مريم الأحمد

لو تدلّى فوق شفتيّ شاربان أسودان ..و جحظتْ عيناي أكثر.. لو كانت الساعة المعلقة على بطني بين القميص و الصدرية أكثر دقة.. لصرتُ كاتبةً مجنونة مثل مارسيل بروست.. لو كنتُ سائلاً حاراً أو أسرع بالدوران مما تسمح به كرة أرضية تدّعي أنها أمي.. لصرت قطعة بسكوت ذائبة في كأس بللوري مصدوع.. و لاكتشف العم...
لدى الفرح القليل من الوقت.. لينمو فوق عيوننا...! دعونا نبكي فيما بعد! ما حاجتي للاستعجال ؟ لديّ الكثير من ملابس الطفولة.. لأعودَ شجرة صغيرة.. لديّ الكثير من ملاقط الغسيل.. لتنقر شمس الحب شرفتي.. ما حاجة السماء للبقاء..؟ أكتافنا لمّا تزل تقيم للزرقة قصراً.. لدينا المزيد من الدمع.. لنهاجرَ إلى...
الأشياء التي طلبتها من الله.. طلبتها مرة واحدة و بخجل شديد... حتى لم يكن هنالك داعٍ لذلك.. فهو يعلم ما في قلبي.. و إن كان ممكناً أن يستجيب لرغبتي فهو لن يقصّر.. إن كان مقدراً لي ذلك.. هو الأعلم و الأدرى بحالي.. كانت أمي تدعي لجميع مخلوقات الله.. من طيور و حشرات و قطعان جواميس و تماسيح و بشر... و...
في مسابقة النصوص الإبداعية.. تم استبعاد نصّي من المنافسة.. و لكنه فاز بالمرتبة الأولى في منافسة النصوص الانسانية.. .. هل تعرفون؟ النصوص الانسانية لا تحتاج إلى الاستعارة و الكناية.. و المجاز المعلوك.. تحتاج إلى قلب حساس و صادق. .. هل تعرفون السهل الممتنع؟ هو أن تأسر القارىء في النص.. ذلك النص...
عندما تُقتَل شجرة ... هل لاحظتم اليد الصغيرة التي تبقى وحدها..؟ هل لاحظتم أن النوافذ تنفلتُ من حزنها..؟ و تفيض السماء المترامية جداَ على اليمين.. أما في الجهة الأخرى... أمٌّ أضاعت طفلتها في الضباب.. تذوي. .. عندما تُقتلع شجرة.. تغلقُ أبواب الأرض.. يصبح الداخل خارجاً.. و تمشي الغابة بقدميها...
من باب السيارة.. إلى باب المدرسة.. عشرة خطوات.. فقط.. كافية لأصبح شخصاً مختلفاً.. أتسلح بابتسامة.. و أستنشق بملء صدري نسيم الخريف. من باب الصف إلى عيون الطلاب.. إلى جدائل الفتيات... مئة رواية.. دفتر التوقيع... دفتر التحضير.. أقلام اللوح.. عنوان الدرس.. تاريخ اليوم.. بلا تاريخ... هو الغد.. هو...
جدّي.. جدّف بقلبي.. نحو الصفصاف. و نم في كرومي... ماشاء لك القطاف.. جدّي.. قل لجدتي.. أني لا آنام.. شيطان الشعر يهزّ خطاي.. و أخاف.. من العبور.. إلى يديك القويتين الشاعريتين.. أخاف أن يسرقني النهر.. كيف سأكون إذاَ يا جدي.. كيف أكون.. وردة وحيدة في حديقة الساهرين؟ .. هل تعرف يا جدّي.. صديقتي...
لم أتعرّف على نفسي في الصور.. و لا في المرآة.. أنتظر أن يأتي شخص.. و يناديني.. يا مرياااام! .. أنا الموت الذي تكاثف.. في نزلة حياة حادة..! .. أنا العطسة التي خرجت من صدر اللاشيء… فصرت. .. لم اتعرف على صلابتي في الجدار.. و لا على ملوحتي في البحار.. ربما.. لم يستيقظ ذلك الذي لم ينم بعد! .. لم...
الجنود الذين ذهبوا إلى الحرب.. و عطلوا ساعة الحياة في معاصمهم.. اتجهوا جنوباً.. جنوباً جداً.. أبعد من كلّ جبل.. أبعد من كل نهر.. هناك لا تعني الأرغفة شيئاً.. و لا ضحكتهم الأخيرة شيئاً.. هناك.. طيور غريبة في العراء تنبتُ ريشاً صناعياً.. و قلوباً تتدحرج من أعلى الهزيمة. لم يعد الجنود.. .. في قسم...
أريد العودة إلى بيتي.. لكن.. ليس لديّ مال.. أو هوية.. و ليس لديّ صديق أو ربّان سفينة جريء.. يخبّئني في حاوية الأرز أو الطحين..! ليت لي قوقعة على ظهري..!! أو حراشف حادة لأعبر المحيطات.. أمي الآن قلقة عليّ.. أبي يأكله الندم لأنه طردني.. و أخوتي ذهبوا برحلة جماعية إلى أرض الجنوب..! أمسكوا أيادي...
لو تركتَ الشجرة.. وحدها.. لرمتْ ثمارها أرضاً.. من تلقاء نفسها..!! لو تركتَ الناس يرحلون عنك..!! لخفّت أحمالك و لربما نبتت لك أجنحة..! لو أننا لم نستر قبحنا بالكلام و اقتلعنا تلك العضلة التي تحرق الحروف الغضة.. لما بدونا عاجزين كما نحن الآن. لكن " اليد القصيرة.." التي تشعل حروباً و تطفئ أعيناً...
لم أسبح في النهر.. و مع ذلك غرقت..! .. لست حفنة رمل.. كيف اختفيتُ إذاً في فجوة النسيان.. ؟ .. أنا مجرد جثة.. لماذا رصاص حزنك.. يؤلمني؟ .. كيف تناديني أمي.. " يااااا مرياااااااام!" كيف.. و قد حطم روحها الغياب؟ .. ظهرك يؤلمني.. هات أعباءك.. و خذ فراشات نومي. .. أورق.. و أورق في عينيك.. و لم يزرعني...
الأخبار العاجلة.. قمصاني المكوية بإتقان... و خواتمي العقيق.. ألبوم صوري.. حين كان عمري يوماً.. جميعها رحلت.. لبلادٍ أخرى... آفلة. .. ملامحي في صورة العائلة .. في بيتنا.. بيتنا الكبير بيتنا الفقير.. ما بها تعطس و تعطس.. سقوفاً مخلوعة.. و أوراماً قاتلة .! .. ذلك النهر الذي ادّخرت ماءه من العدم...
لم يكن في بيتي بطيخة.. و لم يقطع زوجي رأس القط بعد العرس. لم تتوحم أمي على بنت بيضاء كالثلج.. خدودها حمراء كدم الذبيحة.. عيونها سوداء كجانح خفاش.. فجئت صفراوية.. على شكل بطيخة.. كان لقبي.. بطيخة.. و لقب البنات في الحارة.. بطاطا.. وقت الركض.. كانت الفتيات أرشق .. وقت الجوع كنّ أشهى... .. على...
عندما أصبح في الثمانين.. سأتعلم التدخين.. حين.. لا أحد يحتاج قلبي.. لن أخشى عليه من التفحّم.. حين لا أحد يعنيه إذا ارتفع صدري بالهواء أو تراجع..! حين أفقد أسناني.. لن أخشى عليها من التصبّغ.. حين لا أهتم بلون شفتيّ السوداوين.. و لا المرارة اللاذعة على لساني.. قلتُ لنفسي سأدخن كثيراً.. في الليل...

هذا الملف

نصوص
17
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى