حمزة باشر

نجلس وحدنا أنا... وساكنة... ككل يوم، نرتب فيه مشهدنا للفجر أمسح الأرض بيدي ، أتكلم ببطء، كسل مشدود في الحديث عتمة من وراء الباب، حين تنظر للخلف أنوء بحملِ قلبِ يشهق، يئن، الألم في انتشاء مباغت ذاكرة تتوجّع حد المرض ولا نزال ننتظر... أغفو قليلا، بين يَدي ساكنة صبية يغمرهم الموج ديك...
ذات يوم ما في مثل هذا الوقت عند الصباح ذاك يوم آخر أجثو مليّا لأنعش تعبي الفضي عودي المرافق للوجع ذاكرتي التي تتحطم امرأة التي تربي نهدها بفم الحليب تمشي، في وسط الشارع شاعر يتفقد الجدار ضاعت ساكنة الأخرى بين ذاك الجدار وذا الجدار، يهب الظل ممتدا بداخل جسدي الآثم منذ لعنته الأولى، تجرّه الكلاب...
إنها تُمطرُ، أكثر سِعة من أمس هذا اليوم، ريشة طائر يتعالى قطنٌ يلبس جِلده، أبيض وجه الفلاح، أقلّ حموضة وجه النهار، لإنها تمطر إنهار البشري خلف حصاده، كتب الضجر الفرح، تيمة عُلّقتْ بالأرجل هو الرقص، كتاب العابر يجهلُ بداهة الأشياء، من عمق هاتيك الفجوة، صدى يصدأ، قال المسافرُ أبغير...
ها أنذا... قالت الريح في رحلتها البسيطة ثمة ذكرى ترافق ذاك الشروق الثمل رغم تفتت الأيام وتطاير القشِّ لا يزال الأبنوس يقاوم توغّل الأرضَةَ في جسده الصلب من ركام ذاك الفُتات أسحب لغتي أغنيتي الأولى من فم الثعبان ضرباتي الموجعة لأميَ الأرض أغرس تلك الأشياء في ذاك الكوخ المبعثر أحفظ...
الحياة هنا.. نكهة ذبول هي الصفة التي تثير كل شيء بريق المساءات طلليات الفراغ رعشة الحمّى والغد... ذاك الذي يفيض بالأضداد من قديم الزمان جرى في العهد الأول أن يُكتب هذا الكائن البشري بحبر الغراب هي سمة الإنسان العاشق للأغوار فناداها بالحنين في ألواحه حين كانت تنبض بشيء واحد...
أتأمل نافذة رسمت فيها "الأَرَضَة" حبالا طينية تتحرك تحت جلد "الناموسية" الممتد، إلى أقصى جسدي تصحو ضفدعة تتجول كي تحرس رهافة المنام وأنا... وسط هجين الرؤية المكلل بالغموض أتأمل في اللا شيء الملتبس بالظلام غيابي أطيل نظري المرتد نحوي ببطء لا أرى شيئا غير الفراغ... في هاتيك المدن المطلية...
لم يدم طويلا خريف الأيام التي تداعت لظرف طارئ في السماء لأن الملاك هو من يرتب لها نظافة الأرض ارتضعت بقرة من نهر يلبس لينه أغاظ ذلك كرامة الأرض وصوت الفلاح الكادح تسهر أفئدة هناك، سيدة استقالت من تعب الشمس عاتبتها عيون الصغار تلك التي لم تدم طويلا حين اكتشفت ان الدموع تضج بالفوضى...
ها هو ذا يطل غدنا الذي ما انفك يرسم صورته البائسة هو خرير أغطية كورته حد الوتد كلميني أيتها الأرض علمي طيورك كيف تحلق دون أجنحة دوني في قلبك الممتد صلاة راهب يبحث عن الذهب بشري أحفادك بالخذلان المستمر بالضجر، بالتعب النبيل، بقساوة الفجر بالأنين... أيتها الأرض ها هو ذا نحّات الأقنعة...
الصباح... يبدأ كل شيء في ترتيب الأشياء المنتعشة يتسلل الضوء، يضحك بين ظلال المارة وجه يكسوه وهج النار الملتهب تبدأ ملامحه تتشكل فوضى ضاربة بوجه العدم تعاتب الملكوت في جبروته لا يلوح إلا الفراغ وخطى السيد تجمع الخراب في تنظيم الخطى المتبعثرة أقدام تتحرك، يلفها السعف تلبس نارا تُضرم...
تبدو لوهلة تصير السماء مدنا وتتقاطر من أعنتها ألحانا تهبط في رؤوس البشر كغيمة تمشي تلك الآلات الموسيقية تُحدث، ولا تُحرِك شيئا تُسمِع، ولا تَقُول شيئا فذاك اللحن الطاغي يحضر في عُباب الذكرى، تتمرن أغنية التشرد تكتب بارقة، ولا تجود بالمعنى تغوص في العدم، تلك الأشجار الكالحة تلعب، حتى تتساقط تغني...
صوتي تراجع للوراء، يختنق في ذاته ليخرج وتلوح لي ساعة عقاربها لا تقول شيئا ولا تكتب للجسد مصارعه المعدودة لكني.... آه، من وقعة الحزن كنقبلة تتفجر ليست مستهدفة أحدا ولكنها ملّت من انتظار الأوامر صوتي يحدثني... والجسد مدّ جناحه عليّ قم لتقول قم لتمشي قم لتتحر من قوة الجلوس ولكن...
في "مكاكازي" القديمة عند الجدار الناهض في وجه الشرق هناك فتاة تنادي تعال! وريحا تسافر في الريح ليل يغطي سماء المدينة كي يكتب الأمس وفي الغد، كالأمس مثل الحكايات ينفث القول شيئا من السحر كي يوقظ الماء والعشب كان الزمان مليئا باضداده وهناك فتى لا ينام! بل يحلم ليعيد السراب ماء...
هذا هو الماء قال السراب لنا والأرض بادية تتزين باللين ترسم في وجهها مللا يتقمص صورة طفل تلف الكآبة معدنه ويدندن كم تعبتُ وأنا أهزأ من وخزات الطريق نمشي ويكتبنا الرمل في جسد الأرض حين تعيد الرياح صياغتنا أنا ولدنا على الكد علّمنا السطر أن الكتابة تغوي المعاني وعلّمنا الحب لا حب...
"غنيّة أنتِ من الداخل" هكذا قالوا... لم تنتبه يدٌ حين جرحتك سكينة وأطل الغبار.. يزحفُ يمشي يهرول ولأنك نحيلة عبثوا بالكلام وصادروا أثر الفراشات فيك واسم المؤنث ثم قالوا... أنتِ مليئة من الداخل! استنار الحيّ وتبعثرت خطوات الضوء مطلة، من داخل غرفة شاب هناك، كلمة ما، لم تقلْها يدٌ...
صباح المحبة. قيل لي... فلتكن أنت أنت.. ولا تتطلع للكائنات التي تركتك وحيدا، وغادر صفاتك حيث انتهاء الصفات وحيث الحنين إلى الفاجعة قيل لي... فليكن عهدك الآن أنْ تستمع للأنين ولا توقظ الطير من نومه وامش وحدك لا تتقبل طيش السكارى وقفْ حيث صمتك ملتزما بالزمان وملتبسا في المكان ولا تتطلع إلى الدمعة...

هذا الملف

نصوص
16
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى