د. جورج سلوم

اتصلتْ به هاتفياً وطلبتْ منه أمراً ما ... وأجاب : -أنتِ تعرفين منزلتكِ عندي ..وأني لا أرفض لكِ طلباً..لكن ما تطلبينَه الآن صعبٌ جداً..وقد أعجز عن تنفيذه . -ولو ...اعتبره الطلب أو الرّجاء الأخير ..وأنا مستعدّة لكل ما يتوجّب علي لقاء ذلك . -حسنا ً ..حسناً ..لنقطعِ الاتصال الآن ..أنتِ تعلمين...
البشر يموتون حولنا كالذباب ..ولا حاجة لنا للبقاء هنا في بلاد الغربة . تعالوا نعود إلى الوطن ..على الأقل نموت بين أهالينا ..ونُدفَن بكرامة في قبرٍ معروف ..بدل أن يحرقوا جثثنا هنا قي ألمانيا ! هيا بنا يا قوم فلنعُد إلى الوطن الحنون بالرغم من فقره وعوزه . ما دمنا حبيسي البيوت قسراً هنا في برلين...
لستَ جديداً عليّ أيها النّهار ..كأني شاهدتُ ضوءَكَ الشاحب وبردك القارس من قبل. لا بل وكأني رأيتُ جمودَ أناسك وتثاقل حركتهم وإطراق رؤوسهم من قبل. كأنهم يُعيدون مشهدا تمثيلياً حفظناه وجوهُهُم ترابيّة اللون ولم تكتسب لونها من انعكاس ترابهم الحزين على جباههم المعفّرة ، وما امتقع لونهم الترابيّ من...
هذا الصباح لي .. أنا الديك .. وأنا مَن أمَرَ الشمس لتُشعِل فتيلَها الوضّاء .. وأنا مَن ملأ قنديلَها بالزيت .. وبعد أن اطمأنّ قلبي على مقدار اشتعالها وقدرتها على الإشراق والشروق .. ها أنا أصيح بكم يا نيام أن استفيقوا من رقادكم ... أنا الديك .. أنا الذي أمرْتُ ليلكم بأن يلفلف عباءته ويرحل وإن...
صمّاء.. وتسمع ما لا نسمعه بكماء..وكلماتها مفهومة في كلِّ الأصقاع صامتة .. وصمتها يروي ألف حكاية تحكي بيديها حكاياتٍ متعدّدة التفاسير ويجوز فيها ما لا يجوز لذوي الألسن الناطقة.. وروايات الأصابع لا ضيرَ فيها ولا تطالها محاكم القضاة .. ولا تسجّلها دواوين التنصّت والاستخبارات! حكايات تنسجُها...
كم كنت أحقد على زميلاتي في الجامعة عندما كنّ يضحكن لذلك الأستاذ إثر إجاباتٍ ضحلة على أسئلته فيبتسم لهنّ مطبطباً ، أما أنا فينزل بي تقريعاً . لا بل وكان يفضّلهن علينا كذكور ، ويأخذ بيد واحدة منهن ليشرح لها على انفراد ما استصعبَ عليها فهمُه ..لتخرج بعدها من مكتبه متورّدة الوجه سعيدة إذ غُفِرَت...
مات أبواي وكان أمر الله مقضيّاً ..وما صلّيت إليه يوماً أن يمنع عنهما الموت ، ولكن أن يستأخره ..وأن يستلطف في استيفاء أرواحهما إليه . وكان الله (جلّ اسمه) رؤوفاً ورحيماً ولطيفاً في سلخ الروح عن هيكلها وجسدها .. فتبخّرّت أرواحهما وانسلّت خلسة وهما نائمان ..وجاءهما ملاك الموت كاللصّ الجبّارالذي...
عندما عُيّنْتُ طبيباً مندوباً إلى السجن لثلاثة أشهر اعتبرْتُها نوعاً من العقوبة الوظيفيّة .. وطرقت باب السجن كارهاً وفُتح لي ودخلت من بابٍ إلى باب ومن دهليزٍ إلى سرداب ، وأقفلوا خلفي بالحديد ونفسي تغصّ كأنها تغوص من دركٍ إلى أعمق. وصحيحٌ أنّ هنالك مكتباً لي يسمّونه مستوصفاً للسجن لكنّ نوافذه...
لفت أنظاري ذلك العنوان (في نقد الأنطولوجيا ).. وما رأيت ناقداً وكأنّ الكلّ أجمعوا على الموافقة بصواب كلّ تغييرٍ حدث في ذلك الموقع .. ونجاعة كلّ تبديل ارتأته الإدارة .. فلم يبق علينا إلا التصفيق .. ولم أجد تصفيقاً ولا مدحاً .. كمن يومئ بالرأس لمحاضرٍ جامعيّ يعطي ويستزيد .. نعم نعم أحسنت أيها...
نعم ..كان يتقلّب في فراشه ولن يخلد إلى النوم بسهولة .. يتوسّد مخدّته ذات اليمين وذات الشمال فيحتفر فيها أودية ونهوداً ،ويغمض جفنيه قسراً فلا يلتصقا ..ويشهر طرفه السفليّ من تحت اللحاف كرأس السلحفاة المتوجّسة فيلدغه البرد ليعود إلى إغماده في قوقعة طرية من الأغطية السميكة ..لا دفء في سريره يستدعي...
وكنّا نسرقُ الحبَّ سرقة .. وكنتُ عندها كاللصّ الظريف يدخل إليها من النافذة التي تتركها مفتوحةً قصداً ..وكانت سيّدة الموقف لأنّها قادرةٌ على إنهاء الحبّ بمجرّد أن تومئ لي بأنّ زوجها سيأتي الآن .. وكنت أعرف بأنه لن يأتي ومع ذلك كنت أهرب وألوذ بالفرار .. راضياً بما سرقتُه من جعبتها ! كانت سعيدةً...
أوّاه يا أمّاه !! لقد سبقوني .. وعدت إليك خائباً مهزوماً مخذولاً متلعثماً بخطواتي باكياً بصمتٍ ذليل ، خجلاً من دموعي أكبتها خلف أجفاني خشية الشامتين .. ولكنّي أمامك سأفلتها من عقالها بلا خجل . أين صدرك أدفن فيه رأسيَ المشجوج فأكتم في حناياه شهقات نشيجي .. وتلعبين بخصيلات شعري تلفلفينها ...
مرآتي هي مشكلتي... فيها أرى نفسي بدينة ... ثقيلة .. بصدري الكبير وخدودي المنفوخة .. أدورُ حول نفسي علّني أجدُ بقعة جميلة في جسدي قد تسيلُ لعابَ أحدٍ ما ... حتى لو فتحتُ أزرارَ قميصي .. حتى لو قصّرتُ ثيابي ... أبقى أنا كما أنا ... حتى لو غيّرتُ تسريحة شعري ودهنتُ أخاديدَ وجهي... أظلّ أنا...
كلّما أغرقتُ نفسي في مستنقع تلك الأدوية زاد اعتلالي.. واستفحل المرض عليّ واستكبَر واستجبر..وعنّد وتمدّد ..وطغى وبغى وعربد .. وأرغى وأزبد وسعالي كان بلحنٍ واحد وصار بلحنَين ..والحمّى المسائية الوحيدة صارت بنسختين ..والنوبة نوبتين وبعضها يستمسكني وبعضها يستسهلني وبعضها يستغفلني وبعضها...
وما كان أبي ملكاً ولا قائداً لجيشِ الفتحِ العظيم .. ولا رئيساً لحزبٍ قلب الموازين .. ولا كان عبقرياً من وادي عبقر ولا كان غنياً ولا نبياً ولا .. ولا .. لكنه كان أبي .. وكفى كان عظيماً بالنسبة لي أكثر من كلّ ممّن سبق ذكرهم .. لأنه كان أبي .. أنا وأنا الذي بكيت لفقده كما يبكي الحمل على جثمان...

هذا الملف

نصوص
130
آخر تحديث
أعلى