مصطفى أحمد علي

كان ميداناً فسيحاً، وكانوا يسمّونه " النقعة"، قبل أن يبدِّل الظالمون اسمه إلى " الساحة الشعبية"! كانوا صغارا. وكانوا يهبطون إلى " النقعة" صباح مساء، يمتّعون النفس بمشاهدة القوم في طربهم ورقصهم. كان مهرجاناً عفوياً يسمونه"اللعب": يُمَه.. أنا ماشي اللعب.. يُمّه.. أنا كنت في اللعب!... واللعب،...
كان شديد العناية بهندامه واثقاً في خطواته، منعزلاً في مجلسه، يحيط به الغموض، لا يدري أحد اين يسكن ويقيم في دوائر باريس العشرين، لكنه كان يغشى مقاهي معدودة قريبة من المدينة الجامعية، يلمّ فيها ببعض أخبار "عالمنا الثالث"، كما كان يطلق عليه، وكان غالباً ما يحمل صحفاً ومجلات يسارية نحو (ليبراسيون)...
كانت الأصوات تخفت وتعلو، بين همس يختلط مع الأنفاس وصياح تصطكّ له الآذان.تتراوح بين عربية مفهومة، ونوبية يتبين المرء حروفها ولا يفهم معناها. الوجوه سمراء وسيمة، والثياب جلاليب بيضاء وملاحف صوفية تميل إلى اللون البني. شدني هذا التناغم والتباين بين الألوان، في الوجوه وفي الثياب. ركبنا في المقدمة...
نظر إلى جبال التاكا، فبدت له للوهلة الأولى وكأنها ذوب الصخور، صهرتها السماء وأراقتها! أحسَ بطعم آخر مختلف لتلك الدنيا طعم لم يألفه في أيَ من بقاع السودان الأخرى التي يعرفها و يألفها في مديرية دنقلة وفي ديار البقارة، في سهول كردفان ودارفور، ومرابع الجزيرة. الوجوه مختلفة.. ثم الأزياء، كانت تضفي...
كانت المغنية تزأر بصوت واضح جلي النبرات، وكان كلامها أو غناؤها بسيطا بريئا قديما فيه شيء من التاريخ، أسماء الناس و الأشياء تكاد تكون مجهولة، ومع ذلك كان من في الباص يطرب لها ويهتز..نساء في أرذل العمر وأوسطه ومقتبله..وفتيات في طفولتهنَ وصباهنَ وشبابهنَ، ورجال وصبيان وشباب، ورقة وسمو في التعامل...
كان قلبه معرضا وخاطره خامدا نافرا. تهيأ له أن كل قطرة تنهمر من السماء تستحيل إلى جدول أو سيل يختلط بمياه المحيط، تحتوي على سر من أسرار أشجانه في هذه المدينة الشمالية الباردة... ان كل ورقة تسقط من شجرة تعرف طرفاً من ارتعاشات قلبه ونبضاته... وأن كل ذرة تصدرها الشمس فتستحيل في غلالات الشعاع، تمتزج...
وجوه شقراء وأزياء سوداء.. جلس إلى طاولة سوداء تحيط بها كراسي سوداء.. الديكور كله أسود! الملصقات يسارية والجو بوهيمي والروح باريسية.. ذلك كله هيج حنينه لباريس و معاهد أحلامه ومسارب آماله، ومنطلقات روحه وعقله فيها.. ذلك كله أغراه لكي يبحث عن مجلس وكرسي، في هذا المقهى المنزوي في إحدى حوافّ الدنيا...
شرع يكتب بعد أن لاذ بفراشه وقد بدأت خيوط الفجر تؤذن بيوم جديد. لم يطمئنّ بعد إلى هدوئه القديم ولم يستقر على حاله السالفة. أحس بشيء من القلق وتاق إلى شيء من السكينة واليقين... ينظر إلى النافذة، ثم ينظر إلى ما وراءها فتزيد الأمطار المنهمرة من هذا الإحساس السوداوي الذي يملك أمره هذه الأيام! وحين...
لم يُمض حيث يألف سوى بعض ساعة من الزمان.. رغب أن يمضي الوقت في الحديث ومتعة الحديث فلم يظفر من نفسه إلا بخيال شارد وذهن غائب وشعور خامد. حملته قدماه إلى حيث يألف، فوجد المكان موحشاً مقفراً كأن لم يعمّر أمس وأول أمس! رغب في الجلوس في عين المقعد فلم يطاوعه جَلَده، فآثر ألا يفعل خشية أن يتداعى. صلى...
قادته قدماه إلى حيه القديم في فوجيرار ، في الدائرة الخامسة عشرة. رغب أن يلمّ إلمامة قصيرة، وأن يزور مدام أغوادو الإسبانية، حارسة العمارة. انتابته لوعة وشوق قديم وهفا قلبه إلى معاهد شبابه ونضارة أيامه..مر ببائعة الصحف العجوز، لطالما داعبها وداعبته..نظر إليها لكنه لم يجسر على مخاطبتها وهي في شغل...
Paris 4, La Sorbonne Nouvelle نظر أمامه فبدا له طريقه واضحاً كأنه لم يغب عنه لحظة. قرأ أسماء الشوارع فوجدها كعهده بها قبل نحو ربع قرن لم تتغير. اختلس نظرة إلى الشارع السفلي المنحدر من جهة اليمين فوجده كما كان قبل سنوات ... اللوحة التي تحمل اسمه لم تتغير، والسلّم الخشبي المفضي إليه كما كان،...
سلقي، مطلع ١٩٥٦: عربية سيد كجوك. الطفل ينتزع نفسه انتزاعا من مشهد الوداع الذي افزعه ويجري نحو الدار: " داير بيتنا". قالوا، كانت تلك أولى ما جرى على لسانه من كلمات...ثم نحيب عبد المكرّم وانحدار أدمعه واحتضانه الطفل من فرط تأثره من المشهد الحزين.. في شبعانة، ركبت الحاجّة ستّ النساء بنت علي مكي...
منذ اكثر من شهر و أنا في انتظار موعد ضربته مع طبيب في أحد أشهر مستشفيات الخرطوم، حضرت في الموعد المحدّد بدقّة : الساعة الثانية عشرة، ظهر اليوم، ٢٢سبتمبر... جموع من النساء و الرجال تزدحم في قاعة الانتظار الضيقة ، و صياح و صراخ و ضجيج، وزمنى ومرضى في انتظار الطبيب الذي لم يحضر، و الذي ( ربما)...
(1) هل كان يذكر اسم ذلك الرجل، ثم طواه النسيان وما ران على ذاكرته من غبار السنين؟ قصارى ما يذكره أنهم كانوا ينادونه ويصفونه بسيد العناقريب. كان كفيفاً، وكان من أقاصي دارفور، دار مساليت أو دار برقو. كان يأتي إلى دارهم جزافاً، دون موعد مضروب، حاملاً حبالاً ومدىً، يسأل إن كان لديهم عنقريب في حاجة...
تناول وجبته سريعا عقب انتهاء الدراسة. هل كانت من الملوخية التي تفوح منها “قدحة الثوم” ام مزيج اللبن الرائب والثوم وفطاير القمح الساخنة الزكية الرائحة؟ كان ذلك مناط اشتهاء الصبي ومبعث متعته وسعادته، وكانت أمه تسعد لسعادته وتهش لإطعامه. استأذنها في العودة إلى المدرسة. لم يكن يدرك السبب وراء ذلك،...

هذا الملف

نصوص
16
آخر تحديث
أعلى