عبد العزيز بركة ساكن

الشمسُ تمضي نحو مغيبها اليومي الروتيني، وكنتُ أجلس أمام باب بيتي، قريباً من عمود الإضاءة الذي ليست به أسلاك للإمداد الكهربائي وسوف لا تكون به إلّا إذا تحققت مشيئات معقدة أو معجزات بشرية كتلك التي في كتاب الطبقات لود ضيف الله. إنهم وضعوه هنالك كدليل على إنتهاء الحرب وبدء عمليات التنمية، التي لم...
عَلى حَوافِ البِنتِ، البِنتُ و الإشتهاءُ النقيُ، جزائركُ المنتقاةُ، سقسقةُ المكانِ، دوائرُ الإلتصاقِ، حُمى العِشق، دَاءُ الرعشةِ، على حوافك تسترخي البحارُ المسحورةُ تبتلع سفنَ دمٍ متعجرفٍ وحارقٍ، في ظلمةِ الفُسِق النضرْ، محراب التوبة يشيده كل صباح سُلطان العاشقين، وينفيه الكلبُ المُثقف الأنيقْ...
عمري الآن خمسون عاماً، وهو نفس عمر أمي حينما توفاها الله منذ ثلاثين سنةً بالكمال و التمام، وأحكي الآن عنها ليس من أجل تخليد ذكراها الثلاثين، كما يفعل الناس أن يحتفوا بذكري وفاة أمهاتهم اللائي يحبون، ولو أنني أحبها أيضا إلا أنني أحكي الآن عنها تحت ضغط و إلحاح روحها الطاهرة، أقول ضغط و إلحاح،...
ما كان جدي لأُمي عبد الكريم إدريس يعرف شيئاً عن هجرات العرب إلى إفريقيا ولا التأثير والتأثّر الذي حدث نتيجة هذه الهجرات، ولم يبحث عن تفسير معقول لشرح وضعية أسرته وحالته الغريبة والمُربِكة. فالبلالةُ قبيلة إفريقية قديمة استقرّت حول حوض بحيرة تشاد بوسط إفريقيا، وهو يتحدّث لغتها كلغة أُم، لكنه...
البيت بيتي، وبيت النملات العجولات، الستائر القديمة والمروحة. بيت السحليتين الصغيرتين والفارة البيت بيتي وبيت الضب والعنكبوت وبيته، وبيت الذبابتين العالقتين بخيطه،وبيت الثعبان الأرقط المتربص بي: الحيَّة مصنوعة من الخشب أهدتني إليها سيدة ومعها قبلة. البيت بيتي وبيت الكتب الصفراء، شنوا أشيبي،...
انتهت المعركة الصغيرة التي أيضاً أمنحها بكرم لقب التافهة، حيث خضناها ضد المسلحين المتمردين غرب جبل مرة بإقليم دارفور، تحت سلسلة جبلية بغيضة لا ماء فيها، لا ظل، ولا حتى هواء يحرك عناد أشعة الشمس الحارقة العنيدة المرابطة على مراكز رؤوسنا. ما زالت رائحة البارود تعلق في الهواء، أنين الجرحى وصرخات...
استيقظت فجأة، أو قل كما هي عادتي، في آخر الليل، دفعني قلق لئيم إلى أن أتمشى قليلاً في الطرقات الفارغة طالما كان هناك قمر وأنجم قليلة وجو معتدل ورغبة في المشي، مررت ببيته عند أول منحنى الطريق، لا شئ غريب فصوته ما زال بذات العمق وذات الدفء يحلق حول المكان كسحابة من النشوة والحب والورع مترنماً: يا...
البحث في الأدب الإريتري المكتوب باللغة العربية، تحديات كبيرة ومعضلات قاسية، كالبحث عن بقعة ضوء في ثقب أسود، نسبة لشح المصادر والغموض الذي يكتنف كل ما هو إريتري. فمنذ أن كتب الروائي الإريتري الأكثر شهرة والمناضل محمد سعيد ناود (1926 ـ 2010) روايته الموسومة بـ«رحلة الشتاء- صالح» التي تعتبر أول...
المدينة تحيط خاصرتي بساعديها، تقلبني. ويسيل لعابها في فمي. بقايا زيت محروق. عوادم سيارات عابرة القارات. مزمور مشوي بزيت مسرطن. مطر حمضي ازرق. بطاريات يقطر منهن حمض الكبرتيك. اسماك ميتة تطفح في بحر الرغبة وبقايا جرذ اعمي تحملق في عيني: المدينة تطوق خاصرتي. تحقن قلبي بالإسفلت وشحم بلاستيكي السحنة...
أجل، أبيعك بقبلة، يا سيدتي وورقة نحاس صفراء ، تلوحين لي من بعيد شاكرة أم غاضبة لا أفهم، يداك تعرفان السر، أصابعي تتفقدان حموضة الشجرة وتتوهمان ـ بين لحظة وأخرى ـ أن ينفجر الكنز المسحور ينثر أقماراً كثيرة وبرتقالات وزيتوناً وزيتاً!! لا يدهشني القطن الأسود، سوف تثارين وتَقبلين ثمن القبلة ملحاً...
قالت لي أمي في الحلم: ـ الدنيا زائلة يا ولدي. قلت لها وأنا نائم: ـ ليس صحيحاً، نحن الزائلون، الدنيا باقية. حاولتْ أن تبتسم، لكن الموتى في الحلم عادة لا يستطيعون الابتسام لأن هرموناً خاصاً بانفراجة الفم في تلك الصورة السحرية لا يتم إنتاجه في الحلم. ثم وقف الموتى صفاً واحداً أمامي: جدي عبد الكريم،...
إذا قٌدِر لي أن أحدد عددنا في ذلك اليوم فاننا قرابة الستين طفلا، تتراوح أعمارنا مابين السابعة و الثامنة،بعضنا و أنا واحد منهم ، ماتزال قنابيرنا في مقدمة رؤسنا مبللة بالزيت وعلي أعناقنا تتدلي التمائم التي تحفظنا من العين و الحسد وتبارك أيامنا وتهبنا الحظ الجيد و الخير الوفير، كنا نتحدث جميعا في...
بعد ست سنوات من الحياة في مدينة الخرطوم والدراسة المتواصلة، عمدت اجاك للعودة الى مسقط رأسها في ابيرو، وهي قرية صغيرة تابعة لمحلية شويبت برمبيك ولاية البحيرات بجنوب السودان، و على الرغم من الإنقطاع الطويل عن ابيرو، إلا ان أجاك مازالت تذكر كل شيء عن القرية، ولم تنس اللغة أو العادات و التقاليد،...
أشم بأنفي الأصوات، وأنفي لغتي بين المعني والمبهم، أنفي ثرثرة الأضداد، أنفي أسئلة لإجابات توغل في الإبهام وفي التاريخ..... جاءوا في الصمت، كانوا عسساً وصراصيراً قتلة، كانوا زرازير أبابيل، وأنا أقود قبيلة جدي لهدم الغفلة أركب فيما يركب أبنائي فيلاً، في السر توسوس لي نفسي أن أفعل،أن أطرد من أرضي...
يلتقط الأصداف بأنامل قلقة لكنها بصيرة ماهرة : تري، تحس و تقرأ في نفس لحظة اللمس، تقوص قدماه في مياه النهر الدافئة، يسمع أنين الرمل تحتها، كان يستهدف الأصداف الكبيرة ذات النهايات التي تشبه منقار النسر، هي كثيرة تقبع في المياه الضحلة، ولكن العثور عليها يحتاج لوقت و خبرة، هذا هو يومه الأخير في كلية...

هذا الملف

نصوص
29
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى