وساط جيلالي

لا تنفك عمتي يزة تندب حظها، تقول إن عينا شريرة تلاحقها، فمستأجرو بيتها ، الذين تتابعوا على كرائه منذ وفاة زوجها، بعد أن أخلته وسكنت بالغرفة الصغيرة على السطح، لم( يَصْدَقْ ) فيهم ولا واحد٠ تقول لي : ـ أول من اكترى مني البيت كان أستاذ لغة فرنسية، أنيقا وصامتا لا يكلم أحدا، ولا يأتي عنده أحد، لكن...
كنت قد سمعت عنه كثيرا لكن ذلك كان أول لقاء بيننا. بعد ذلك، حين سينتقل أو سينقلوه للعمل معنا بالإعدادية، ستتوطد علاقتي به ونصير أصدقاء رغم فارق السن بيننا. لكن، لنعد إلى اللقاء الأول : كنت في حراسة الباكالوريا، ذهبت كمراقب للقاعة التي أرسلوني إليها، وزعت أوراق التحرير وتأكدت من الهويات وبقيت...
كان المرض الخبيث قد سرى في جسم صديقي حسين ، وأصبحت نهايته وشيكة ، وكنت أزوره بين الفينة والأخرى لِأُبَدِّدَ وحدته ٠ كان يعلم بخطورة مرضه وبقرب رحيله ، إلا أنه كان قويا صلبا ، حافظ على رباطة جأشه ، بل كان لايتردَّدُ في إطلاق النكت والضحك ملء فِيه ، ولولا الهزال الشديد الذي أصابه ، وشحوب وجهه ،...
هو الذي، منذ أن تقاعد، ينتظر العاشرة صباحا بشوق، بل بلهفة، فبمقهى " السعادة " سيكون محاطا بالجماعة حول الطاولة العريضة، وأعين الكل على رقعة الشطرنج، وكؤوس القهوة السوداء وعلب السجائر تملأ المكان . سي حسين لاعب يحسب له ألف حساب، كما يقال . كان ينتصر على الجماعة بكاملها، و طيلة الوقت، لا يتوقف...
لو كنت أديبا أو كاتبا يُحْسِنُ رواية الأحداث ، لَسَجّلْتُ حكاية الحاج عمر كما رواها لي و لأذعتها في كتاب للناس. حكى لي أنه قرّر الترشح في الانتخابات البرلمانية السابقة نِكايةً في أحد أبناء عمومته الذي كان ينوي الترشح بدوره ، لكن كان لا بد له من تزكية أحد الأحزاب ليكون وكيل لائحة ، وهكذا إذن بدأ...
ما إن تحرك القطار، حتى أخرجت من حقيبتها كتابا أسود الغلاف وانهمكت في قراءته . كنت أنا وهي فقط في تلك المقصورة الصغيرة، شابة جميلة، ربما في الثلاثين . لم يكن على الغلاف الأسود الذي كنت أراه مقابلا لي أي عنوان ، ولم يكن واردا أن أسألها عن ذلك، فقد كانت مستغرقة في القراءة تماما . طيلة فترة لم تكف...
كنا وحيدين ذلك الصباح في ذلك البار الصغير المنزوي في أحد الأركان - إذا ما استثنينا البارمان والنادلة والشيخ الذي يجلس في الظل أمام زجاجة بيرة - في البداية كان هادئا، أنيقا في بذلته السوداء، يضع أمامه أوراقا كثيرة، أحيانا يمعن في القراءة، ثم يمعن في الكتابة، ثم يتوقف لحظة ويبدو أنه يغكر في أمر...
هكذا وبدون مقدمات أتى وجلس على الكرسي بجانبي، رفعت عيني عن الجريدة ونظرت إليه، رأيت كهلا ينظر إلي ويبتسم كأنه يعرفني من قديم، لم يكن في الحقيقة يبتسم، كان يفتح فمه الخالي من الأسنان بطريقة بلهاء، كان أسمر اللون، تلك السمرة التي ليست سمرة بل أثر للفح الشمس، نظرة عينيه الضيقتين العسليتين مزيج من...
لم يُصَدِّق عينيه ، 7000 درهم بالتمام والكمال ظهرت على شاشة الشُّبَّاك الأوتوماتيكي ٬ ليتأكد أن الأمر حقيقي ضغط على زر السحب ، ثم على مبلغ 5000 درهم ، قرأ على الشاشة : عمليتكم في طور الإنجاز ، وبعد قليل ظهرت رزمة الأوراق النقدية ، سحبها ودون أن يعدَّها وضعها في جيب سرواله الخلفي ، دخل إلى مبنى...
كنت أُطِلُّ من الشرفة وكانت تقف بجانبي ، أمامنا الشاطئ برماله الصفراء وأمواج البحر الصّاخبة ، قالت لي أو لعلها كانت تحدِّث نفسها : ـ سأرمي بنفسي من الشرفة ٠ لم أحمل كلامها محمل جِدٍّ فقد كانت ثملة، وقلت في نفسي : لو اِختلطت دِماؤها بحبَّات الرَّمل لبدت هذه الأخيرة مثل الكريات الحمراء في الصُّورة...
هذا الصباح الباكر حزين لأنه لم يسمع خطوات السيدة خدوج . في اليوم الأخير من كل شهر كانت تستيقظ باكرا، هي تعلم أن مركز البريد لن يفتح بابه الآن ، لكن عليها أن تقيم طقوسها. تمشط شعرها الذي لم تعد تمشطه إلا في نهاية كل شهر، لا زال - رغم أنه أصبح خفيفا - أسود اللون جميلا، تكحل عينيها البنيتين...
بمستشفى المجانين وقع المجنون الملقب بالعصفور بحب الممرضة الشابة اللعوب التي كانت تمر عليهم لتعطيهم الدواء ، كانت جميلة بيضاء ، و كانت شفتاها مكتنزتين و تضع عليهما أحمر الشفاه ، فأصبح يطاردها من مكان لمكان و يتوسل لها أن تمنحه قبلة٠ لكي تتخلص منه قالت له : ـ لكي أمنحك قبلة ، يجب أن تعطيني مائة...
كانوا يجلسون مُتكِئين على السّور القديم ، يَقْتَعِدون حِجارةً مُسطّحة كأنّها كراسي واطئة ، ويُغَنّون أغنية جماعية ، حين رأوهم يقتربون منهم وقد أحاطوا بهم ولم يتركوا لهم أية فرصة للاِنسلال٠ توقفوا عن الغناء ، شرب سعيد الإسكافي الكأس التي بيده بسرعة ووَضَعها بجيبه ، أخفى أحمد العَسّاس قِطْعَة...
المكان مُزدحم ، الطفلة الصغيرة تجلس على الطِّوار وتمد يدها للمارين . توقفت سيارة سوداء بجانب الطوار المُقابل ، نزلت منها سيدة في متوسط العمر ، بيضاء مكتنزة تضع نظارات سوداء ، قطعت الطريق وعندما أصبحت بجانب الشَّحادة الصَّغيرة توقفت ، نظرت إليها بعطف ومنحتها ورقة نقدية من فئة خمسين درهما ، اتسعت...
أهَيئ الدرس ، أُفَكّرُ التفاصيل ، أرسم المراحل ، وفي الطريق إلى الإعدادية أعيد ترتيب كل شيء في ذهني ٠ ها أنا واقف أمام حجرة الدّراسة والتلاميذ يدخلون ، وهم يأبون إلا أن يُصافحوني واحداً واحداً ، وأنا أخجل من أن لا أمد يدي لهم ، وأصافحهم بدوري واحداً واحداً حتّى آخر الأربعين ٠ وما إن يعُمّ الصّمت...

هذا الملف

نصوص
33
آخر تحديث
أعلى