قصة قصيرة

شعر بالندم لأنه حرّك عينيه تلك السنتيمترات القليلة من شاشة التليفزيون إلى طفلته الجالسة بجواره .. كان التفاته عفويًا بعدما لمح يديها ترفعان هاتفها المحمول فجأة ليتبين له أنها تلتقط صورة مقرّبة لوجه الولد الصغير "جيسون دروكر" بطل فيلم Diary of a Wimpy Kid: The Long Haul .. في هذه اللحظة أراد بشكل...
كنتُ في المقهى، والمقهى كان مليئا بالزبائن، ودخان السجائر يخنق الأنفاس، وفي الخارج الليل والمطر، وأضواء السيارات تنعكس على الإسفلت المبلل، المليء بالبرك الصغيرة. ورأيته يشق طريقه بين الكراسي والطاولات، ويتجه نحوي ونظراته مثبتة عليّ أنا بالذات، ولم أكن أعرفه. مدَّ إليّ يدَه مصافحا، ثم جَرَّ...
وجهي المعلق كان حزينا . اقتربت منه بكرسيّ المتحرك ، مازحته . قلت له طرفة . ازداد عبوسه . أشاح وجهه عني . سألت وجهي إن كان غاضبا مني . أغمض عينيه وكظم غيظه . نما غضب في داخلي . تجاهلته . تراجعتُ للوراء . لمحت طيف ابتسامة على شفتيه . رأيتُ فرح بعادي عنه . سرحتُ بنظري الى البعيد فوجدتُني أتذكر...
- اسمك الثلاثي؟ - غضبان عذاب الغضبان. - اسم الأم؟ - عمشا المفتّح. - مكان وتاريخ الولادة؟ - دمشق 1938 - المهنة؟ - حفار قبور. - العنوان؟ - مقبرة الدحداح. - عنوان السكن وليس العمل! - نعم، السكن وليس العمل؛ أسكن في غرفة صغيرة في مقبرة الدحداح أنا وزوجتي. - طيب يا سيد غضبان، منذ متى وأنتَ تعمل في...
الحافلة شبه خالية، فقط بضعة ركاب مبعثرين داخلها لايلوٌن على شيء. الصخب والوجوم يضفيان على الميدان مسحة عبثية مجنونة حيث تربض الحافلة انتظارا لدورها في الانعتاق، صعد رجل نحيل، يرفل في بدلة قديمة رمادية اللون، واسعة، سأل عن وجهة الحافة، لم يهتم أحد بالاجابة على سؤاله، ولا حتى بالنظر الى هيئته التي...
تردد قبل أن يقول وداعًا، ثم لفظها بهمسٍ وهو يدير وجهه مبتعدًا عنها، بقيَتْ صامتةً لا تعرف ما تقول أو تفعل، فلم يدم اللقاء سوى دقائق معدودات، ذكّرها بأخطائها التي تسببت بحبسه وبتر إحدى رجليه، وروى لها - باختزال - كيف هرب من (سجن نقرة السلمان) بعد أن وشت بهِ تزلفًا للنظام وختم كلامه بجملة قصيرة...
وإذا كنت سأكتب قصة فلا بد من أنسنتها..، إذ لا سبيل إلى كتابة قصة بلا أنسنة. إن الطبيعة بأسرها، روتين ممل، تكرار لعلاقات واضحة، غير أن الإنسان هو وحده الأقل وضوحاً والأكثر غموضاً، ولو ولد جميع البشر وهم مصابون بالبله المغولي، لكانوا بالفعل جزءا من الطبيعة؛ إذ سيدخلون في حالة التكرار الطبيعية،...
الشّرطيُّ الّذي استوقفني في منتصفِ طريقي إلى عملي، كان فظًّا: سألني ما إذا كان اسمي عبد الهادي محمد أبو ذنب، وما إذا كان اسمُ أمّي وهيبة زيد المربوع، فتيقّنتُ أنّه أنا، وأومأتُ بـ«نعم»، فرفسني شيءٌ في ظهري، وسقطتُ على الأرضِ، وانهالت عليّ هراواتٌ ملساءُ وصلبةٌ، ثمّ فقدتُ وعيي . صحوتُ في غرفةٍ...
يستقِلُّ الحافلة المتجهة ناحية الجنوب، ويبدأ إعادة خيط التفكير، يعود إلى أيامه الأولى، والوافدون ترتجف أياديهم وأرجلهم، يتوسلون عاطفة المكان. فتاة من قريةٍ نائية، عند سفح جبلٍ هندي، تسرع الخطى في صباحاتٍ مبتلّة لتعمل في مصنع شرائح البطاطس، وأخرى تسابق زخات المطر، قادمة من ريفٍ لايعلم بوجود...
تراه وقد تربّعَ فوقَ عربته الكارو ، مهتز ّ الكِرش، يهشّ حماره العفي ، يُلهبُ ظهره بسوطهِ الجلد الطويل، تتدافع كلماته الحماسية ، تتواصل من فمهِ بنغمةٍ رديئة غير مهومةٍ، يُحذِّر الصّغار من التعلق بها ، يهزّ رأسه الكبير ، يرمي بنظرهِ بين الحينِ والآخر للوراءِ؛ يطمئن على بضاعتهِ ، صُرر القماش الخام...
يتأرجح بك القارب الذي تجلس عليه لأول مرة ، خائف من السقوط، عقلك يخبرك بأنه نهر وليس بحرا ، وإن سقطت فلن تتضرر ، ولن تغرق! لكنك ما زلت خائفا من السقوط ، وممن يعيش في النهر ، من المياه ذاتها ، التي تحمل لون السماء المشربّة بالحمرة ، والأشجار الخريفية التي تعرّت من أوراقها طلبا للبرودة. خائف من كل...
كيف تبدأ حين تنهزم في دواخلك كل الفضاءات؟ أشلاء ذكريات قديمة متناثفة كأنما أصابتها لعنة الإبادة، احلام مغناطيسية يوجهها صوت المذياع من خارج كومة نومك! خليط وسوسة يضاجع خلايا الدماغ يحتفل فيها النقيض بالنقيض..! يا إلهي كل هذه الأمور تنشيء حصرتي! صباح يشبه مبدأ الشيخوخة حيث يستوي نوم الليل بنوم...
يجب أن اقلم أظافري، التي تحولت لمخالب. وقبل ذلك الدخول في معركة مع الإستحمام، وحلق الشارب واللحية المشعثة، والبحث عن ملابس داخلية أقل إتساخاً مما أرتديه الآن. أحتاج لصابونة حمام، وفرشاة أسنان، ومعجون، لأن الفرشاة بدون معجون لا معنى لها. في الواقع يمكنها أن تجرح اللثة، وتزيل الطبقة القوية للسن...
جلس حميدة وزوجته فاطمة في الصالون ، يتناولان الشاي ، ويتبادلان الحديث حول كورونا . تملكهما الخوف من ظهور دراسات وفيديوهات لا تبشر بخير حول انتشار كورونا في البلد . تساءل حميدة بقلق ، وهو ينتابه الشك مما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي: ـ هل يمكن أن يتطور انتشار المرض ويرتفع عدد الوفيات بشكل مخيف...
لم تكن مراهقتي صعبة أو مزعجة مستعصية بل كانت رائقة حالمة كانت مليئة بالحب والجد والطموح والإجتهاد والعمل واحترام وطاعة الوالدين بشكل استثنائي ، كانت المدرسة لذيذة وكانت الدراسة أيام عمل وعشق وسهر وحب وطموح . كانت المسئولية تنمو في كياننا وكانت المشاركة في أعباء الحياة مع الوالد والوالدة وكأننا...
أعلى