أحماد بوتالوحت

كان يعْتمِر طُقْم أسنان وعَمْرة ثُلاثية الرؤوس وبِأصابِع مسْكونة بِهمْس الجُنون ، يَنْكأ ذاكِرة النَّاي وعلى دَرْب القَصَب ، يسْحَل الناي نَفَسه ، ومِن عُيونه يطْفر نهْر الألْحان " القلق ليس غَجَرياً" و" الشَّقاء أبدِي أيّها الأوْغاد " . يجب الإعْتِراف أن تَيْنك الأغْنِيتين كانَتا حَزينَتين...
سَأرْحَل عنْك يا وطني !َ سَأَرْحل عن غُرَفِك المَسْقوفة بِالصَّفير وَضَجيج الأَرْصِفة تَارِكاً سِيقان سَراوِيلي الْمشْبوهَة على طَاوِلات صُفوفِك سَأوَدِّع دُخان سَجائِري عَلى شِفاهِك المُلْتَوِية كَأَحْذِية الْعَوانِس سأَرْفَع صُراخي كَالأَجْراس على تِلَال نَهْدِك الْعَاري . الطُّوفان يَأْكُل...
(1) كانوا قد أحضروا كل مستلزمات سهرتهم .. نبيذ خالَطُه الغِش .. خبز فَتَّته بَلَلُ سائِل ما .. عظام ما زالت تحتفظ بِفضُلات مَجْد لحمها الذي ربما أفْلَت من بين أسنان تتعجل أن تقوم عن المائدة أو إستعصى على بَقايا أسْنان.. دجاج ميِّت لم يرَيَّش بَعْد ويُنتزع منه إعترافٌ بِجَريرة ما ، نحيل كأصابع...
كانت مَسامَّات مَساءاتِه ترْشَح بِالهَديل ، وداخِل جُمْجُمته يطْغى جُنَّاز النَّحْل على قَعْقَعات العِظام . قد يَحْدث أن يَحْتمِي بِفُوَهة نَبِيذ ، وَيَأْمل أن يغْدو شَفَّافا وغَيْر مَرْئِي لا شَكَّ أنَّ إرَاقَة دَمِ السُّلافة حَرَّرَه من هَفَهَفة سَراوِيل الكَوابيس لكِن طُفولَتَه لَبِثت...
يأتيني من المرافيء البعيدة ، وشم خنجر، يومض على الساعد ورائحة البحار والمحار في جيوبه الداخلية . وعلى جبينه المحروق بالملح ألف أغنية ، عن الحب ، والخمر ، والنساء . يأتيني مطوقا برائحة الجزر وطحالب الاعماق . يحدثني عن الطيور التي تغادر مرافيء أحلامه . في إتجاه الآفاق الفيروزية . يرفعني إلى الأعلى...
إشتراني من سوق الأشياء المُسْتعملة ، بعد أن ساوم عليّ حتى بحّ و جفّ ريقه وكان قد أعطاني موظف سامي في إحدى الوزارات لِمتسوّل يجوب أزقة حيِّه الراقي ، كنت حينها ما زلت فتياً ولم أبلغ بعد مبلغ الكهولة ، خدَّايا كانا متماسكين ولم تكن لدي لُغُود تشوِّهُني فضْلا عن أني أتمتع بصحة جيدة يحسدني عليها...
إستقل الرجل طاكسي إلى ساحة "جَامَعْ لَفْنَا " ، إستأجرغرفة في أحد فنادقه ، أودع في الغرفة كيس قماشٍ ، الكيس الوحيد الذي كان يحمله وهو يترجل من الحافلة في المحطة الطرقية بمدينة مراكش . جرجر في الساحة رجليه ـ المحشورتين داخل حذاء متهالك ـ هنا وهناك ! بحثاً عن صديقه الحاوي الذي لم يره منذ سنين...
كان ينْزَع عن البَحْر مُسوح المِلح ويُلبِس الليل دِفْء الحُقول يُفرِغ على الوُجوه رَماد الإشَارات ويَمْحو عنْها غُضون الماء فارِداً سَطْح قبَّعته التي ترشَح بِالثُّقوب سُرادِقاً لِأَعْراس الفَراشات فاتِحاً جُيوب ،مِعْطفه ،الدَّاخِلية ساحات لِأَراجِيح المَساء راشِقاً سيجارته المَحْشُوة...
من يَقِين الضَّوء كانت الإِبَر تَرْفُو جَوارِب مَا زَال الخُرَاج رَهِيناً بِأصَابِعها ومِن جِدَار المِدْفأة إتَّخَدت الأحْذية مُتَّكَأ وأسْبَلت سُيورَها تَوَالَت إِيحَاءات ألسِنة الَلهب فِي مَحَاجِرالمَوَاقد وفي مُنْخَفضات الليل لَوَت الحَدَوات أعْناقَها بَيْنَما عَبَرت أرْصِفة البِرَك ، سُحب...
- لم تعُد تفصلنا عن التلّة إلا أمتاراً قليلة . قال إبراهيم ، ثم تابع سيره ملتحقاً بأصدقائه الذين أصبحوا بعيدين عنه وعن عمران . كان إبراهيم قد حكى لِرِفاقه عن الجمل المجنح الذي يُرى محلقاً من رأس إحدى التلال المحيطة بالقرية . وفي ليلة اليوم الذي سمع فيه عمران الحكاية ، رأى في المنام ذلك الجمل...
عَائِد مِن عُمْق اللَّيل ، تَتَلاحَق أنْفَاس فَرْدَة حِذائِه الوَحِيدة شَبَح يَنُوء تَحْت أيَّام صُندوقه الخشَبِي، الَّذي كَالتَّابُوت . كان سَعِيدا مَاَدام فيه شَيْء مِن الوُجُود، قيْد الحياة مَحَا الزَّمَن كُل ذِكْريَاته القديمة وسقط نهْر الأيَّام فِي النِّسْيان . كَان الضَّباَب الَّذي...
لقد كان صَباح أحَدٍ مُتْخَم بِالهُموم ، كَرُبَّان خائِر شَاخَت في الخُلْجَان جميع سُفُنه كان ثَمَّة قَلِيل من السَّماء في الأعْلى ، ومَلائِكة يَسْتَغرقها الحَنين سَحابَة عَجُوز ، خانَتْها خُطاها فَسدَّت عيْن الأُفُق . الأجْراس المُعلَّقة بِأهْداب الأَبْراج ، إفْتَتَحت يَوْمَها بِغِناء...
كانَت إِنَاث الأَجْراس تُمْطر عَتْمة الليل رَذاذ مَعْدِنها فتَشْتعِل بِالشَّيب أعْراف الدّيَكَة النَّائِمة ـ عَن صَلاتِها ـ بين تَفاِصيل الدَّهْشة وكان الغَسَق يُحرِّض أسْراب القَمْل على أقِفِية الوسَائِد وعَانَات الأَرَامل وفِي الحَانَات المُوَزّعة على كَتِف البحر ، إمْتدّت حِبال التّرقُّب...
كَانَ يُشْبِهُ أَحَداً ، وَفِيهِ شَيْءٌ مِنْ إِسْكَافِيِّ الْحَيِّ الَّذِي بِلَا قَدَمَيْنْ ، وَرُبَّمَا شَيْءٌ مِنْ بُسْتَانِيِّ الْبَلَدِيَةِ الَّذِي كَانَ يُشَدِّبُ دُمُوعَ الشَّجَرْ . فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ الَّذِي أَصْبَحَ الآنَ مُشَوَّشاً خَلْفَ قُبَّعَتِهْ ، كَانَ الْقَدَرُ أَكْثَرَ...
ـ لماذا يضع هذا السيد قناعاً على نصف وجهه ؟ يا أبي ـ حتى لا يأكل الذباب أنفه . ـ لماذا تكذب على الصغير ؟ قالت الكلبة لزوجها الكلب ـ لقد قلت له ما اعتقدته صحيحا ، فطالما ضايقني الذباب وأنا أحشر أنفي في ركام النفايات باحثا عن فضلات طعام ، وطالما فكرت في وسيلة أذود بها عن أنفي كي أبعد عنه تلك...

هذا الملف

نصوص
90
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى