رضى كنزاوي

للحظة من الزمن أنسى أنني ميت... وأخرج من قبري كالقمر بين فروع الأشجار عندما يستدرجه عواء ذئب شبق في الليل الى ساحة القتل.. باحثا عن أقرب خياط او أم تسامر الدخان على عتبة بيتها لترتق كفني وتطرز عليه بأناملها الهوجاء كالحرب ورودا لأدثر به جميع يتامى هذه الأرض .. يمكنكم اقتسام كفني كما يقتسم...
أيتها الرصاصة التي أنى ما أشاحت وجهها كانت قبلة موتي.. إن كل ما أملك من حب وهبته لك.. ولم يتبقى بعدك شيء ولو عصروا قلبي كمعجون أسنان.. لأنك تطابقين روحي كما يطابق السيف غمده والإبهام أداة الجريمة... ولولا ضلوع صدري هذه لتاه قلبي خلفك كجرو خائف بين الشوارع و الأزقة نبضه الهدر والعواء ...
يوما ما سيتعفن هذا الحقد داخلي و يفوح كجثة كلب ناسفا كل العطور التي موهت حقائق الأشياء يوما ما سيضيق به رداء الجبن الفضفاض مكشفا عن المسخ الذي لطالما أخفيتموه كما تخفي مومس حملها اللاشرعي... لأنه حقد حقيقي وليس وسادة من الأفلام الدرامية سيقول ها هو ابن الزنا جاءكم أخيرا باسم ونسب وهوية عندما...
أيها البقال أعطني شيئا من الفرح في نصف خبزة باريزية وأزل اللباب لو سمحت.. سأؤدي لك عن كل شيء دونته في (كناش الطلق) فأنا أنوي استثمار حزني، نعم... أوليس من البلادة أن أفعل شيئا أجيده بالمجان؟ سأؤجر دموعي للفلاحين لإستعمالها في الري بالتقطير ولرجال الإطفاء لإخماد المظاهرات و انعاش العاطلين...
أترك دموعي في مقاعد الإحتياط لإصابة بليغة على مستوى الكاحل... وأطالبها أن تأخذ إجازة مفتوحة مؤدى عنها مدى الحياة فل تذهب وتلمع إذن كالنجوم على صدور الراقصات في الملاهي الليلية أو تتأرجح على أفخاذ العدّائين في مضامر السباق أو تأخذ حماما شمسيا على فصاص القرنبيط في حقول الريف الجميلة كبنات عماتها...
أنا مفتاح سداد علبة سردين انكسر في يد عصابي أنا شمعة حلوى ميلاد أبت أن تنطفئ أنا تلميذ وضع كمائنا في مداخل دربه لساعاة البريد بعد انتهاء الموسم الدراسي أنا سمكة كمموا غلاصيمها والقوها في البحر أنا تشنج في كاحل الموت وهو يراوغ رأس جندي أولم خوذته لجرذ أنا سعال حاد ملح ومحرج في قاعة انتظار أنا...
قمامة تقف خارج حاوياتها لتستنشق بعض الهواء الرطب .. ممرات راجلين لم تطأها قدم منذ نشأة الجير الأولى... حافلات نقل تتساءل في ريبة وحيرة بعد أن أجرت عمليات جمع وطرح وقسمة وضرب كيف لمقاعدها الأربعين أن لا تستوعب عشرة مواطنين؟. موت حذاء وكسر أربعة أقدام وحمل غير إرادي بين رجل وامراة أثناء زحمة في...
جميع من في قلبي ماتوا ماتوا جميعا.. و مات معهم كل شيء... إلا ما استثناه النسيان لكنهم يعودون من لقبوا أنفسهم ذات يوم أصدقاء إخوة أو أقارب... منجرفين مصادفة عبر سيل الأنام في الشارع أو أمام رفوف السوبرماركت وأحيانا على شكل صور... يقترحها عليك العالم الرقمي فجأة و بوقاحة حذاء زائر على سجاد...
بعدما فشلوا في تحويل شاعر وحشي.. كالحشائش التي تنمو على حواف الخرائب ببول العابرين إلى باقة ورد هاهم يطوقونني الآن كما تطوق الضباع غزالا في البراري... بتهمة نشر عدوى الحزن وكتابة قصائد رخيصة دون استعمال واقي ذكري. أرفع يداي أخر على ركبي... أستل منديلي الأبيض من جيبي كساحر فأعصر أنفي .. ولا أعلن...
عقرب الساعة تردد قبيل ولوج الواحدة صباحا... كطالب أمام مبغى زهرة الآكاسيا تحمل زجاج الندى بعناء .... وأسيح ممعنا في الأصفر الضبابي... لأنه ذات ليلة كانت هناك فتاة لم تسمح لي بدخول قلبها فمكث طويلا أنبح وراء ضلوعها ككلب حراسة... نجوم فضولية تطل من خلال نافذة على شاعر يهادن الحزن ويفرك أذنه بسداد...
ما هذا الجسد لروحي سوى حذاء ضيق والمسافة بعيدة كالصدق والطريق وعرة كمستنقعات الدم الآسن..... لكنني سأحتفظ بدموعي في عيني كدين في كناش بقالة وجوعي في بطني وحقدي في قلبي وشِعري بين أناملي الصدئة كمسامير نجت بأعجوبة من الغرق على أشلاء سفينة وأمضي كلغة البدائيين .... دخانا بين الشعوب والقبائل ...
كانت حياتك أقصر من سيجارة دخنها معلم على رواق قسمه بعجالة... وانصرف إلى تلامذته كان يجب أن تفسر الحياة بطريقة أقل تعقيدا من استيهامات الفلاسفة والشعراء... كان من السهل ان ترتئي مثلا إلى أن سبب الزلازل التي تودي بحياة آلاف البشر في سائر العالم راجع فقط لامرأة عجوز تدغدغ بلاط بيتها بمكنسة ...
كسرت قلبي عندما وضعته سهوا في جيب سروالي الخلفي وجلست عليه في مقعد الحانة.... (كنت سكرانا) نعم ، هو محطم الآن ، مهشم فبالكاد جمعته أجزاء... و ألصقته بعلكة مضغتها حتى استنفدت طعمها الحلو... لكنه مازال يستطيع القتال مازال يستطيع السقوط من علو عينيك الجميلتين كبسمة اندلعت بين شفتي يتيم على حين...
أتجول وحيدا كالموت.... وفي جيبي أحمل تبغا باردا قصائد قديمة وكاغد البسكويت الذي لا أحفظ اسمه روحي ممزقة كآخر صيحات موضة الجينز والعشوائية تقودني كسفينة عمياء.... ربما أنا نرد أمهق أو شعور بالالتزام إتجاه خطيئة ما.... لماذا إذن كلما مررت من زقاق إلا وسمعت أبواب ونوافذ بيوته تصفق بقوة؟ كلما اقتربت...
أكره الشعر وما ينجم عنه من مخاطر لكنني أكتبه مضطرا كنت أتمنى أن أعبّر عن ألمي بأن أطفح كذلك في السكر وأصرخ كجارنا الذي كان يعود إلى الحي معربدا في ساعة متأخرة من الليل كان صوته يصل إلينا صحيحا لكن ضمن مساحة محسورة جدا لا تتعدى جدران الزقاق المجاور ... لو وجدت كحولا أو أي سم آخر يعطي حنجرتي القوة...

هذا الملف

نصوص
44
آخر تحديث
أعلى