وساط جيلالي

لو كنت أديبا أو كاتبا يُحْسِنُ رواية الأحداث ، لَسَجّلْتُ حكاية الحاج عمر كما رواها لي و لأذعتها في كتاب للناس. حكى لي أنه قرّر الترشح في الانتخابات البرلمانية السابقة نِكايةً في أحد أبناء عمومته الذي كان ينوي الترشح بدوره ، لكن كان لا بد له من تزكية أحد الأحزاب ليكون وكيل لائحة ، وهكذا إذن بدأ...
ما إن تحرك القطار، حتى أخرجت من حقيبتها كتابا أسود الغلاف وانهمكت في قراءته . كنت أنا وهي فقط في تلك المقصورة الصغيرة، شابة جميلة، ربما في الثلاثين . لم يكن على الغلاف الأسود الذي كنت أراه مقابلا لي أي عنوان ، ولم يكن واردا أن أسألها عن ذلك، فقد كانت مستغرقة في القراءة تماما . طيلة فترة لم تكف...
كنا وحيدين ذلك الصباح في ذلك البار الصغير المنزوي في أحد الأركان - إذا ما استثنينا البارمان والنادلة والشيخ الذي يجلس في الظل أمام زجاجة بيرة - في البداية كان هادئا، أنيقا في بذلته السوداء، يضع أمامه أوراقا كثيرة، أحيانا يمعن في القراءة، ثم يمعن في الكتابة، ثم يتوقف لحظة ويبدو أنه يغكر في أمر...
هكذا وبدون مقدمات أتى وجلس على الكرسي بجانبي، رفعت عيني عن الجريدة ونظرت إليه، رأيت كهلا ينظر إلي ويبتسم كأنه يعرفني من قديم، لم يكن في الحقيقة يبتسم، كان يفتح فمه الخالي من الأسنان بطريقة بلهاء، كان أسمر اللون، تلك السمرة التي ليست سمرة بل أثر للفح الشمس، نظرة عينيه الضيقتين العسليتين مزيج من...
لم يُصَدِّق عينيه ، 7000 درهم بالتمام والكمال ظهرت على شاشة الشُّبَّاك الأوتوماتيكي ٬ ليتأكد أن الأمر حقيقي ضغط على زر السحب ، ثم على مبلغ 5000 درهم ، قرأ على الشاشة : عمليتكم في طور الإنجاز ، وبعد قليل ظهرت رزمة الأوراق النقدية ، سحبها ودون أن يعدَّها وضعها في جيب سرواله الخلفي ، دخل إلى مبنى...
كنت أُطِلُّ من الشرفة وكانت تقف بجانبي ، أمامنا الشاطئ برماله الصفراء وأمواج البحر الصّاخبة ، قالت لي أو لعلها كانت تحدِّث نفسها : ـ سأرمي بنفسي من الشرفة ٠ لم أحمل كلامها محمل جِدٍّ فقد كانت ثملة، وقلت في نفسي : لو اِختلطت دِماؤها بحبَّات الرَّمل لبدت هذه الأخيرة مثل الكريات الحمراء في الصُّورة...
هذا الصباح الباكر حزين لأنه لم يسمع خطوات السيدة خدوج . في اليوم الأخير من كل شهر كانت تستيقظ باكرا، هي تعلم أن مركز البريد لن يفتح بابه الآن ، لكن عليها أن تقيم طقوسها. تمشط شعرها الذي لم تعد تمشطه إلا في نهاية كل شهر، لا زال - رغم أنه أصبح خفيفا - أسود اللون جميلا، تكحل عينيها البنيتين...
بمستشفى المجانين وقع المجنون الملقب بالعصفور بحب الممرضة الشابة اللعوب التي كانت تمر عليهم لتعطيهم الدواء ، كانت جميلة بيضاء ، و كانت شفتاها مكتنزتين و تضع عليهما أحمر الشفاه ، فأصبح يطاردها من مكان لمكان و يتوسل لها أن تمنحه قبلة٠ لكي تتخلص منه قالت له : ـ لكي أمنحك قبلة ، يجب أن تعطيني مائة...
كانوا يجلسون مُتكِئين على السّور القديم ، يَقْتَعِدون حِجارةً مُسطّحة كأنّها كراسي واطئة ، ويُغَنّون أغنية جماعية ، حين رأوهم يقتربون منهم وقد أحاطوا بهم ولم يتركوا لهم أية فرصة للاِنسلال٠ توقفوا عن الغناء ، شرب سعيد الإسكافي الكأس التي بيده بسرعة ووَضَعها بجيبه ، أخفى أحمد العَسّاس قِطْعَة...
المكان مُزدحم ، الطفلة الصغيرة تجلس على الطِّوار وتمد يدها للمارين . توقفت سيارة سوداء بجانب الطوار المُقابل ، نزلت منها سيدة في متوسط العمر ، بيضاء مكتنزة تضع نظارات سوداء ، قطعت الطريق وعندما أصبحت بجانب الشَّحادة الصَّغيرة توقفت ، نظرت إليها بعطف ومنحتها ورقة نقدية من فئة خمسين درهما ، اتسعت...
أهَيئ الدرس ، أُفَكّرُ التفاصيل ، أرسم المراحل ، وفي الطريق إلى الإعدادية أعيد ترتيب كل شيء في ذهني ٠ ها أنا واقف أمام حجرة الدّراسة والتلاميذ يدخلون ، وهم يأبون إلا أن يُصافحوني واحداً واحداً ، وأنا أخجل من أن لا أمد يدي لهم ، وأصافحهم بدوري واحداً واحداً حتّى آخر الأربعين ٠ وما إن يعُمّ الصّمت...
كانت تمشي أمامي على بُعد بِضعة أمتار، شابة في مُقْتبل العُمْر ، ترتدي سروال جينز وقميصاً صوفيا وتنتعل حذاءً رياضيا ، وتحمل في يدها كِتاباً. كانت تمشي الهُوَيْنى وبين الفينة والأخرى تتوقّفُ وتتصفَّحُ الكِتاب ، وفجأة وعلى حين غرّة بَرزت من الشّارع الجانبي سيّارة تسير بِسُرعة جنونية ، صدمت الفتاة...
كان الأستاذ قد اِنتهى من شرح الفقرة الأولى التي تدور حول الأسباب غير المُباشرة للحرب العالمية الثانية، واستدار نحو السّبُّورة لكي يكتب مُلخص هذه الفقرة، وبِمُجرّْد ما استدار أمسك مصطفى بقلمه، وعلى الورقة التي أمامه بدأ هو كذلك بالكتابة، وكان قد فكّر طيلة جزء من الليل فيما سيكتبه، لذلك اِنساب...
إنه الصباح، في بار مارسيليا خمسة زبائن، موظفان بالبلدية، عسكري متقاعد، ساعي بريد، وأستاذ للغة العربية ٠ كان الهدوء مخيما وكانوا يحتسون كؤوسهم صامتين، حين دخل بائع يحمل لوحات تشكيلية ذات إطارات مذهبة، لم يعره أحدا انتباها سوى الأستاذ الذي نادى عليه، ولم يساومه واشترى منه لوحة بمائتي درهم، وضعها...
مات صديقي الشرطي بعد أن تقاعد بسنتين، كان رجل أمن ولم يتزوج طيلة حياته، كنت أزوره في بيته بين الفينة والأخرى، أحب أن أجالسه لطيبوبته وروحه المرحة السّاخرة، يقول لي ضاحكا وهو في المطبخ يعد الشاي وأنا جالس في غرفة الاستقبال الصغيرة: ـ هل تعلم أنني لم ألق القبض على أحد طيلة ممارستي لمهنتي؟ ويضيف ...

هذا الملف

نصوص
29
آخر تحديث
أعلى