صابر رشدي

النوارس التي تأتي إلى مدينتي في أشهر معينة، قادمة من بلاد بعيدة لقضاء فصل الشتاء، أذهب إليها، أشاهدها وقلبي مفعم بالحنين، فأنا من مدينة غير ساحلية، لا تطل على بحر أو محيط، لكن بها نهر عظيم، تأوي إليه. أستقل زورقا صغيرا، أمر به على تجمعات هذه الكائنات القوية، التي تقطع ألاف الأميال في طيران...
عندما فضت عنها الثوب الأنيق، لتقوم بإعادته إلى الدولاب، شعرت حينها بالفقد، وبأن شيئا ما قد فارقها. ارتبكت قليلا، لكنها حاولت اختلاس بعض الوقت في هدأة مريحة، بعيدا عن ضجيج الحفل الصاخب الذي عادت منه لتوها، قلقة ومنزعجة بلا سبب. ربما غفوة قصيرة، تستعيد معها توازنها. فكرت. في نعاسها الحالم، الذي...
كنا قد أحضرناه معنا، ضمن أشياء كثيرة، جلبناها ونحن عائدون من المدينة الرابضة هناك، في أقصى الجنوب. جذبني إليه مظهره الجميل ونحن نتسكع للتسوق. قالت زوجتي: - إنه يصلح الطهو. في المرة الاولى، وضعت الخضروات وقطع اللحم، ودسته في الفرن. بعد الوقت المحدد أحضرته، كان الأمر مفاجئا، درجة الغليان لم تفارق...
(1) كثيرًا ما كنت أراه على شاشة التلفاز، لا يمر يوم دون أن تطل صورته على الملايين من داخل هذا الجهاز السحري، الذي لا يعرف فضيلة الصمت؛ حتى ساد لدىَّ اعتقاد بأنه يقطن داخله، كنت ألمحه فى المباريات، يكون هناك دائمًا فى الثلث الأخير من المدرجات تجاه مرمى خصوم فريقه المفضل، حيث يحاصر لاعبوه هذه...
كنا نعرفه، متملص ومراوغ، لا تمر عليه الأشياء دون استغلال لها، هذه طبيعته، فالعالم لديه قائم على المنفعة، لكن ملامحه خادعة، توحى بالطيبة، وربما التسول، خاصة عندما يتحدث عن عوزه الدائم، وعدم كفاية الراتب، ونفاده فى الأيام الأولى من الشهر، رغم أنه يقطن بيت والده، لا يسدد إيجار مسكن، أو فواتير الماء...
كان يذوى يوما بعد يوم ، يتلاشى متحولا إلى شبح ، كنانلاحظ ذلك بسهولة ، ربما لانه الوحيد بيننا الذى يملك جسدا عفيا متناسقا ، وعضلات مفتولة ، تبرز بدقة تحت تىشيرتاته الضيقة التى يرتديها متعمدا ، كان الذبول يضرب ملامحه أيضا ، ويطفئ هذا البريق اللامع فى نظرات عينيه ، لم نكن نعرف سببا قويا وراء هذ...
الغجرية النحيلة، سمراء الوجه، تطوف الحارات، والشوارع المحيطة. تختفي أحيانا، ثم تعاود الظهور مرة أخرى بعد فترة طويلة، بالهيئة نفسها، والعمر نفسه تقريبا. خطوط الوشم خضراء، مطبوعة على الذقن، وجانبي وجهها الممصوص، السيجارة لاتفارق أصابعها، تمجها بشراهة مدمن عتيد. في اليد الأخرى صرة صغيرة داخلها...
كنت صبيا صغيرا، أتابع العالم بعينين مفتوحتين عن آخرهما، أريد التعرف على الأشياء، كل الأشياء. القراءة تفتح لي أبوابا كثيرة مغلقة، كتاب هذا الزمن يتحدثون عن عشقهم للموسيقى الكلاسيكية، يرددون أسماء لها وقع خاص، وبريق لاينطفئ : بيتهوفن. باخ . موزار. فرانز ليست. خاتشادوريان. كورساكوف. بيلا بارتوك...
مبكرا، بدأ التعلق بالحشيش كمادة سحرية، وخيارغيرأخلاقي، لا يتم الإفصاح عنه بسهولة، رغم احتلاله مركزا متقدما على قوائم اهتماماتنا؛ كان مخدراعالي الجودة، متوافرا بكثرة. نذهب إلى أولئك الذين يوردونه للمناطق المحيطة بنا، دقائق قليلة تقذف بنا هناك، الأشقياء المستأجرون، يتناثرون في المكان، غرباء،...
بدأ فورانه اللاهب مبكرا، وظهر جنونه بالنساء مع أولى تحولات البلوغ. كانت التغييرات البيولوجية تدق بابه عنيفا،وهو يستجيب مستريحا لهذا العالم الجديد، مرهقا جسده فى خيالاته الملعونة. قبلها أيضا، وفى صباه المبكر كان جريئا، يجيد الإستماع إلى الحكايات العاطفية، وسرديات الجنس التي لا تنتهي .عندما يحصل...
كل ما فى الغرفة وثير ومؤثث على نحو مبهر ومبالغ فيه ، جميع القطع المرصوصة بعناية تتألق ببذخ واضح لا تخطئه أعين الناظرين ، ربما غاص الزائرون في مقاعدهم وراحوا فى استرخاء لايستطيعون معه التحاور عن تلك الاشياء التى جاءوا من اجل الحديث عنها، فجميع مايحيط بهم يدعو الى الاستهانة بالاخرين والقضاء على...
كان الميدان يئن تحت وطأة ظهيرة قائظة، ورطوبة لاتحتمل، فشمس أغسطس تتعامد فوق المبانى وأسفلت الطرقات، تلهب رؤوس البشر وكافة الأشياء . رغم هذا، كان هناك بشر كثيرون، وحركة دائبة، وثمة رجل يمشى بطيئا فى هذا الزحام، جذبنى إليه المعطف الصوفى الثقيل الذى يرتديه فى هذا التوقيت من العام . كان يمشى وحيدا،...
البنت االجميلة، التى لا تزيد عن تسعة عشر ربيعا، قوامها النموذجى مخفى عن عمد مدروس تحت زى يحاول طمس هذا التكوين السحرى وطمس أنوثتها. كانت تحمل حقيبة متوسطة، وبين يديها ألعاب صينية. وقفت قبالتنا. - مساء الخير. - مساء الخير . قمت بالرد، فهذه عادتى مع مندوبى المبيعات . بادرتنا با لحديث عن بضاعتها،...
الطعام كان شهيا وأنا أمضغه بتمهل، شاردا كعادتي وراء حكايات متصارعة تدور في ذهني وتلغي كل المرئيات حولي، مع ذلك، لمحته وهو يلج المكان مترددا، حذرا. ثم وهو يجلس بهدوء إلى إحدى الموائد، طنين الأفكار يشاغلني، ويطغى على صوت الموسيقا المتصاعد كأزيز جنادب لاتعرف التوقف . كنت وحيدا، متروكا في عزلتي،...
لمحته قادما، يمشى منفرجا، بتؤدة وتمهل، ممسكا بمقدمة جلبابه الفضفاض، مباعدا به عن نصفه الاسفل، كنت اظنه شخصا آخر، رجل مسن ضارب فى شيخوخته، فهو، عادة ، يسير متقافزا، ويجعلنا نلهث وراءه، مثل طائر رشيق، مع اقترابه لاحظت عليه انحناءة بسيطة، وأنه يباعد بين ساقيه، متألما مع كل خطوة، حتى توقف امامى...

هذا الملف

نصوص
23
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى