. وتلا ذلك حواره مع الروائي مكاوي سعيد احتفالاً بحصوله على جائزة البوكر عن روايته تغريد البجعة، والذي نُشِر بجريدة البديل بعد وفاته.
    لم يكن محمد ربيع ينشر رواياته، وإنما صنع ما يُسمّى بالتيار المستقل في النشر؛ فكان يطبع روايته على الطابعة، ويصورها على آلة التصوير، ويصنع 50 عددًا يوزّعهم باليد على معارفه، وكان يعتمد على النشر الإلكتروني بشكل كبير، فكان يرفع رواياته بنفسه في المنتديات الأدبية، والمكتبات الإلكترونية.


    * ( ناس اسمهان عزيز السريين )
    فصل من الروايه للروائى الراحل محمد ربيع

    سحبنى من يدى كالجاموسة ، مما أربكنى واكتشفت أنى وصلت الى حد أن لمسة أى رجل لى تجعلنى أسيح وأدوب ولن أقول بم لو فعل بى أى حاجة ، فتح باب أحدى الغرف المحرمة علىّ والتى لم أدخلها سوى دخلة واحدة بطريق الخطأ من حوالى العشرين سنة وساعتها ضربنى أبى بكوباية الشاى فى دماغى ففهمت كويس أنى ما أكررهاش تانى ولا أهوب ناحيتها خالص . آمرنى بالجلوس ، دس يده فى جيب الجلباب ، أخرج مفتاح ، أدخله فى دولاب خشبى كبير ، أنفتح لأرى بداخله تليفزيون كبير وفيديو ورصة شرايط ، ابتسمت ، بدأت أفرح ،رؤية هذه الأجهزة تبهجنى ، ذكرتنى أن ربنا لا ينسى بنت غلبانة من عباده ،و كانت المرة الوحيدة التى شاهدت من خلال هذه الأجهزة شيئا عندما عرض علينا ابى فى حصة الأخلاق بعض اللقطات السينمائية المنتقاة بواسطته ومعه أئمة الجماعة للدلالة على أن السينما ما هى الا فسق وفجور ودعوة للزنا ، ودعوة الزنا هذه هى التى كانت تهمنى ، لكن لم يحدث لى الا الأنبهار والأنبساط وأنا حاسبة تلك الساعة من أجمل ساعات عمرى . ظننت أن أبى سيكررها كما هى عادته تلك الحصةٍ القديمة ، لكن لما أشتغل العرض ، ظهر على الشاشة مجموعة من الرجال ، يجلسون فى قاعة متوسطة الحجم ، بينهم ابى وأن كان يبدو صغيرا فى السن والمائدة التى تتوسط القاعة تقسم الموجودين الى فريقين متواجهين ، أوقف أبى العرض قبل أن يبدأ الكلام وأشار بأصبعه يعرفنى باولئك الظاهرين على الشاشة ، عرفت أن الرجل الذى فى الوسط هو مدير أمن الدولة وعلى شماله الضباط المهمين عنده وكانوا أربعة ،و الصف الذى على اليمين هم على الترتيب المرشد العام للجماعة الذى كان قبل أبى والنائب الأول والثانى له والرابع مسئول تنظيم القتل فى سبيل الله ، وأشار أبى الى نفسه قائلا والخامس أنا طبعا وكنت لسه المسئول الأعلامى للجماعة . ثم ضغط على زر بالريموت فانتهى التوقف وتكلم مدير أمن الدولة ، طبعا كلكم تعرفونى كويس وأنا عارف أنكم فاكرين اللى عملتوا فيكم فى مرات سابقة وأنا باعترف انى ياما قليت أدبى معاكم والأخ مجدى فى مرة قطعت الجزمة على وشه والأخ شكرى من كتر الكهربة اللى كهربتهاله كنت خايف والله وانا باسلم عليه دلوقتى لحسن اتكهرب ، ايه كانت ايام حلوة وراحت لحالها ومفيش احسن من المحبة بعد العداوة ، وقبل ما ندخل فى الموضوع احب اعرفكم انه من دلوقتى ولا واحد فيكم هيتمسك أويتبهدل ، ولا حد هيقرب منه ، انتم من الأن ممنوع عليكم المعتقل ومعفيين من التعذيب ، وانا دلوقتى باكلمكم نيابة عن السيد رئيس الجمهورية والسيد وزير الداخلية بشكل رسمى ، يعنى ممكن تعتبرونى واحد منهم وأن كل اللى هاقوله كأنه صادر عنهم ، وسيادة الرئيس شايف انكم طاقة معطلة وصيع وده مش كويس وبيقول كفاية لحد كده خلافات ما بينا ونشوف بقا مصلحتنا وهو يرى انكم اقرب جماعة لقلبه واقوى ناس موجودة الأن وعلشان ده ، يبقى عيب عليكم قوى تسيبوا البلد للشيوعيين والناصريين ينشروا الضلال والكفر والأنحلال وانتم موجودين على وش الدنيا وبيسئلكم آمال فين الحمقة والغيرة على الأسلام وبيقولكم انتم من النهاردة ليكم مطلق الصلاحية للقضاء على اعداء الدين فى الجامعات والمصانع والشوارع واى مكان وانه يقف ورائكم ومعكم بكل قوته بمعنى ان التمويل الازم والحماية الأمنية والحملات الأعلامية والدولة كلها تحت امركم ، ان سيادته يريد مصر دولة مسلمة صح ، باختصار اعملوا ما بدالكم فى البلد ، لكن طبعا مش محتاج اقولكم ان احسن للواحد فيكم تنقطم رقبته او يرمى روحه تحت عجل القطر من انه يجيب سيرة الريس على لسانه ، ماشى . ولأن اكيد هتقابلكم حاجات محتاجة لحلول عنيفة ، ضرب وقتل ، علشان كده اعملوا منكم فرق تختص بالعمليات القذرة وتعلنوا ان هذه جماعات منشقة عنكم وانكم لا تتحملوا مسئولية افعالهم وانهم ليسوا منكم ، كونوا 3، 4جماعات وسموهم الجهاد ، الحق ، البلا الازرق ، أى حاجة وأى أسم يشتغلوا بيه ، وطبعا فاهمين أن أى تصرف أو تحرك هيكون بعلم أمن الدولة وموافقتها وولا واحد فيكم يتنخم من غير أذن منى او من واحد من الظباط اللى قاعدين قصادكم دول ، وعلى فكرة سيادة الريس راجل طيب وحكيم وأخلاق طالما فيه التزام ، لكن احب اؤكد لكم حاجة انه حالف برحمة امه وبغلاوة المدام انه لو حصل شرمطة او منيكة فاضية من اصغر كلب فيكم لينيكم واحد واحد وانا اضمن لكم ده ، ده غير انتقامى انا بقا ، بعد ما الريس يفشخكم ، هاولع فيكم واعملكم افران زى اللى عملها هتلر لليهود ، ماشى يا بهوات ، اتسمع الكلام ، يلا اللى عنده كلمة زنقاه يتكلم .
    تكلم المرشد قائلا ، احنا عاوزين . قاطعه المدير بغضب ، قوم اقف وانت بتكلمنى ، انت هترغى وانت قاعد ، فز قوم . انتفض المرشد قائما ، اعتذر علشان قلة ذوقه واكمل ، بعد اذنك يعنى احنا عاوزين ضمانات مكتوبة ان مفيش اعتقالات لأفراد الجماعة .
    - نعم يا عم مفيش اعتقالات لمين ، احنا هنفهم بعض غلط من دلوقتى ،لأ يا اخويا الاعتقالات هتفضل شغالة ، انتم الخمسة بس اللى معفيين من الحكاية دى.
    - بس كده مش هنقدر نسيطر على الأولاد ومش هينفذوا الأوامر
    - بقولك ايه انت عارف كويس ان محدش يقدر يخالفك لأنهم بيعتبروا ده جهاد فى سبيل الله والدين والرسول والحاجات بتاعتكم دى وكمان يا سيادة المرشد لو عافينا الجماعة من الاعتقالات ، يبقى احنا كده نروح نقعد فى بيوتنا نغسل مواعين ، آمال احنا نعمل ايه ونشتغل فى ايه لما انتم اكبر مصدر لتوريد المعتقلين ، بقولك ايه مش عايز تقعد مكانى
    - العفو يا باشا
    - طب تيجى تقعد على حجرى
    وضحك مقهقها ، مبسوط من نفسه , وكذلك الضباط ، بينما قادة الجماعة فى احيان قليلة وسط الحديث الدائر مع مرشدهم ، يظهر عليهم بعض من ضيق على قد حاله ، ما عدا مسئول تنظيم القتل فى سبيل الله الذى كان يبدو عليه الهم والغم ومحاولاته الفاشلة فى السيطرة على اعصابه ولما خاب ، قام فقال ، لو تسمح يا باشا
    - قول يا سيدى
    - هو سؤال بخصوص مصادر التمويل اللى هنشترى منها السلاح الخاص بجيش الجماعة ، بعد اذنك لازم تكون حلال لأن مش معقول نطبق الشريعة الأسلامية وفلوسنا حرام .
    وبحركة سريعة جعلتنى جالسة يبدو علىّ قوى الأعجاب ، التقط مدير أمن الدولة زجاجة المياه الغازية التى لم يشرب منها بعد وحدفها ناحية المسئول والذى مال برأسه فتفاداها لترتطم بالجدار من خلفه وتتدشدش محدثة لدوى هائل ، أفزع كل الحضور لدرجة انهم خافوا على انفسهم من غضبة الباشا المدير ولعنوا المسئول عما وصل ايه الرجل من نرفزة وتعكير فى المزاج ، بادر المرشد فنهره ، اقعد يا شكرى بلاش قلة ادب واعملى احترام .
    أشار المدير للمرشد بأن يخرس ويقعد زيه زى اى صنم وتكلم هو ، نعم يا كس امك مين الشريعة الأسلامية دى اللى بتكلمنى عنها وعايز تطبقها ، تكونش يا اد عايز تغير نظام الحكم ، الشريعة دى عند امك ف البيت .
    تجرأ شكرى مرة أخرى وقال وصوته به رعشة وخفوت ، ده مش كلامى يا باشا ، ده كلام سيادة الريس رضى الله عنه لما قال فى الدستور ان الشريعة الأسلامية هى المصدر الأول للتشريع ف البلد .
    وقف تانى المدير على حيله ، يا ابن المتناكة يا غبى مالكش دعوة بالريس يا كس ، وبعدين يا اد ده انتم عندكم فى الجماعة بينكم وبين بعض لو طبقتم الشريعة محش فيكم هيفضل سليم وكلكم هتبقوا اصحاب عاهات وعددكم هينزل للنص وانا مش عارف اشمعنى انت يعنى اللى فارد نفسك ولا انت افتكرت روحك بقيت المشير والسلاح هيجرى فى ايديك وافتكرت انك تقدر تعمل حاجة ، لأ اصحى يا عم شكرى ، الكرباج اللى انا معلم لك ضهرك بيه لسه موجود .
    قام أبى وهمس فى أذن المدير ، هدأ قليلا ، طلب الأذن بالكلام وأخذه ليقول به ، أحب فى الأول أن أعبر عن فخرى الشديد بجهاز امن الدولة فى عهد سيادتك وأشير الى التطور الكبير الذى حدث منذ أن توليت جنابك ادارة الجهاز ومن أول لحظة وعزة جلال الله وانت لا تتعالى على ابنائك المعتقلين وتحضر كل مراحل التحقيق وتشرف بنفسك على الوسائل المساعدة لجعل المعتقل يقر بالحقيقة ويزيح عن صدره عبء الهموم والأسرار ويحيا داخل المعتقل خفيف ، منشرح ، ويشهد كل المعتقلين امام الله والناس شهادة حق أن وجود سعادتك اثناء التعذيب جعل الموضوع أكثر دقة واتقان وحرفنة وشغل معلمين وقد اثبت أن التعذيب فن وذوق واخلاق ، ومنع ما كان يحدث من تجاوزات عن طريق الضرب فى اماكن قاتلة تؤدى الى زيادة اعداد الجثث مع العلم أن مدافن أمن الدولة لم يحدث بها أى توسع منذ زمن ، بما يعنى أن كل قتيل يعتبر هم فوق اكتاف معاليك ، مع تجاهل تام من المسئولين للطلبات المقدمة منكم بتخصيص قطعة أرض جديدة كمقابر حرصا على مصلحة المعتقل المقتول وعلى حقه فى الدفن زى بقية خلق الله ، رغم أن حضرتك ممكن جدا تأذى هؤلاء المسئولين وتنيكهم شامى ومغربى وتاخد الأرض اللى تعجبك .
    ، هذا أولا ، أما ثانيا ، فأنا عايز اناقش سيادتك فى أولويات عمل الجماعة تحت اشرافكم وأريد أن أؤكد أن كل ما يمكن أن نقوم به لا فائدة منه ولن نستطيع تحقيقه على الوجه الصحيح ولن تكون لنا شرعية أو مصداقية عند الناس وأمام أنفسنا الا عندما نقوم بأول خطوة وأهم خطوة نحو مجتمع أسلامى قوى يؤخذ قدوة لأى حد نفسه ف الأسلام ، وهذه الخطوة هى فرض الزى الأسلامى من حجاب وخمار ونقاب وجلاليب بيضاء ودقون دون شوارب كما جاء فى سنة الرسول ، قاطعه المدير ، بس يا أخ عزيز أنا طول عمرى اعرف حسب التقارير اللى بتوصلنى ان الرسول جاء حسب وصف القرآن له بشير ونذير ورحمة وولا مرة سمعت انه مصمم ازياء او صاحب كوافير رجالى .قال أبى مبتسما ، طبعا فضيلتك كلامك مظبوط لكن احنا لازم نعلن عن انفسنا ولا يصلح ندق صلبان زى النصارى لكن ينفع نسائنا تتحجب وشبابنا يلتحوا ، وكلما زاد عدد اولئك وهؤلاء فى الشوارع وسط الناس كلما كان هذا اعلان عن التواجد القوى المؤثر لجماعتنا ودليل على اننا لعبنا فى دماغ الناس وامتلكناها وأن مجهز 746 حديث نبوى بخصوص الوضوع ، و .... وهكذا أستمر أبى يتحدث على الشاشة عن حكايته المفضلة أم دم تقيل وهكذا ندمت أنى سئلت ولسانى الطويل خلانى اتفرج على شوية معرصين بيتخانقوا مع بعض وهكذا ينام أبى بجوارى منذ زمن وهذا ما يحدث له دوما اذا توقف عن الكلام ينام وتاركنى اتحرق غير عارف باين أنى لحم وأحاسيس حتى انه البارد طوال التسعة وتلاتين سنة بتوعى،، لم تأت سيرة زواجى المتأخر بسبب انه يرى انى مازلت لم اتأسس دينيا التأسيس الذى يرضى عنه وانه لا يمكن يبلى بى أحد المسلمين قبل أن يقوى أيمانى . ومن أجل أيمانه أن الزواج نصف الدين فقد كان ينظر لى دائما على أن أسلامى ناقص وتقريبا كما قال بقصد مرات ، خسارة فيا اى حاجة واننى مش عاملة أى خدمة للأسلام ويستنكر أن يكون هو أحسن واحد مسلم فى هذا الزمن عنده بلوة مثلى ولكنه يلم الدور قائلا ، اللهم مش هاتكلم ادينى ساكت

    ***

    ( مقطع من رواية عموم الليالي التي

    يقول المخرج
    أنها أشياء تحدث
    لكن الرب بعثنا
    لندقها مثل الوشم الأخضر
    فى ستائر عقولكم
    بالتصوير
    البطئ.

    ـ أعدكم بشرفى:
    قريبا جدا
    سوف ينسانا الرب .. مؤمن سمير

    ـ لأنى لا استطيع ولن اصدق انك يمكنك أن
    تفعل أى شئ مهما كان دون جمهور.

    .. جونتر جراس .

    من وأنا صغير ، لست صغيرا جدا ، ذلك الصغر الذى قد تكون فيه مشاكلى غير مهمة ويكون توقع رحيلها بعد حين لن يطول ، أمرا واردا جدا ، ولكنه ذلك الصغر الذى يكون فيه قد مر وقتا كافيا لكى أُدرك ماذا تعنى كلمة مشكلة . وهذه المشكلة تتبعنى وتتعبنى وايضا تقلقنى وتفسد أوقات فراغى الىّ ، تحيل ساعة فرارى من البشر الى نفسى لساعة فرار اليها.
    أنها مشكلة استعصت ،انتشرت بى، توغلت ، فحدث اقتحام لم أملك له دفعا.لقد تجاوزت كونها مشكلة ، ففيما يبدو أنها تمكنت منى تماما .
    هذا.. وبعد ، هل أستسلم وأخفض يدى بالسلاح وأكف عن الدفاع عنى ، تاركا لها زمامى , مسلما لها قيادى لتسحبنى من حبل روحى الى حيث يكون هلاكى . أأدعها ببساطة تجرجرنى ورائها وتفقدنى توازنى وأنا اقف امامها عاجزا ، مدلدل الأذنين ، مرخى الذراعين ، لاينقصنى الا أن افتح ساقاى فتخترقنى. يا سلام وما نفعى حين ذاك ، وأين جدواى وضرورتى فى هذه الدنيا وكيف اواجهنى بعد ذلك ، بل وكيف أقف أمام اولئك الناس أعظهم وأتلقى أعترافاتهم وأنقل لهم الثقة وأعطيهم إيمانا وشجاعة يحتاجونها لمواجهة الشياطين، وكيف ياخذون عنى الصبر الازم للوقوف فى وجه هذه الايام السوداء. أن ما اطلقه فيهم ، احتاجه أنا قبلهم لصراعى القديم ، المستمر مع مشكلتى ، فأنا لن اهرب منها ، لن اتراجع أمامها لأعطيها فرصة أن تزنقنى فى الحائط وتجهز علىّ لن اعطيها ظهرى واجعلها تهزمنى : والمسيح الحى ما هاسيبها تغلبنى، ياأنا يا هى
    عندما قلت هذه الجملة علا صوتى دون رغبة منى وبلا وعى تقريبا ، فانتبهت الى ثورتى ، تداركت اعصابى وافلاتها ، زفرت متنهدا كضربة اخيرة قاضية على غضبتى المفاجئة وعدت لحوارى مع نفسى:
    اننى لو كباقى الناس ، بمعنى أن أوجد بينهم دون أن أثير بوجودى قلقا وتحفظات وأحدث ربكة ولو أننى استطيع التحرك بحرية وسلاسة كما يفعلون ، لو أننى اقدر على فعل ما يفعلون دون أن القى مليون مستنكر ومليون منتقد وكذا مليون آخرين يصطادون فى الماء العكر، لو يحدث ذلك ويتاح لى لحاربت هذه المشكلة بمعننة وروقان بال وجبت أمها الأرض: ـ حافظ على الفاظك يا ابرام ، حد يسمعك تبقى حكاية ـ
    فقط لو أنك تصمت وتدعنى فى حالى ، الايكفينى من هم بالخارج حولى ، فتقفز لى انت من الداخل ، ياسيد يا محترم أننى لست بحاجة لأثنين ابرام ، فلاتعش لى فى دورالضميراليقظ الذى ينبه صاحبه الى اخطائه ويحاول انقاذه ، لست فى حاجة اليك الأن ولا بعد الأن.
    ـ يا ابرام هتعوذنى ، انت داخل حرب مع مشكلتك اللى مغلباك دى وانت لوحدك مش قدها
    ـ بل أننى قادر عليها وقدها وقدود ثم أن الرب راعى فلايعوزنى شئ
    ـ ماشى يا ابرام وخد بالك لولا أنى ضميرك يعنى أنا مؤمن بالرب اكتر منك ولولا أن عقلى كبير وما باحبش اغلط فى حد كنت قلتلك ابقى خللى الرب ينفعك،ع العموم براحتك واوعى بقى من وشى فى الساعة الضيقة دى لاحسن المشرحة مش ناقصة جثث .
    - غور يا شيخ .
    علا صوتى مرة أخرى بضيق وزهق بالغين وأن كان اخشى ما اخشاه من علوه أن يسمعنى مدحت فيبدأ معى حوارا لن ينتهى بسهولة ، ولفت نظرى فى الجملة التى قلتها لضميرى عانيا بها أن يذهب بعيدا عنى , أننى قلت : غور يا شيخ ، فأحلت صوتى للداخل وبدأت اتساءل: لماذا لم اقل له :غور يا قسيس، رغم أن استبدال كلمة شيخ بكلمة قسيس مع الاحتفاظ بالمقطع الأول الجميل سيكون انسب واكثر ملائمة لجو الكنيسة التى اوجد بها ، وكلمة شيخ هذه مستهجنة وغير مستحبة ولا داعى اطلاقا لذكرها هنا ، فهل لأن تغيير الكلمات سيؤدى الى أن تصبح الجملة غير جذابة ، بل انها غير جميلة بالمرة ، أن وقعها ثقيل على الأُذن ، ليست محببة للسمع وخفيفة الدم مثل غور ياشيخ وايضا لأننى لم اسمعها من أحد قبلا واعتقد أننى لن اسمعها فى قادم الأيام ، وايضا لأننى تربيت وأنا اسمعها كذلك وحدث مرارا أن قالتها لى ـ الله يقدس روحها ـ أمى وكانت تخرج من بين شفتيها كما السكر : غور يا شيخ جاتك ستين نيلة ، أو فى مناسبة أخرى ليست سعيدة طبعا : غور يا شيخ انا عارفة فرحان لى بروحك كده ليه . وقد قالها لى أبى هو الأخر كثيرا عندما كنت اعارضه ولا اوافقه على أن أسلك الطريق الذى أوصلنى الى أن أكون ابونا ابرام ، وكان فى قول أبى لها حتمية تؤكد أنه لا يصلح ولا يصح أن تقال بغير ذلك من الالفاظ قال ـ الله يقدس روحه ـ : غور يا شيخ قطر يزهملك . ومع أنه قدس الله روحه افسدها بهذا اللفظ الأخير البشع الآتى من الزهملة والتى يراد بها فى سياق المعنى أن يقول لى أنه يود لو أن القطار شندلنى ، فما كان سيسوئه لو قالها هكذا : غور يا شيخ قطر يشندلك .

    هذا ولهذا لم أقل ولن أقول جملة غور يا قسيس ابدا ، فهى أن نطقتها ستجلب لى متاعب كثيرة لا حاجة لى بها ولا أعانى من نقص فى المتاعب حتى اجلب الىّ المزيد. فلو سمعنى أحد الموجودين بالكنيسة وأنا ارددها لأى سبب فسيظن بيقين أننى قد بعت القضية وأصبحت عميلا وما اكثر الجهات التى سأتهم بالعمالة لها ـ ليس اهمها أو اخطرها جهة المسلمين . وتكمن عبقرية الجملة فى تحايلها باستخدام لفظ شيخ ، فأن كلمة شيخ فى اللغة العربية لا تعنى فقط أنه رجل دين ، بل أنها اقرب لمعناها الأخر والمقصود به الأشارة الى رجل كبير السن ، اما عندنا نحن المسيحيين الاجلاء لاتعنى كلمة قسيس سوى ذلك الرجل الذى يتبع الرب والكنيسة ويلتحف دوما بالسواد. ولانه ولسبب طائفى بعض الشئ أن الشيوخ كثيرون جدا ، كل البلد شيوخ ويقابلهم قلة فى اعداد القساوسة ، فلو غار احدا منهم أى ذهب فى ستين مصيبة فستكون مشكلة.
    مشكلة: ـ ها هى مشكلتى تعاود الهجوم وكأنها تذكرنى بها ، معتقدة أننى قد أكون نسيتها ، لا تعلم أننى لا احاول ذلك ، تفضيلى للهجوم يغلب ميلى الى الدفاع الذى قد يؤدى الى فشل ذريع ، فتسقط الحصون الدفاعية ويجرى اختراق.. يجرى اختراق وكأنى لا ادرك أنها اخترقتنى فعلا ، اننى سئ ، النقص يملأنى كغيرى ، أكابر وأعاند ولاأُقر الحقيقة واتحاشها ، هذا ليس علاجا يا ابرام ، تيقظ ، أفق ، لاتكن مغفلا دع الحمق جانبا الأن أنك على وشك اعلان الحرب فلتكن مستطيعها فات أوان أن تلهى نفسك وتخدعها وتقول أنها ليست مشكلة أو أنها لا تتجول بك.


    محمد ربيــــــــــع.jpg
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..