قصة قصيرة

عاد إلى الشقة متأخراً وهو يخبئها في الجيب الداخلي الذي طلب من الخياط أن يفصله له في موضع خاص فالناس لا ينظرون إلى هذه المواضع عادة. صعد الدرج إلى الطابق الخامس في ذلك المبنى القديم ذي النوافذ المنخفضة. دخل شقته وأوصد الباب بالمفتاح، ثم عاد ليتأكد من إغلاق الباب مرة أخرى. أكمل دورتين للمفتاح...
حضرت الصغيرةُ ويدُها خلفَ ظهرها ، من عادتها إذا صحت من نومها أن تأتي لترتمي على صدري لأقبِّلها على رائحةِ النوم الذي لايزال يكتبُ على ملامحِها أحلامَ الطفولة ،كنتُ مشغولًا بالنظرِ إلى طلاءِ الجدران الرمادي الجديد تارةً وأحرِّك بصري نحو السجادة المزركشة المبسوطة على الأرض ، وإلى الثُّريّاتِ...
بوجهه الحليق الذي لا ينطق بالتشرد، وملابسه المهندمة التي لا تشير إلى خبل، وباتزان خطواته الذي لا يدل على ثمالة؛ يسير في الشوارع منذ زمن طويل مناديًا على أسماء عديدة .. لا أحد يعرف إلى أي أشخاص تنتمي تلك الأسماء: إخوته .. أبناؤه .. أصدقاؤه .. لا أحد يعرف السبب الذي يدفعه للنداء عليهم بهذه الطريقة...
ظهرها المنحني على برميل الزيت الضخم يؤكد ان فوق ظهرها هموم العالم، فالانحناءة ليست دليل الكبر والعجز فقط، ولكنه دليل على الهموم التي تراكمت حتى اصبحت كتلة تتشبث في الظهر "كالحردبة" كلما قست الظروف. تحاول العجوز حماية نقاط الزيت من الانسكاب على الارض، بخفة ودقة تسكب الزيت في تنكة الزيت الفارغة،...
ألقاني صاحب اليدين الفولاذيتين من أعلى درج ما ، انزلقت وتدحرجت الى أسفل الدرج ، غطت لزوجة دبقة ماتم هتكه من ستر جسدي، فقد مزقوا ملابسي وبقي قليل منها لايستر معظم أعضائي ، شعرت بأيد تنهضني وتحملني ثم تنزع عني عصابة عينيّ السوداء التي عصبوني بها عندما تلقفوني من بوابة كلّيتي وأحاطوا بي بصمت شرس...
” يموت على شفتي الطلاء، وتنمو مساحات الفراغ، شتاءات متواترات، يتخثر في نهدي الحليب، حين تختزن خلاياي انكسارات ضوء النهار أشتاق لطائر يمنحني أغنية دافئة” المعذبة H.k ثنيات كثيرة في الورقة، يتتبعها وهو يطويها كما كانت، صغيرة ومكرمشة، وآثار عرق، وعطر النهدين عليها. في الصباح تودعها كفه...
فى عيد ميلادها اشترى لها شجرة عيد الميلاد، حملها فرحا بها قائلا فى نفسه سأنيرها فى ركن حجرتك علها تدفئنا وأنا أقص عليك حكايات عن الناس الذين يتعاملون فى الشارع، وأشكالهم وهم يعلقون الكمامات فى آذانهم ويتبادلون الحوارات والقبل فى الأسواق. استقبلته بابتسامتها المعتادة، أدار الكرسى المتحرك الذى...
كنت: أنا وجَدِّي، دائماً ما يتركنا أهل القرية وراءهم، فكنا آخر من يغادر حقله، ويتوجّه إلى بيته: الناس تقول عن جدي أن "حركتُه تقيلة": ولكنه يضحك منهم ساخراً، ويهمس في أذني قائلاً: إنهم لا يحبون الأرض، بما فيه الكفاية، فكنت أنا أحتفظ برأيي، لأني لو أخبرته به، لمنعني من الذهاب معه إلى الحقل، رغم...
الدفء كان يشمله، وهو داخل الورشة، أما وقد خرج، بعد انتهاء ساعات عمله، فقد نفحته موجة من البرد و... "الزيفة"، جعلت أوصاله ترتجف.. لفّ عمامته القصيرة نوعاً.. أوصلها بعد "مباصرة" إلى ما تحت أذنيه.. قاد دراجته. عشرون عاماً وهي معه.. يرأف بها.. وكأنها من أفراد أسرته لا يستغلها، إلا من البيت إلى...
سرى نبأ في كفرنا انزلق من لسان هنومة الداية تلك التي تدب في الحواري وتتسمع الوشايات، يقولون عنها: أذنها ملقاط وفمها الذي به ناب من فضة وآخر من ذهب يشبه الإذاعة ترغي من راديو فتوح القهوجي؛ وإن ماء سبيل أم عباس مبارك؛ تأتى به جنية من سحابة تنتظرها أعلى جبل المقطم من جهة قلعة الجبل، على أية حال...
بعد رحلةٍ شاقة، قد جابت أربعة عشر تقاطعاً لمدينة بغداد، عادت مع اختفاء الشمس، لخيمتها التي تتكون من أربعة أعمدة من الخشب، مغطاة بصورة دعاية انتخابية كبيرة. جلست "مينا" وهي تعصر قدميها المتورمتين: _آه... متى ينتهي هذا الألم؟ تُخرج من تحت الوسادة صورة والديها، تعانقها بشدة! وهي تحدق بالسقف بعيون...
حميد شاب في نهاية عقده الثالث عامل بناء، حين بدأت أخبار كوفيد تنزح من الشرق عبر القنوات الإذاعية كان حميد قد نزح قبلها من البادية و نزح قلبه إلى مقام التتيم بجميلة (مولات المسمن) التي اعتاد تناول فطوره في المقشدة التي تديرها رفقة اختها، كان حميد يناديها دائما بالحادگة لأنها تقدم وجبات الإفطار...
آتاهُ الله بسطةً في الجِسمِ ، وخمولا في العقلِ ، فرأسه الضّخم المكوّر فوقَ كتفيهِ العريضين المُكتنزين لحما ، لا يفرقه كثيرا عن هيئةِ الثّور ، وكأنّما الغباء المُستحكم استخلَصهُ لنفسهِ دونَ سواه ، وعلى قدرِ ذاكَ الغباء ، ينزحُ بهِ الطّمع كُلّ منزعٍ ، حتى ابتنى لنفسهِ قصورا من الجَشعِ ، مثلهُ...
أين نحن؟ سألني والدهشة صوته. رفعتُ عينَيَّ عن صغيري، الذي انتابته نوبة صراخ منذ ثوانٍ، نظرتُ إلى الطريق من حولي؛ فلم أتعرَّف معالمه. نظرتُ إلى زوجي؛ فوجدتُ الذهول على وجهه والحيرة، لمحتُ ساعة السيارة فوجدتها تشير إلى السادسة وعَشْر دقائق؛ وقت مغيب الشمس. لم يكن هذا امتدادًا لطريقنا الذي نسافر...
يمشي بين أعمدة الهيكل، تتثاقل خطواته، أسمر، عريض المنكبين، شفة غليظة تميز بها أبناء النيل، إضافة إلى السمرة والروح الجميلة، ولكن هذا المساء كان يحمل على أكتافه أعمدة الكرنك بكل ما فيها من ثقل، وكان يجرجر خطواته نحو العتمة، وكأنّه يمشى في اللاوعي، في اللاشيء، عبير الورود اختفى، وصوت الليل وأنين...
أعلى