مجدي حشمت سعيد

حانت لحظة الرَّحيل فاتجهنا حاملين حقائبنا وحسرتنا نحو الحافلة التي ستخطفنا من حلمنا الجميل لتلقي بنا في زحام مدينتنا الخانقة بعد أن أمضيت مع زوجتي أسبوعًا كاملًا في المنتجع الشاطئي الساحر على البحر رفقة بعض زملائي في العمل وأسرهم. صعد السائق إلى الحافلة ثم فتح باب الرُّكاب الذين همَّوا للصعود...
يسير في طريقه مهرولاً حاملاً فوق كاهله هموم الدنيا كلها، اعترضه فجأة رجل وقور، صافحه بحرارة أدهشته فسأله متوجسًا: - هل تعرفني؟! أجابه بهدوء: - وهل من المُحَتَّمِ أن أعرفك. زادت دهشته واستطرد: - ولكن أنا لا أعرفك. ردَّ عليه ببرود: - لا يهم ... أنا أخوك في الإنسانية. أدهشته إجابته فسأله...
وُضِعْتُ على بداية السُّلَّم، وقفتُ، نظرتُ إلى أعلى، ياله من سُلم شاهق! بدأت الصعود بتمهل. مازال الدرج طويلًا، أسرعتُ، ثم زدت من سرعتي بأقصى ما أستطيع. أصابني الوهن، وقفتُ لألتقط أنفاسي، فكرت في الرجوع ونظرت خلفي وأسفلي فلم أجد إلا الفضاء! ياللهول ...اختفت كل الدرجات التي صعدتها، ارتقيت...
لفت نظره بطاقة حمراء تتقاذفها الرياح الشديدة فتتطاير بجنون فوق سطح الأرض، جرى وراءها ثم قفز عاليًا عدة مرات حتى تمكن من التقاطها، اختطفتها الرياح من بين يديه بعيدًا قبل أن يكمل قراءة ما فيها، علق بذاكرته أنها دعوة إلى حفل في المغارة الكبيرة أعلى الجبل المطل على البلدة. تعلَّق فكره بهذه الدعوة...
هذا الرجل أصبح لا يُطاق بالرغم من حبي له! انتهى أخيرًا من ثورة بركانه العاطفي والجسدي المقيتة وتركني ألملم نفسي وأمسح دموعي وألعن تلك اللحظات التي يغرقني فيها بفيضه، أصبحت أهرب من علاقاتنا الزوجية بسبب طقوسه العاطفية المُمِلَة التي يؤديها وفق برنامج رتيب مضن يغرقني فيه-رغمًا عني-في بحور حبه...
لا أعرف بالتحديد متى بدأ يحدث هذا لي، كل ما في الأمر أني لاحظت نقصان وزني الذي يزداد كل يوم عن سابقه، فرحتُ في البداية لهذه الميزة التي يدفع الآخرون أموالاً طائلة لدى أطباء التخسيس ويتبعون نظمًا غذائية قاسية ومكلفة من أجلها. فَرَضَتْ تلك الظاهرة نفسها على تفكيري حين بدأت زوجتي تلاحظ هذا التغير...
سمع طرقًا خافتًا على باب شقته وهو جالس أمام التلفاز، نهض متكاسلًا ليرى من القادم إليه في هذه الساعة المتأخرة من الليل القارس البرودة ويطرق على الباب بدلًا من الضغط على الجرس؟! نظر من عدسة منظار الباب فوجد جارته الحسناء التي سكنت وأسرتها الطابق العلوي منذ شهور قليلة واقفة تتلفت حولها بقلق وتوتر...
أشاح بوجهه بعيدًا عنه ليداري دمعة غلبته وهو العصيُّ الدمع، غامت الدنيا وأظلمت الشمس وأبرقت السماء وأرعدت ثم هطل السيل في محاولة منه لخلق اتزان طبيعي يعادل تلك القوى الخفية التي أحدثها سقوط دمعة واحدة من عين أبيه حتى لا تتهاوى أسس البسيطة، أصابه الفزع لإدراكه بأن والده في أشدِّ حالات حزنه وغضبه...
دون اللجوء إلى المقدمات البليغة المنمقة أقول لكم: إنه نظرًا لانتشار الوباء بعدوى "فيروس كورونا" اللعين ولظروفي الصحية الحرجة وسنوات عمري السبعين شدَّد الأطباء عليّ بعدم الخروج من المنزل إلا للضرورة القصوى وعدم استقبال الضيوف خشية أن تنتقل العدوى لي خاصة وأن بعض الأشخاص يحملون الفيروس دون أن تظهر...
التهب رأسه وانصهر مخه، اضطرب جسده بشدَّة وارتعشت أطرافه مشاطرة له، انتفض من رقاده فجأة رافضًا الاستسلام لفكرة الموت "الفطيس" دون أن يأخذ موقفًا، أسرع إلى الشرفة وفتحها بقوة غاشمة، صرخ عاليًا بجنون في مّنْ لا يراه: "لا...لا...لا" عاد يتقلَّب على سرير قلقه بجانبيه المهترئين وظهره الذي يئن...
الشمس الحارقة تبخ الصهد فتكوي جسده المُنهك السائر مترنحًا في الطريق إلى منزله الذي بَعُدَ اليوم كثيرًا عما اعتاد. لا يقوى على السيطرة على أطرافه وأعصابه بعد يوم عمل حار وشاق ومؤلم احترقت فيه أعصابه ففقد عقله السيطرة على أفعاله كدأبه كلما اشتدَّت حرارة الجو. اتَّهمه زملاؤه بالجنون وألقوه في...
أطلقوا سراحه بعد زمن طال فانطلق يعدو فرحًا بحريته، لم يكترث لنظرات الناس الغريبة له في الطريق وهروبهم من أمامه. دخل أخيرًا إلى منزله بعد أيام من المعاناة مع أشباه البشر، ألقى نفسه على فراشه بملابسه البالية، نادى على زوجته التي جاءت مهرولة من المطبخ فأصابتها الصدمة لمرآه وعَلَتْ صرختها مدوِّية،...

هذا الملف

نصوص
12
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى