عبدالعزيز فهمي

ههنا يرسم البلاء حدوده يَشِم الشفقَ بالآهات لا خطو للخطو في ظلال الألم لكننا نعود لنقول للشجن لماذا تحتكر الطريق تسد المسام كالكلام في فم متعب؟ لماذا تملأ الندى بالشوك والرماد؟ لطائر الفينيق أن يغرد في الشرايين يعود الدفء إلى النظرات تنفتح الأبواب على خضرة الربيع تشرع النوافذ على تغاريد العصافير...
أي باقة أهدي إليك يا أماه؟ الزهر يدمع في الطرقات حزنا وحمى أي باقة أهدي إليك؟ جاء الربيع في الموعد رعد وبرق مطر يقبل خضرة الشجر عصافير تغرد كسرب أطفال في ساحة مدرسة جاء الربيع يا أماه لكن لم يجدنا صرنا في البيوت أمتعة جدرانا أفواها نتكلم يقظة ونياما صرنا نخاف لمسةَ ظلالنا سعالَ الريح في نوافذنا...
جئتك من جنوب الزمان في يدي كلام الصحراء نبوءة السراب لستُ قيصر الروم ولا كسرى أنو شروان وليست لي عصا موسى كي أهد ما كدَّستِ بيننا من أهرام يا سليلة كيلوبترا يا عاشقة المحال يغريك أن تستحمي في بركة آهاتي تلزمينني أن أعلب لك النيل في دمعة أنْ أقطف لك كل زهور الدلتا أقطرها على شفتيك قبلة أنسجها على...
حين انتهى الكلام لم تغلق الأفواه دروبها بقيت مفتوحة من جهة الصمت من جهة السؤال... هل الكلام ينتهي؟ الكلمات على الأرصفة تقود الأقدام إلى التيه تزرع الحيرة في القلب تخيط الطرق بأحذية تئن وتبكي للأقدام وجهة الأمكنة المسافرة فلا تسافر في المعاني لا تهاجر إلى النوايا لكل كلام كلامه... لا معنى للمعنى...
سألتقيك رغم الحزن والحجر ورغم الغضب والملل والتعب سألتيق يا أنا فأينك....؟ لا المرايا ولا فناجين العرافة ولا ملابسي ولا أحذيتي ولا كل أوراقي الرسمية ولا صوري الكثيرة في هاتفي ولا أنا نعرف أينك... سألتقيك في هذا الصمت وهذا الفراغ وهذا الغياب وهذا القلق وهذا الهذا الذي لا أعرف وصفه لك وفي أنا يا...
اختلفنا كثيرا كما يختلف رجل وامرأة حول لون الشاي وطعمه حول أسبقية الدجاجة والبيضة حين نكون جائعين كالصحون الفارغة حول الشروق في عينيها حول الغروب في حيرتي وحول لغة المطر على سطوح الطين والخشب واختلفنا عن أي نوع من الشجر يستعد الأول للفرح في الحدائق وفي الحقول هي لا تدرك ما بي من وجع وأنا لا أعي...
لا تفتح رسالتك لا تقرأ ألم الزبد فخلف الكلمات مشانق تلوِّح وتغني وبين الكلمات ظلم يرقص ويعوي يا "طرفة بن العبد" اُسكب شهقة الراح في كأس العمر ففي الحوانيت يتلو السراب وصاياه على الليل شَفّافا كحُلم الماء في الصحراء حالِكا في الخوابي المعتقة كوهم الزمن اخلع قمصانَك الملوثة بالبياض اِنْسحب من كذبة...
لأكتبَ الشعر فيك وعنك أحتاج دروسا في الفيزياء لأفهم قوة جاذبيتك فأحكي... وسرعة بريق عينيك فأنتشي... لا حاجة لي بالمنطق ولا بالحساب فهما كاذبان كالصفر أمام كل الأرقام لا يدركان أن واحدا زائد واحد واحد في حكم الملموس والمجرد فأنا وأنتِ مثلا منذ تعارفنا وكان هذا الشيء الزئبقي بيننا صرنا كما أعلم...
ليس لي رأي عن حذائك الأسود ولا عن معطفك الأحمر لا رأي لي عن بقائك في السرير حتى منتصف الليل يوم الإثنين ويوم الأحد لكن لي بعض الملاحظات حول بسمتك التي تعلقينها على هدب القمر حول نظرتك وأنت تمشين على الأرصفة كنخلة محملة بعراجين البسمات سأدربكِ على السير في صراط يستقيم حين تكون وجهتك إليَّ يعوج...
مثلا أكون الغيم تكونين المطر هنا سنبلة هناك حبات قمح يرقص بينهما شعرك تضحك لهما عيناك زغرودة تملأ رحاب الشوق في بيادر القبل... مثلا للغربة مجاز ينفتح على الأسئلة مكانكِ يحاور زمني حين يلوذ النهار بالليل وتشتعل النجوم في سماء مُدني تحضرين كالشمس وراء السؤال تتضح نظراتي يَبْسَمُ كطفلٍ في محياكِ...
أغلقت باب بيتي من ورائي عبر النافذة رأيت ملابسي ترقص فرحة بغيابي السرير يكنس أحلامي ورائحتي مرآة الحمام تسخر من أقنعتي ومن شاربي الذي يشبه هلالا في سماء غائمة سكاكين المطبخ تتآمر مع التوابل على اغتيالي رأيت التلفاز يعلن وفاتي ألغيت عقد الايجار من صاحب الدار سكنت الكلمات و الظلال فصرت عابر سبيل...
أي سلام في غياب اليدين؟ هل صرنا عدوين إلى هذه الدرجة كي نشيد بيننا كل هذه المسافة نضيف أبوابا للأبواب وأكماما للأفواه المغلقة؟ هل تكفي الأعين كي نتخاطب في النهار وفي الليل؟ تقولين لي برمشة عينك اليسرى أُحبكَ أعبر لك عن لوعتي وشوقي أغمض عينيّ طويلا وأحلم بضمتك أنتصب واقفا أجرك إليَّ تتراجعين غنجا...
"هل صرت ما كنت تريده؟" أم أنَّ أحذيتك مشت بك في طريق لا تعرفه فبكيت كثيرا جُعت كثيرا وتألمت أكثر وتُهت كحبة غبار في كتبان رمل أو دمعة غيم على صهوة يَم قل لي بالجهر هل بقيت كما كنت تزرع الحلم في الحلم تعلق العطر على مبسم الهم كي لا تتعب فتُغم قل لي بالهمس هل لازال قلبك يضخ الحب كل يوم كما يضخ...
كان لا بد أن أقول لي ما قلته مغرورا لكم فالآن كلي مع كلي في سجال تارة هو عقيم كهذه الحال التي نحن فيها أفواهنا البيزنطية هي التي تتكلم وتارة هو إيجابي خصوصا حين ينتهي بطرح نفس الأسئلة التي بدأ بها يؤجل الحسم إلى نقاش آخر تتوفر فيه الشروط الذاتية الموضوعية أو حين ينتهي على سرد تشابيه لا قاعدة...
ما لهذه القصيدة تئن كقنفذ فقد شوكه وما لها تَعرِج كغراب يخطو بحذاء غيره ؟ لم يعد لي فم يصلح للشعر الكلمات التي علقتها على حبل المجاز عشقت خريف الأغنيات انتحرت في بركة الغموض الحروف التي كانت تلعب في ثغر الصمت لفظها المعنى خارج مبناه لم يبق لي ماعون أُعِدُّ فيه فطورا لصدر البيت المكتنز بالهم ولا...

هذا الملف

نصوص
74
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى