ممدوح رزق

في منتصف المسافة بين مكان أجهله، وبيت أعيش فيه مع زوجتي وطفلتي؛ قررت أمي أن نتوقف حتى تعطيني كل ما كانت تحمله، بالرغم من أن ما بين يديّ كان ثقيلًا بما فيه الكفاية .. كان صديق طفولتي الذي حاولت قتله مرارًا يرافقنا دون أن يتكلم أو يحمل أي شيء، فقط يبتسم طوال الوقت بسماجة هادئة، كأنه يتابع في ثقة...
لن تدرك الزمن الذي أهدرته حقًا إلا حينما يصبح الموت أقرب من خطوة واحدة صغيرة، وليس مجرد احتمال ضروري، متناثر في الأشياء كافة .. يأس الماضي حينئذ سيكون في جوهره رجاءً شاحبًا، ذلك لأن هذه اللحظة هي موعدك مع اليأس الفعلي، في كامل نقائه .. محاولاتك المرجأة لاستدراك ما لا يمكن تصحيحه، وتعويض ما لا...
ما الذي جعلك كشخص توقف منذ فترة طويلة عن الخروج من بيته تحتفظ على هاتفك المحمول، الفارغ من شريحة الاتصال، بمقطع فيديو لرجل يمسك ببندقية، ويطلق النار على السائرين في نفس المدينة التي تعيش فيها؟ .. مقطع لا يتجاوز ثواني قليلة، تم تصويره بكاميرا هاتف محمول، تمسك به يد مرتعشة من نافذة بعيدة إلى حد...
السلام عليكم يا ضرطات مقهى "اللبن" وفندق " مارشال المحطة" في التسعينيات .. منذ فترة قصيرة مات واحد منكم، وقد آلمني هذا بصورة لا يمكنكم تخيّلها، ذلك لأنه على الأرجح لم يقرأ قبل موته "لوحة سرطان الخصية"، أو "معارض متنقلة"، أو "أفراح العين الزجاجية المحتقنة" .. تلك قصصي القصيرة التي خلقت من بين...
كان المطر غزيرًا، ولم يتوقف منذ أمس، وذلك لم يكن يعني بعد ثلاثة وأربعين عامًا سوى أنني لا أريد الوقوف داخل الشرفة ومد كفيّ خارجها لاحتواء قطرات منه، أو مراقبة تلاحقها فوق أرض الشارع، أو تنفس رائحته القديمة .. وراء الباب المغلق ظهر على شاشة هاتفي بثًا مباشرًا لفتاة لا أعرفها، تعيش في نفس مدينة،...
ظلوا يحتجزونه سنوات طويلة جدًا داخل هذه الحجرة .. كان يمكن لتلك السنوات أن تكون أقصر في وعيه من زمنها الفعلي، لولا أنهم بدهاء عفوي جعلوا النافذة الصغيرة الوحيدة موجّهة فقط نحو السماء، بحيث يتعذر عليه رؤية أي شيء آخر في الخارج .. لم يكتفوا بذلك، وإنما تركوا له أيضًا مخزونًا من الأوراق والأقلام...
لا يؤسس كل تحديد فانتازي لحتمية ما يُسمى بالواقع وحسب فهو فضلاً عن تعيين المنطق الذي تخضع إليه قوانينه، والحدود التي تنتهي عندها سلطته، وطبيعة الانتهاكات المقوّضة لمسلماته يخلق كذلك ركائزاً بديهية لتاريخه .. هو شكل من أشكال إنتاج الحقيقة إذ يؤدي تمييز حقل الفانتازيا إلى عزله عن نظام من الإدراكات...
أنهيت تناول الغذاء ثم توجهت إلى الحمام فيما كانت طفلتي داخل الشرفة، وزوجتي تقف عند باب الشقة، على وشك ارتداء حذاء الخروج .. أطفأت ضوء الحجرة وأغلقت بابها بعد خروجي من الحمام ثم توجهت إلى السرير للحصول على قيلولتي اليومية .. من تحت الغطاء الثقيل سمعت صوت باب الشرفة يُفتح ثم يُغلق، فاستنتجت أن...
في الثامنة مساءً، خارج قاعة (دار الضيافة) بالمنصورة حيث يجتمع أعضاء مختبر السرديات؛ وقفت أمام الطبيبة النفسية التي حضرت خصيصًا من أجلي .. ربما عرفت من فيسبوك أنني سأكون حاضرًا بنسبة كبيرة، لكنها لم تدخل القاعة، وإنما اتصلت بي على الموبايل ـ لا أتذكر حتى الأن أنني أعطيتها رقمي ـ ثم أخبرتني أنها...
كنا نجلس على طاولة أمام النيل، وبينما كانت طفلتي تحاول مغافلتي وقطف وردة بعد أن حذرتها من ذلك؛ قلت فجأة لزوجتي ـ ولم يكن هناك بُد سوى هذه الطريقة المباشرة ـ بأنني أرجوها أن تحرص تمامًا ودون أدنى تهاون على ألا تجعلني أرى شعرة بيضاء في رأسها .. قلت لها هذا بصراحة مطلقة كأنه اعتراف بأن رؤية ذلك...
لم يكن يستطيع أن يبوح بما يريد لأحد من الذين يتعاقبون كل يوم على ركوب التاكسي الذي يقوده، وتحديدًا الذين تُظهر ملامحهم تقاربًا مع عمره، خاصة أثناء الدوران آخر الليل في سكون المدينة .. لم يقدر حتى على النظر في عيني أي منهم، ولو عبر المرآة الأمامية الصغيرة .. كان كل ما بوسعه هو تشغيل أغنيات قديمة...
خلال ثلاثين عامًا، غابت أشياء كثيرة عن البيت الذي مات أهله تباعًا، لكن الساعة ظلت كما هي، حتى المسمار الذي يحملها منذ البداية، لم يرتعش طوال تلك السنوات .. استبدلت أغراض عديدة أماكنها، لكن الساعة لم يتغيّر أبدًا موضعها على الحائط، كأنها جزء أصيل من تكوينه .. تراكمت على الموجودات القديمة آثار...
فجأة عرفت كل شيء ... كنت مستلقيًا فوق السرير، أحدّق إلى السقف، وأفكر في بعض الأمور الصغيرة المبهمة التي تركتها خارج البيت الذي لم أعد أغادره، قبل قطع علاقاتي بالجميع: لماذا انسحب المترجم تدريجيًا من صداقتنا؟ .. لماذا توقفت كاتبة القصة الشابة عن كتابة الرسائل لي على فيسبوك؟ .. لماذا ترك الناقد...
بعد أن يموت الجميع، ولا يتبقى من الذين كانوا يحاولون التظاهر بالحياة في هذا البيت سواك؛ ربما حينئذ يجدر بك الشعور بالذنب .. ربما عليك أن تفكر في أن كل ما فعلته طوال الماضي بعيدًا عنهم لم يكن سوى خيانة لعمائهم .. الشوارع التي مشيت فيها وحدك .. الأصدقاء الذين رافقتهم .. المدن التي سافرت إليها...
بعد خروجي من البيت أصادف أحيانًا شخصًا له نفس ملامحي، يرتدي ملابسي ذاتها، ويمشي بالكيفية التي يطوّحني الموت بها في الشوارع .. كل مرة أستوقفه، كأنما قابلت صديقًا قديمًا، لم أره منذ زمن طويل .. أمد يدي إليه، وحينما أصافحه أشعر كأنني أطبقت كفيّ على بعضهما مثلما أفعل دائمًا حين أجلس وحدي وراء باب...

هذا الملف

نصوص
48
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى