محمد بنميلود

أعرف الشاعرات من نظراتهن الطويلة المطعونة بالأمواس، من البرق المباغت والعاصفة والمطر الغزير الذي يعقب مرورهن الخجول. أزرّر ياقة معطفي وأتنهّد. الكآبة الرخية للحقول، الملمس السام للحرير في العتمة والنزول الباكر للمساء فوق البّاركات الفارغة والمقابر. أعرفهن من تعب الزهرة برحيقها وانحنائها...
أنا شاعر من الطبقة الغاضبة من العمال المسرّحين من الخدمة والجنود الذين يكرهون الجنرالات والنجارين الذين لا يملكون ورشة ولا أدوات نجارة واليساريين المتطرفين الذين أنهكت الزنازين السرية أجسادهم ولم تنهك أرواحهم والمهندسين المدمنين على المشروب والمهدئات المهندسين النحيفين الانطوائيين الذين بلا...
نحن أبناء الأنبياء الفقراء ما الّذي يريدونه منّا؟ لا نملك سوى قمر بعيد في سماء الله يكتمل يومًا واحدًا فقط في الشّهر نحن أبناء العمّال والحرفيّين آباؤنا كلّهم نجّارون وصبّاغون وخيّاطو أقمشة وأكفان آباؤنا كلّهم أنبياء بلا رسالة عجزة بلا معاش وبلا أمراض مزمنة سوى السُكَّريّ وأمّهاتنا هنّ الأشجار...
البنّاؤون أفطروا بالزّيت البنّاؤون ذهبوا في الفجر الغائم عبر مسرب الصّباح الطّويل كي يرمّموا صدوع الشّمس البنّاؤون رجالٌ قصارُ القامة وغير مشهورين ببلطة في اليد بشاقول لقياس استقامة حرارة اللاّفا داخل غرانيت الأرواح بلمسة حانية على خدّ الزّلزال برقّاص ساعة عملاقة في جيب الأفق حين يحلمون...
الكلب الضخم الذي أحضرته إلى البيت سمّيته تروتسكي. أردت أن أسمّيه التوحيدي، باعتبار أني أحب أبا حيان التوحيدي كما أحب تروتسكي. إلا أن الأمر سيبدو للبعض كما لو أنه شتيمة في حق التوحيدي. إضافة إلى ذلك، هذا الاسم يحيل على التوحيد، وهذه مشكلة أكبر من شتم التوحيدي، بل إن الأمر قد يتحول بسرعة إلى أزمة...
إننا لا نفهم الأمازيغية يقول الجلاد القديم وهو يسجل المحضر وهذا كاف كي نبيدكم جميعا لا نفهم الجوعى لا نفهم الخائفين لا نفهم الحاقدين الذين ولدوا يتامى لا نفهم الأرامل الجميلات اللائي لم يتزوجن من جديد ولا نفهم الثوار كيف يولدون في فصول جافة وطويلة يرضعون الثورة من ثدي جاف ويكبرون يانعين وحادين...
عليك أن تصف عمامة الرجل العجوز الأعمى المتسول المتلوّية فوق رأسه كأفعى الحصاد، وتصف نظّاراته البلاستيكية السوداء المربوطة بسلك لإخفاء محاجره، وتصف جلبابه الرث، وبلغته التي عضتها الكلاب طيلة الليل، وتصف الطريق المتربة الطويلة التي أمامه، وتصف الظهيرة القائظة، والجفاف الطويل، وأكواخ الحي المرحّل...
ذكريات مليئة بالشجن مع الحمام مازالت تخالط ذهني كلما لفح وجهي هواء ما بعد الاستحمام. كانت الأيام شبيهة بزوارق ورقية تتناوب على بركة صغيرة في غابة، هذا ما تخيلته عن الزمن في طفولتي. لم أكن كسولا لكني لم أحب المدرسة يوما، ولا أغلب المعلمين، ولم أحب يوما العمل والواجب والانضباط والامنتحانات والحفظ...
نَسْتَيْقِظُ لنتبادل النّكات. أوّل شيء مضحك يقابلنا هو الشّمس، إنّها مضحكة أكثر من اللاّزم. كلّما رأيتُها إلاّ وسقطتُ أرضًا من الضّحك والقهقهات المتتالية. لا أستطيع الحفاظ على صرامتي أمام مشهد شمس صفراء في السّماء تشرق وتغرب، ثّم تشرق لتغرب من جديد! ثمّ إنّها ساخنة إن لمستها بيدك، ساخنة ومضحكة...
رَنَّ الجرس ولم يسمعه الأصمّ. كان يأكل خبزا وزيتا، يغمس قطعة الخبز الكبيرةَ جيدا في الزيت حتى يتضاعف وزنها وحجمها، ثم يأخذها بسرعة إلى فمه كي لا تقطر كثيرا فوق سرواله ليمضغها بتؤدة متلذذا بطعم اللُّباب وقد صار كزيتونة مطحونة. يمصُّ الزيت وحده برويَّة وتركيز، قبل أن يبلع اللباب دون أن يمضغه سوى...
جمعَ القرويونَ الفلاسفة في أكياس الشعير المسوَّس الفارغة. كانت أكياس شعيرِ علفٍ. الفلاسفة أناس ذميمون ولسانهم طويل، لقد أفسدوا الحياة الهانئة بأسئلتهم الكثيرة اللّجوجة، وبأجوبتهم الغامضة التي لن نربح منها سوى أسئلة أخرى محيّرة للغاية، كألغاز بلا حلّ لا تصلح حتى للتسلية. قبل قدوم الفلاسفة إلى هذه...
صعدت أمّي إلى السّطح، لتقطف النّجوم وتضعها في السلّة. عندما عادت قالت: إنّ النّجوم لم تنضج بعد! وإنّنا يجب أن ننتظر إن أردنا تحلية مع العشاء. أفرغ أبي الشلاّل من الإبريق في الكأس، يرتشف ويدخّن صفصافة، وينصت بطرب إلى صوت الزّلازل والصّواعق والرّعود في المذياع. دخلت أمّي إلى المطبخ، وضعت حقل القمح...
قال الصّرصار لأميرة الأميرات دودة القزّ، وقد ارتسمت على ملامحه علامات الجدّ: أريد أن أجد عندكم شغلا يا مولاتي.. يعني.. أقصد.. أن أصير حارسكم الشخصيّ.. وأيضا.. يعني.. أن أخطبك. كان ثملا كالعادة حين تحدّث، ففاحت رائعة عنب رخيص في الأرجاء. خلف عشبة حيث كان يقبّل يعسوب خطيبته اليعسوبة، ظَنَّا...
ليس عندي ما أكتبه، رغم ذلك يجب أن أكتب، إن لم أكتب سأمرض، الشّبحة الّتي تسكنني تأمرني بالكتابة وإلاّ تنغّص عليّ حياتي، وتجفّف بي البيت. حين أمتنع عن الكتابة لا أضمن حتّى أن أعبر شارعا فارغا دون أن تدهسني شاحنة. ذات مرّة امتنعت عن الكتابة وصُمْتُ عنها، فدهسني الأوتُوبِيسْ، كان مليئا بالرّكّاب...
ذهبتُ لأبيت في دار خالتي زهرة، منزلها غير بعيد كثيرًا عن بيتنا. ابنها البشير هو أيضًا يأتي ليبيت في بيتنا أحيانًا، رغم أنّه يخاف من الكلب رُوكِي. حين يأتي نربط روكي بسلسلة إلى شجرة التّين، أمّي هي الّتي تربطه هناك بالضّبط، حيث لن نجرؤ أبدًا أنا والبشير على تسلّق الشّجرة كَقِرْدَيْن وقطف التّين...

هذا الملف

نصوص
15
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى