مؤمن سمير

عندما آن أوان المغادرة كنتُ مرتبكاً لكني أقرب للثباتِ ومتفائلاً ، حيث صممتُ منذ فترة علي أن أختفي من هذا المكان ، هذه المنطقة التي تراوَحَت حياتي بين جَنبَاتِها عبر ثلاثة بيوت ، ظلك الذي يجمع بينهم يا أبي ... لكني الآن سأطير ، سأهرب من حَيِّز رائحتكَ ونظراتكَ وملامحكَ التي تحيا وتتنفس في ملامح...
عشتُ طول عمري أحلم بغرفةٍ تخصني تضم ذراعيها على كتبي الموزعة على كل الأركان: في الغرف والردهات وفي المطبخ ودورة المياه ، تحت السرير وتحت الملابس..الخ إلى أن شاءت ظروفنا وانتقلنا إلى شقة أخرى كانت أكثر ضيقاً للأسف وبهذا بهت الحلم وتعقدت خيوطه واضطررت أن أجمع كتبي في كراتين وأتركهم غرباء يتامى عند...
سائقو التاكسي يعطونها قلوباً من القماشِ تُعلِّقها في محيط نظراتها والجاراتُ يصالحن الأحوالَ بالتفكير في الهالاتِ.. الأطفالُ يسبقونها ليسبقهم ظلها تاركينَ خِطَطَهُمْ للسطوِ على ياقاتِ الكِبارِ والبيوتُ تحاذيها لتحفظَ لنا شهقةَ النورِ... ليست أكثر طِيبةً من أَسْرَى الحروبِ لكنها تَمُرُّ فننسى...
الغيماتُ تُحوِّمُ تودُّ اقتناص الذكرى من فمكِ وانتظار الغائبِ الذي يشدو للجحيم... ** عشرينَ عاماً يجلسُ خلفَ الجدار عارياً بلا جسدٍ ولا ظلالَ تؤنسُ خوفهُ... ** الملاكُ الذائبُ في جلدكِ قَصَّ الطوفانُ أجنحتهُ واستغلَّهُ المغامرونَ في قطع الطريق وفي نسيان القبلةِ المسحورةِ التي ظَلَّ القَدَرُ...
.. ماذا وراء المقعد ؟ صوتٌ أو مركبٌ بأجنحةٍ ثقيلةٍ أم أنه الظِلُّ بعدما فرَّ من الشقوق ؟ مرةً أخرى ، الأبُ سابَ لنا ناراً كي يعاقبنا على الخَرَس فوق الضريح ، والولد الذي دُسْتُ على حُلْمِهِ في الحفرةِ ..هَلَّ وطفا.. للسماء، المقعدُ يصعدُ تشيله قوةٌ ليصير صقراً يُحَوِّمُ قرب الفجر .... الحَيَّةُ...
أنتظركَ يا أبي ، منذ أن صَعَدتَ وأنا بردان ، أوقن أنك الوحش الجميل الذي سيلتهمني بعدَ النَفَسِ القادم ، مَنْ سواكَ يشيلني ويلقيني من الأعالي و مَن يأخذ في الصباح ذراعي وفي الظُهْرِ الحبلَ السُرِّيَّ ويحطُّ القنبلة في أحشائي كل ليلة ..... توزعتُ على القاتلينَ من بَعدِكَ يا حبيبي.. ضحايايَ ،...
على سريرنا الوحيد ينامُ أولادي وينامُ ظلي وأنا معهُ على الأرض . أحلامُ الأرض فَظَّةٌ و خشنةٌ : مَلاكٌ يُخرجُ مُديَةً ويطعنُ النظرةَ الأخيرةَ أو رقصةُ صقرٍ تطولُ وتطولُ حتى يشرقَ الذبحُ ... أما أحلامُ السريرِ فناعمةٌ و ليِّنة: جثةٌ تتهادى على الماء كأنها نغمةٌ أو قبرٌ تشُدُّهُ الزهورُ من...
كانت الروحُ تتمسَّحُ بظِلِّي و تقلِبُ في طريقها الذكرياتِ والضَوْءَ وخطوةَ الرجل القصير... الروحُ الضالةُ كلما تلهَثُ تدخل جسد القِطِّ الميتِ فتشتعل عيونُهُ ويُشْبِه سِكِّيناً ويقبعُ بانتظاري. أَهِلُّ وفي ذيلي القَتَلَةُ، يخبِزونَ لحمي وتُعَمِّدهم الأحشاءُ تحتَ ثيابي... أقولُ يا ظِلِّي أغثني ،...
أُغطِّي الكوبَ بكفي كي يتخلل الدخان أصابعي ومعه ضحكتكِ الأخيرة تطير بين زهور الغرفة وتنقش روحكِ على جِلْدي.. لكنَّ الكوبَ الماكر يحبس حريقَهُ بالداخل كأنكِ أنتِ كلما ضحكتِ ولوَّحْتِ لهم وأنا عالِقٌ في صدرِك كالمجذوبِ أو كالطائر الغريقْ..
كان الظِلُّ في اللوحةِ يصرخُ جوعاً والناسُ يمرون عليهِ ولا يلمسون الأنينَ الطافحَ في الحَوافِ وفي اللون المنسكبِ على ظهرِكِ وكنتُ أنا في زجاجتي أدفنُ صرخاتي في الرملِ وأرشُّ عليها من أريجكِ لتصيرَ أشجاراً ينام تحتها يقيني وطيوراً لخوفي الطائرِ وتوبةً نصوحاً لِطَيْفِكِ الأصفى من سورةِ النبع....
حتى وأنتِ تختلفينَ كل مرآةٍ وتزخرفينَ ثِقَلَكِ كل صبحٍ، أريدُكِ .. عيونكِ كأنها في النبعِ عيوني سفينتي طوفانِكْ طيرانُكِ في الذكرياتِ والحَفْر المجنون على الجدرانِ والأظافر التي تطولُ.. : كلهم أنا .. أما جِلْدي الذي يسقطُ مثل الرملِ بعد قفزةِ الذئبِ و قبل اكتمال القمر وعظامي التي تصير شموساً في...
عندما يختبئ الظِلُّ مني أُخرِجُ من جَيْبي سحابتي الخَوَّافةُ دوماً ... أحوطها بالصوفِ مرةً ومرةً بالطينِ ... آكلها وأرتديها ... أَمُطُّها لآخرها وأحرقُ حوافها ... أبدأُ العَرْضَ مبكراً وأُغمِضُ عَيْني ...
كلما تتوقُ نفسي لنفسي ألبسُ خِرقةً وأسقي الهواءَ بشحمي المتساقطِ ، أخرقُ سفناً وأحرُثُ البحرَ بين إصبعيْكِ ... وكلما يجتاحُني البريقُ أركضُ هارباً وأَفُضُّ برعشتي الصُرَّةَ النازلةَ فأجدُ مِسْكاً ثقيلاً أمسَحُ بهِ على ظلكِ الغافي ، فيُثْمر...
الصلصالُ يملأ البيت يغافلنا وينزوي تحت الظِلالِ يخلقُ أحزانَهُ و يضعُ ابتساماتٍ و جحوظاً ثم يصنعُ نَفَقاً للهروبِ... عزيمتهُ اللزجةُ يقُصُّها ويصير بحراً فتمتلئ الصلواتُ بالبشارةِ و بالقراصنةِ و بالصراخِ وكلما كبر أطفالي يعمدهم بالضوء و بالأظافرِ كيْلا يُحَيُّونَ الفرعون بلا حماس... الأطفال...
الأصدقاءُ البعيدونَ هناكَ .. لم يسمعوا صوتَ انسحابِ روحي عندما خَشَّ بحرٌ من النافذةِ وقال سأغرقهُ يعني سأغرقهُ خيالَهُ الأسوَدْ يؤذي بياضَ ذكرياتي .. لم يشاهدوا اكتمالَ النملِ في عصا النبي وحسرتهِ الفخيمةِ كلما طالت أظافري وصارت أقوى واقتربتُ من أن أخترق القمقمَ الأخيرَ وأتنفسُ بعمقٍ على الشاطئ...

هذا الملف

نصوص
21
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى