صابر رشدي

(1) كثيرًا ما كنت أراه على شاشة التلفاز، لا يمر يوم دون أن تطل صورته على الملايين من داخل هذا الجهاز السحري، الذى لا يعرف فضيلة الصمت؛ حتى ساد لدىَّ اعتقاد بأنه يقطن داخله، كنت ألمحه فى المباريات، يكون هناك دائمًا فى الثلث الأخير من المدرجات تجاه مرمى خصوم فريقه المفضل، حيث يحاصر لاعبوه هذه...
نظر إلىَّ، ثم أشار إلى فمه، كانت الورقة النقدية الكبيرة معلقة فى يده، يطوِّح بها فى الهواء يمينًا ويسارًا فيما يشبه الرفض وعدم الحاجة إليها، كانت تبدو فى اهتزازها شيئًا لا قيمة له ولا معنى. فى البداية، ظننت أنه طامع فى ورقة أخرى، وأن هذه لا تكفى فبدأت أشعر بالغيظ والندم وأود استرداد ما أعطيته...
الأزيز المهدد للمارة والعابرين، يبرق فى الأسلاك العارية تحت المطر، ولمعان البرق ينذر بسيل عارم . فى هذه الظروف، يتخفى الجميع من الشيطان الخارج من عمق االظلام، للصيد واقتناص الضحايا، وفرض شروطه المجحفة على هذا المشئوم، سئ الحظ، الذى سيكون اول من يفابله عند الإنقطاع التام للكهرباء. يتخفى الجميع...
ربما كانت أول سينما أذهب إليها فى سن مبكرة، العاشرة تقريبا، تذكرة الدخول بتسعة مليمات، لا أدرى حتى هذه اللحظة لماذا تسعة مليمات؟ فلم يكن هناك ملاليم بالطبع، ولكن عندما تدفع قرشا كاملا، يعطيك موظف الشباك شيئا مساويا للمليم الباقى : قطعة حلوى صغيرة، إبرة وابور جاز، أو قطعة عجين صغيرة لالتقاط البق...
بعد انقضاء الظهيرة بوقت طويل ، وانحدار الشمس نحو الغروب ، كان هناك رجلان يمضيان فى اتجاه واحد متجاورين ، يتحاوران حول اسئلة كونية لا نظير لها ،عن سيرورة العالم والتطور ، ماهو مادى او هيولى . الظل المائل للرجل ( أ ) يتماهى معه ،مقلدا تحركاته كأن الطريق مرآة ارضية . الرجل ( ب ) وهو الذى يطرح...
الطعام كان شهيا وأنا أمضغه بتمهل، شاردا كعادتي وراء حكايات متصارعة تدور في ذهني وتلغي كل المرئيات حولي، مع ذلك، لمحته وهو يلج المكان مترددا، حذرا. ثم وهو يجلس بهدوء إلى إحدى الموائد، طنين الأفكار يشاغلني، ويطغى على صوت الموسيقا المتصاعد كأزيز جنادب لاتعرف التوقف . كنت وحيدا، متروكا في عزلتي،...
كان الرجل يعبر الساحة ببطء، حاملا آلته الموسيقية العتيقة، كأنه سندباد يطوف العالم مشيا على الأقدام، ترخي الأرض أديمها لدبيبه الواهن. كنت أراه شخصا وحيدا، يمضي في الضياء، حتى اقترب من مكاني، ووقف صامتا، ينظر إلى وانا أجذب أنفاس النارجيلة، قبل أن يلتقط"الربابة" ويرتجل كلمات بلا مثيل. أناشيد...
النوارس التي تأتي إلى مدينتي في أشهر معينة، قادمة من بلاد بعيدة لقضاء فصل الشتاء، أذهب إليها، أشاهدها وقلبي مفعم بالحنين، فأنا من مدينة غير ساحلية، لا تطل على بحر أو محيط، لكن بها نهر عظيم، تأوي إليه. أستقل زورقا صغيرا، أمر به على تجمعات هذه الكائنات القوية، التي تقطع ألاف الأميال في طيران...
عندما فضت عنها الثوب الأنيق، لتقوم بإعادته إلى الدولاب، شعرت حينها بالفقد، وبأن شيئا ما قد فارقها. ارتبكت قليلا، لكنها حاولت اختلاس بعض الوقت في هدأة مريحة، بعيدا عن ضجيج الحفل الصاخب الذي عادت منه لتوها، قلقة ومنزعجة بلا سبب. ربما غفوة قصيرة، تستعيد معها توازنها. فكرت. في نعاسها الحالم، الذي...
كنا قد أحضرناه معنا، ضمن أشياء كثيرة، جلبناها ونحن عائدون من المدينة الرابضة هناك، في أقصى الجنوب. جذبني إليه مظهره الجميل ونحن نتسكع للتسوق. قالت زوجتي: - إنه يصلح الطهو. في المرة الاولى، وضعت الخضروات وقطع اللحم، ودسته في الفرن. بعد الوقت المحدد أحضرته، كان الأمر مفاجئا، درجة الغليان لم تفارق...
(1) كثيرًا ما كنت أراه على شاشة التلفاز، لا يمر يوم دون أن تطل صورته على الملايين من داخل هذا الجهاز السحري، الذي لا يعرف فضيلة الصمت؛ حتى ساد لدىَّ اعتقاد بأنه يقطن داخله، كنت ألمحه فى المباريات، يكون هناك دائمًا فى الثلث الأخير من المدرجات تجاه مرمى خصوم فريقه المفضل، حيث يحاصر لاعبوه هذه...
كنا نعرفه، متملص ومراوغ، لا تمر عليه الأشياء دون استغلال لها، هذه طبيعته، فالعالم لديه قائم على المنفعة، لكن ملامحه خادعة، توحى بالطيبة، وربما التسول، خاصة عندما يتحدث عن عوزه الدائم، وعدم كفاية الراتب، ونفاده فى الأيام الأولى من الشهر، رغم أنه يقطن بيت والده، لا يسدد إيجار مسكن، أو فواتير الماء...
كان يذوى يوما بعد يوم ، يتلاشى متحولا إلى شبح ، كنانلاحظ ذلك بسهولة ، ربما لانه الوحيد بيننا الذى يملك جسدا عفيا متناسقا ، وعضلات مفتولة ، تبرز بدقة تحت تىشيرتاته الضيقة التى يرتديها متعمدا ، كان الذبول يضرب ملامحه أيضا ، ويطفئ هذا البريق اللامع فى نظرات عينيه ، لم نكن نعرف سببا قويا وراء هذ...
الغجرية النحيلة، سمراء الوجه، تطوف الحارات، والشوارع المحيطة. تختفي أحيانا، ثم تعاود الظهور مرة أخرى بعد فترة طويلة، بالهيئة نفسها، والعمر نفسه تقريبا. خطوط الوشم خضراء، مطبوعة على الذقن، وجانبي وجهها الممصوص، السيجارة لاتفارق أصابعها، تمجها بشراهة مدمن عتيد. في اليد الأخرى صرة صغيرة داخلها...
كنت صبيا صغيرا، أتابع العالم بعينين مفتوحتين عن آخرهما، أريد التعرف على الأشياء، كل الأشياء. القراءة تفتح لي أبوابا كثيرة مغلقة، كتاب هذا الزمن يتحدثون عن عشقهم للموسيقى الكلاسيكية، يرددون أسماء لها وقع خاص، وبريق لاينطفئ : بيتهوفن. باخ . موزار. فرانز ليست. خاتشادوريان. كورساكوف. بيلا بارتوك...

هذا الملف

نصوص
30
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى