مصطفى أحمد علي

كل الكلمات التي تعبر عن مدلولات ممنوع الاقتراب منها( بسبب التقديس، أو الغيرة أو المهابة أو الاستبشاع أو الحرج أو الحياء أو نحو ذلك..)، يصيبها البلى وتفقد نضارتها، وتستبدل بها أخرى جديدة ذات رونق نسبي، سرعان ما يخبو، وهكذا دواليك، وهذا مما يدخل في باب المحرمات اللغوية(Linguistic taboo ) كلمة "...
تذكرهما. معهما عرف باريس وحياة باريس...باريس التي يعشقها، باريس الكوسموبوليت : باريس الريغي والمآكل الشرقية والمطاعم الطريفة..باريس الباريسية: باريس مونمارت ومطاعم لوبيز ومقاهي شاتليه وليالي الجاز وجنون الكاتورز جويّيه! تفرقت بهم السبل، وحالت دونه ودونهما الليالي! قام بجولة قصيرة في غنينغباخ...
لفظة "دار" محدودة الاستعمال في دارجة سودان وادي النيل، بينما يتّسع استعمالها في دوارج المغرب العربي. ويقابلها في دارجة سودان وادي النيل، وما وراء ذلك، في سائر دوارج المشرق وجزيرة العرب، لفظة "بيت"، التي ينحصر معناها لدى المغاربة في "الغرفة". ويكاد ينحصر استعمال كلمة "دار" في دارجة وادي النيل، في...
من الدارج في عربية سودان وادي النيل قولهم: "فنّة في الدهر"، تعبيراً عن الندرة، فالأمر يحدث "فنّة في الدهر" وفلان يزور فنّة في الدهر وفنّة في العمر وفنّة من السنة". وذكر عون الشريف في (قاموس اللهجة العامّية في السودان): " الفنّة المدّة من الدهر كالفينة تقول: يجينا فنّة من السنة، أي قليلاً". وذكر...
تبسّمت له ابتسامة بريئة خجولة، ارتعشت لها أضلاعه وما تضمّ، وحينما هبط رآها بجانبه فدعاها إلى شيء من القهوة بعد تردّد، فاستجابت له وقصدا ذلك المقهى القريب من المحطّة، وامتدّ بهما الحديث ساعاتٍ وشملهما ذلك السحر المحموم واستغرقهما حتى نُبّها أن قد أزفت ساعة إغلاق المقهى فغادرا، وصاحبها في الطريق...
الجهجهة والجيهة، وكلاهما من جذر وأصل واحد هو " الوجه والجهة" وإن تضادّا في المعاني وفي ظلال المعاني، واتّخذ كلاهما سبيله سرباً، فتأمّل! ذات ليلة عاصفة من ليالي انجمّينا، سأل الشرطي التشادي الفتى الإريتري، عن جنسيته هو يفحص أوراقه الكندية: - "نفرك ياتو؟" و لما سمع الشرطي جواب الفتى الكندي بعربية...
سمعه يتحدث بلغة يعرفها. حنّ إلى تلك اللغة ورغب في ان يتعرف عليه ويحادثه. تجمعهم الغربة وتجمعهما الملامح. ما أكثر الصفات الخادعة التي تجمع بين الناس، حتى إذا ما ابتلوا بالحوادث وصروف الدهر، تبيّن لهم ما ينطوي عليه الأمر من خداع! دعاه شيتيل يوم أمس إلى دارهم بضاحية باراديس، المطلّة على بيرغن،...
كان ميداناً فسيحاً، وكانوا يسمّونه " النقعة"، قبل أن يبدِّل الظالمون اسمه إلى " الساحة الشعبية"! كانوا صغارا. وكانوا يهبطون إلى " النقعة" صباح مساء، يمتّعون النفس بمشاهدة القوم في طربهم ورقصهم. كان مهرجاناً عفوياً يسمونه"اللعب": يُمَه.. أنا ماشي اللعب.. يُمّه.. أنا كنت في اللعب!... واللعب،...
كان شديد العناية بهندامه واثقاً في خطواته، منعزلاً في مجلسه، يحيط به الغموض، لا يدري أحد اين يسكن ويقيم في دوائر باريس العشرين، لكنه كان يغشى مقاهي معدودة قريبة من المدينة الجامعية، يلمّ فيها ببعض أخبار "عالمنا الثالث"، كما كان يطلق عليه، وكان غالباً ما يحمل صحفاً ومجلات يسارية نحو (ليبراسيون)...
كانت الأصوات تخفت وتعلو، بين همس يختلط مع الأنفاس وصياح تصطكّ له الآذان.تتراوح بين عربية مفهومة، ونوبية يتبين المرء حروفها ولا يفهم معناها. الوجوه سمراء وسيمة، والثياب جلاليب بيضاء وملاحف صوفية تميل إلى اللون البني. شدني هذا التناغم والتباين بين الألوان، في الوجوه وفي الثياب. ركبنا في المقدمة...
نظر إلى جبال التاكا، فبدت له للوهلة الأولى وكأنها ذوب الصخور، صهرتها السماء وأراقتها! أحسَ بطعم آخر مختلف لتلك الدنيا طعم لم يألفه في أيَ من بقاع السودان الأخرى التي يعرفها و يألفها في مديرية دنقلة وفي ديار البقارة، في سهول كردفان ودارفور، ومرابع الجزيرة. الوجوه مختلفة.. ثم الأزياء، كانت تضفي...
كانت المغنية تزأر بصوت واضح جلي النبرات، وكان كلامها أو غناؤها بسيطا بريئا قديما فيه شيء من التاريخ، أسماء الناس و الأشياء تكاد تكون مجهولة، ومع ذلك كان من في الباص يطرب لها ويهتز..نساء في أرذل العمر وأوسطه ومقتبله..وفتيات في طفولتهنَ وصباهنَ وشبابهنَ، ورجال وصبيان وشباب، ورقة وسمو في التعامل...
كان قلبه معرضا وخاطره خامدا نافرا. تهيأ له أن كل قطرة تنهمر من السماء تستحيل إلى جدول أو سيل يختلط بمياه المحيط، تحتوي على سر من أسرار أشجانه في هذه المدينة الشمالية الباردة... ان كل ورقة تسقط من شجرة تعرف طرفاً من ارتعاشات قلبه ونبضاته... وأن كل ذرة تصدرها الشمس فتستحيل في غلالات الشعاع، تمتزج...
وجوه شقراء وأزياء سوداء.. جلس إلى طاولة سوداء تحيط بها كراسي سوداء.. الديكور كله أسود! الملصقات يسارية والجو بوهيمي والروح باريسية.. ذلك كله هيج حنينه لباريس و معاهد أحلامه ومسارب آماله، ومنطلقات روحه وعقله فيها.. ذلك كله أغراه لكي يبحث عن مجلس وكرسي، في هذا المقهى المنزوي في إحدى حوافّ الدنيا...
شرع يكتب بعد أن لاذ بفراشه وقد بدأت خيوط الفجر تؤذن بيوم جديد. لم يطمئنّ بعد إلى هدوئه القديم ولم يستقر على حاله السالفة. أحس بشيء من القلق وتاق إلى شيء من السكينة واليقين... ينظر إلى النافذة، ثم ينظر إلى ما وراءها فتزيد الأمطار المنهمرة من هذا الإحساس السوداوي الذي يملك أمره هذه الأيام! وحين...

هذا الملف

نصوص
23
آخر تحديث
أعلى