1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة استخدام موقعنا، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

فكري داود/المتعاقدون

رواية

الوسوم:
  1. فكري داود
    عنوان الكتاب:
    المتعاقدون
    المؤلف:
    فكري داود
    البلد:
    مصر
    تاريخ النشر:
    ديسمبر2009
    الناشر:
    دار أخبار اليوم - سلسلة كتاب اليوم العدد537
    " المتعاقدون " لفكري داود
    والعزف علي أوتار الغربة
    دراسة / مجدي محمود جعفر


    " المتعاقدون " ( 1) هي إحدى راويات الأديب فكري داود الذي كتب القصة القصيرة باقتدار ، وقد اُستقبلت مجموعته القصصية ( صغير فى شبك الغنم ) (2) فور صدورها بحفاوة نقدية طيبة ، واستقبلها القراء والنقاد علي السواء استقبالا حسنا ، وقد عزف فى مجموعته بمهارة علي وتر الغربة ، ويواصل العزف علي هذا الوتر فى روايته الجديدة .
    ويتميز فى هذه الراوية بأنه يكتب من خبرة حياتية - حيث سبق له السفر متعاقدا للعمل كمدرس للغة العربية بوزارة التربية بالسعودية ، ويكتب أيضا من - خبرة كتابية - حيث كتب عن تجربة الغربة قصصا فائقا ولافتا ، فضلا عن المخزون الثقافي المتراكم لديه ، والموهبة التي لا تخطئها العين.
    ولذا جاءت رواية " المتعاقدون" متميزة ، وأعتبرها إضافة حقيقية للأدب المصري 00" أدب الغربة" 00إذا جازت هذه التسمية – فالمجتمع المصري شهد فى الثلاثين عاما الأخيرة هجرات جماعية غير مسبوقة للمصريين ، سعيا للرزق بعد أن ضاقت بهم سُبل العيش في بلادهم إلي بلاد النفط والصحراء .
    وإذا كان الأدب العربي قد عرف ما يُسمي بأدب المهجر ، ( ويقصد بمصطلح أدب المهجر هذا الأدب الذي أبدعه الأدباء العرب الذين هاجروا من البلاد العربية إلي الشرق أو الغرب ) ( 3 ) 00وقدموا أدبا جديدا نتيجة :( تفاعل شخصيتهم الشرقية الإسلامية مع الشخصية الغربية ، وامتزاج ثقافتهم العربية بالثقافات الأجنبية ، مما أدى إلي أدب جديد فيه ملامح الشرق والغرب )( 4 ) 00
    أعتقد أن الهجرات المتتالية للمصريين إلي بلاد النفط والصحراء وغيرها .
    أنتجت لنا بفضل الموهوبين .. من أمثال فكري داود أدبا جديدا ، ورواية ( المتعاقدون) 00 من تلك الروايات التي تورطنا في الصحراء ، وثقافة الصحراء ، وتؤكد أن ثمة أدبا جديدا – شعرا وقصصا ومقالات أدبية وغيرها يكتبه أصحاب المواهب الأدبية من هؤلاء الذين استقروا فى تلك البلاد وقضوا فيها فترات طويلة – فخبروا حياة الصحراء ، وحياة البدو ، وكشفوا عن خباياهم ، وعبروا عن صمت الصحراء ، وهتكوا أسرار البدو – وكسروا الحصار المفروض حولهم ، إنه أدبا حقيقيا جديدا ، يعكس أيضا التحولات الخطيرة للمصريين نتيجة امتزاج وتلاقح ثقافتهم بثقافة الصحراء .
    الرواية من البداية تقوم علي الثنائية 00" إنه حوار ثنائي فى رأس عبد البديع يشتعل "... والحوار الثنائي الذي تقوم عليه الرواية فى معناه البعيد والعميق 00هو الصراع بين الرمل والطين ، بين الجبل والسهل ، وعند أول منتج ثقافي للبدو / الرعاة يصافح أذن عبد البديع يحدث له حالة من الانفصام .." لم يتمكن وعيُه من التقاط جملة غنائية مفهومة ، يتلاعب به الانفصام " ......فالغناء المنبعث من تسجيل السيارة لبدوي – ذئبي الصوت .


    ويلتقط عبد البديع الذي أوقعه حظه العاثر للعمل فى قرية قابعة فى قلب ( البر ) 00 مناظر الحياة لهؤلاء البدو00 " خيام ، وبيوت بدائية ، وجمال وأغنام ، وأناس ممصوصوا الوجوه ، تكسو هياكلهم العظمية ، سراويل من جلد بشري محروق " 00 ويصف حالة الجو ..( باغتنهما الدنيا بالتلبد ، أرسلت أمواجا رملية هادئة ، سرعان ما عتّت مطاولة الجبال " 00 " مضت دقائق مبهمة تحولت الأمواج الرملية – قبل رحيلها إلي قمع أسطوري دوّار ، رأسه فى الأرض وفوهته فى السماء 00 " تــأتي العواصف ، ترسل الدنيا عفارها من كل صوب ، تختفي كثبان رملية عديدة ومنخفضات ، وتظهر أخري ، لا يجرؤ كائن حي علي مغادرة مكمنه ، ونادرا ما ينجح الشاردون فى الرجوع ، تنعدم الرؤية ، ويصبح التقاط الأنفاس شيئا عسيرا "
    ويلتقط عبد البديع – القادم من ريف دمياط – كل ما هو غريب ، وينجح فكري داود في إثارة الدهشة فينا كمتلقين - هي دهشة بطله عبد البديع – دهشة الاكتشاف الأول البكر – ينقل لنا بعينه اللاقطة كل ما يصادفه من ثقافة البدو – من أنماط المأكل والمشرب والملبس وغيره من شئون حياتهم – وهل الفن فى أحد أبعاده المهمة إلا لحظات اكتشاف ؟! 00 والاكتشاف هنا لثقافة الصحراء – ولمجاهل النفس أيضا ، وانبثاق وتفجر الوعي لدينا بهذه الثقافة البدوية وبخبايا النفوس ، يدهشنا ويمتعنا ، ويروي ظمئنا إلى المعرفة و" المعلوماتية " التي يقدمها في الرواية
    00 " فاحت رائحة اللحم ، نزع الجلدين بمهارة المعتادين ، شرع فى الأكل ، داعيا رفيق الطريق
    قال الرفيق بدهش
    نحن لا نأكل الفئران .
    صنع الفم – المشغول ، ضحكة كالثغاء ، قال
    - هذي جرابيع ، نباتية الطعام ، طيبة اللحم "
    00تري هل ستؤثر ثقافة الرمل لهؤلاء البدو/ الرعاة – علي ثقافة الطين / الزراع – لعبد البديع المعار من بلاد وادي النيل؟ 00وعبد البديع الذي يكتب القصص القصيرة ونُشرت بعضها بالصحف والمجلات المصرية ، يعتبر نفسه فى منفي ، ويوازن بين منفاه ومنفي شوقي 00" أخرجه سؤال الولد إيهاب من هذا التداعي – وهل أثر النفي ، فى حسه الوطني ؟
    - حس من يا ولد ؟
    - حس شوقي
    - آه .....طبعا طبعا
    00ويقدم فكري داود رحلة بطله عبد البديع بكل تفصيلاتها ، بداية من ملأ الاستمارة للإعارة إلي اجتيازه الامتحان مرورا بالكشوفات والفحوصات الطبية وركوبه الطائرة ووصوله إلي أرض الصحراء 00 وهي رحلة مدهشة حيث ينقل لنا بدهشة – اكتشافاته ومشاهداته ويصور لنا معاناته ومكابداته .....وتتوالى الصدامات علي رأسه 00" أمام مباول مطار بيشة ، اجتازت يد غريبة الحاجز بين المبولتين ، تنتهي اليد إلي شخص ( فيلي ) البدن .." .." بالفسح لاحظ تكرار ظاهرة غريبة ، يترك الطلاب الحمامات وينطلقون وراء المرتفعات القريبة .
    - قال مروان :
    - أولاد الـ……كأن قوم لوط لم يهلكوا بعد "
    00ويصف الأزياء00 أزياء البدو 00 " ثياب سوداء مضروبة ، علي القليل من النساء ، تجتاز بوابة المطار – خارجة تصحبها جلابيب بيض ، فوق رءوسها – غُتّر ، أغطية أغلبها حمراء في بيضاء ، فوق كل غترة ينام عقال أسود "
    ويهتم فكري بالتفاصيل الدقيقة ، وينقل كل شاردة وواردة ، والسرد يسير فى الفصول الأولي سيرا بطيئا وحثيثا – يتلاءم مع إيقاع الحياة البطيء لسكان الصحراء ، ويحتل الوصف مساحة كبيرة – وقد يحتل وصف مكان مثلا صفحتين أو أكثر – ولننظر مثلا كيف يصف المكان الذي يعيش فيه أحد المصريين – الذي مضي إليه ليسلمه رسالة من والده – وكيف استقبله هذا المصري بجفاء 00" حارة ضيقة ، مختفية خلف الأبنية الناصعة ، بيت منزو يعتليه القدم ، انفتح الباب المتآكل بعد بضع ندهات ، دلتهما إشارة فاتح الباب إلي الحجرة المنشودة ، وصوته المسلوخ يصيح ( كسار ) - أي جزار ، عبر دهليز معتم ، يعترض أحد جدرانه حوض قذر ، تفوح من صفيحة تحته – بديلة عن خرطوم الصرف ، رائحة كلب نتن ، سحق حذاء عادل ما يمكن أن يكون خنفسة ، رصدت عيونهما – بحجرات كالجحور - أشباها لذلك الذي فتح الباب ، بسحنات هندية ، أنصافهم العليا سمراء عارية فيما تلتف السفلي بخرق غجرية الألوان0
    سقف الحجرة قريب ، من تحته انحشر سرير ضيق صدئ ، وثلاجة قزمة ، يحمل ظهرها تلفزيونا صغيرا ، أمامها عدة أقدام من خلاء الأرض ، فوق السرير يتمدد جسد أسمر ممتلئ ، تملأ رائحة عرقه الفضاء المتاح . تفارق كلماته فمه فى بطء شديد ، أتم جلوسه بصعوبة ، امتدت يده بفتور ، لتصافح أيديهم المتعطشة :
    - حضرتك ضياء الجزار
    - لا – ابن عمه "
    00وهكذا يصف الأحوال المعيشية السيئة لبعض المصريين مع الهنود والمقابلة الفاترة من المصري لعبد البديع فكان يحسن به أن يُحسن استقباله ، ويكرم وفادته ، وهو الذي جاء إليه برسالة من أبيه – إنه التحول الخطير للمصري فى الغربة – التحول السلوكي المشين – إنها ثقافة الغربة !!
    00 وفكري داود علي مدي الثلاثة فصول الأولي ، يؤسس لثقافة الصحراء ، من خلال المشاهدات الدقيقة التي ينقلها لنا ، ويقابلها ويواجهها بثقافة الطين ، من خلال استرجاع للمواقف المقاربة لمواقف المشاهدة ، وفي كل الأحوال يظل الصراع عبر هذه المشاهد هاربا ، والسرد باردا باستثناء بعض المواقف التي يكتنفها الحنين ، ولوعة الفراق ، فيأخذ السرد فى الاشتعال من خلال هذا البوح الجميل للبطل .
    00 وابتداء من الفصل الرابع – منذ وصول عبد البديع إلي الديرة – يبدأ الصراع ، ونقصد بالصراع هنا – الصراع الدرامي – والصراع الدرامي 00 ( هو الصراع بين إرادات إنسانية ، تحاول فيه إرادة إنسان ما أو مجموعة من البشر كسر إرادة إنسان آخر أو مجموعة أخري من البشر) ( 5 ) .
    00والنص كما قلت من البداية قائم علي ثنائية الرمل والطين – والصراع أيضا قائم علي هذه الثنائية ، ونكتشف أن المجتمع السعودي نفسه قائم علي هذه الثنائية ، ليست ثنائية الرمل والطين – ولكنها ثنائية السيد والعبد ، وهذه الثنائية تحتل مساحة من الرواية وتتوارد كثيرا .
    - " الألة تقاوم أنين الإرهاق ، الأبنية بلا سقف – غالبا – أو قاطنين ، بالقرب من مبني رملي توقفت ، حطت عيونهما عند المدخل علي ذلك المنتصب بكرش ممتلئ ، ووجه أبيض ، يعلق طرف ثوبه بأصابعه ، كاشفا عن قدميه الحافيتين ، صاح السائق
    - وين المدرسة يا..........؟
    ارتج صاحب الكرش زاعقا
    - انزل يا اسود
    - أنا أسأل عن .....
    - اخرس يا عبد
    سيطر الارتباك علي السائل ، اقتربت خطوات الآخر غاضبة ، واصل
    - كيف تكلم الأمير وأنت راكب يا .......؟‍ "
    وتتعمق هذه الثنائية أكثر في المجتمع السعودي .
    " الهندي يبغي السفر ، عشر سنوات لم ير بلدته ، رجاني كثيرا أن أتوسط له لدي كفيلة – صديقي .
    - كفيلة ؟
    - نعم ، بدون موافقته ، لا يستطيع المكفول ، نقل القدم عن القدم حتي النوم والأكل ، و... كله بأمر الكفيل"
    ويأتي التنظير لهذه المسألة علي يد المدرس المكي الذي ينتمي إلي الأشراف :
    " نحن مثلا ، فينا الوطني الأصيل كأهل الجنوب ، وفينا من كان جده عبدا أسود ، ظل موصوما إلي اليوم ، بأعراف خاصة فى المعاملات والزواج وأشياء عديدة ، مرتبطة بقائمة طويلة من المحظورات وهناك من استوطن جده الوافد – زمان من حجاج ماليزيا أو الهند أو......
    وهذا أيضا له أعراف صارمة ، وحدود لا يتخطاها...ويبقى المقام محفوظا للأشراف ، ونسل آل البيت – عليهم رضوان الله ."
    ويستاء عبد البديع من برامج التليفزيون ووسائل الإعلام التي تكرس لهذه الثنائية 00 " برامج استهلاكية ، نقل بالساعات لسباق خيول الأمراء ، تفاصيل التفاصيل لزيارتهم وتنقلاتهم ، طوابير طويلة لا تنتهي للراغبين فى تقبيل أكتافهم ...." 00 " تدور بين الجماعات المناقشات ، حول الفوارق بين العديد من الأصحاب ، أصحاب السمو الملكي ، أصحاب السمو فقط بدون ملكي ، أصحاب السعادة ، أصحاب الفخامة ، أصحاب الفضيلة وكذلك بين المحافظ والمحافظ بالنيابة ، والأمير الحكومي ، والأمير الملكي ......."
    ويغرقنا فكري داود في تفاصيل الحياة اليومية ، ومفرداتها ، لنعيش معه أجواء الحياة البدوية وثقافتها ، ويصف بدقة كل ما تقع عليه عيناه : السكن ، الشوارع ، طابور الصباح ، المدرسة ، الجامع ، المزرعة ، بيت العنود ، بيت الأمير ، أسماء الطلاب الغريبة ، العزومات ، رحلات البر ، الأكلات البدوية ، صلاة الاستسقاء ، والمطر الذي يعني عشب وزهر وماء غسيل شبيه بالعذب ، ووفرة فى علف البهائم ورخص للأسعار ، ويقدم الصراعات المُعلنة بين المصريين والخفية ، والتنازلات التي يقدمها البعض من أجل الريالات أو تجديد التعاقد واللجوء إلي أخس الطرق وأقذرها ، والمرأة العنود وسطوتها واجتذابها هي وبناتها للمدرسين المصريين الذين يروون الجسد المتعطش لها ولبنتها زهرة المطلقة مقابل خدمات مثل تجديد العقد أو التوسط لدي الأمير لقضاء حاجة .
    ويعني فكري برسم شخصياته من الخارج واستبطانها من الداخل ، وتتوارد أسماء وصفات شخوصه 00 " ناب سرحان ( زارج) 00حاطط المدير في جيبه و( واكل ) دماغ العنود ، وزهرة بنت العفاريت .." أما طلعت فملعون فى كل كتاب .. عامل علاقة ( وسخة ) مع حرمة واحد عجل " 00 ونبدأ في التعرف علي سرحان وطلعت ونجيب المدير ، وكامل ، وخليفة ، وحربي ، وطلعت والعم إمام ، وخميس ، سيد المنصوري ، وبعض البدو ، والمدرسين الوطنيين ، ويهتم أكثر بتصوير حالات المصريين ..
    " بدأ سرحان عصراً كقط حبيس ، كثير التأفف ، يعيد استماع شريط غنائي ، لمطربة سورية تقيم في مصر ، تعلو جبهته علامات التأثر استجابة لكلمات الحب والفراق والحنين و ..."
    قال : " إن زوجته موظفة بالصحة ، وأنها شبيهة مغنية مصرية اسمها نادية ، محولا الحديث إلي ولديه وابنته 00 " هداياهم التي اعتاد حملها ، مهاتفاتهم التي تبلع الريالات بلعا واستقدام الأسرة لا يوفر ريالات إلا بالشح أو ( التعريس) !
    وقريته المنوفية ، وأهلها المساكين ، ونجاحه فى السكن بالمدينة ، وظروفه العديدة – التي فرضت اعتماده علي نفسه ، ويوم خطوبته الذي لم يجد فيه من يذهب معه ، وتعيينه بدبلوم المعلمين أولا ، قبل انتسابه لكلية الأداب "
    هذا هو سرحان – أما طلعت – خاطب – يبادل بنت خالته الحب ، حالت المادة – قبل سفره بين ارتباطهما ...خاله مادي ، مادي جداً ، أمه( بهية ) لا زالت تعمل بالبيوت ، والده عامل الصحة المتقاعد المريض ، أخوة الغائب بالعراق دون خبر ، البيت المتهالك الذي يعوزه البناء ، المبلغ الذي يرسله لا يمنح أخوته السبعة الكفاية ..
    أما نصار- اغتصب التدريس فى ( الليلية ) - التدريس للكبار عصرا بنصف راتب إضافي ..." نصار فتح بيته وكشف حرمته علي نجيب الذي زكاه عند سعد مشعل بالإدارة 00 " بخيت المدير ولد ( عزوبي ) مراهق ، معه ( حتة ) دبلوم ، ونصار عارف يلاعبه ........." 00 " وتأتي صلة الأمير ، بنصار وحرمته ، كمشهد مميز، فقد لعبا معه لعبة جديدة ، مشابهة للعبتهما السابقة مع بخيت والتي بموجبها اغتصب نصار التدريس بالليلية بدلا من خليفة ....وبناء على اللعبة الجديدة ، ضمن الأمير كمسئول أمن لنصار – الانفراد بالخطابة – بالأجر فى الجامع الكبير ...."
    ويصف أحوال المحارم ، وانكساراتهم والآعيبهم هم أيضا 00" في ( ترنجات ) مقبضة ، مرق بضعة رجال ، بدت خطواتهم ثقيلة ، محملة بالانكسار ....." المحارم هم أزواج المعلمات المصريات بمدرسة البنات "00" تعرف علي المحارم الثلاثة بالملعب خلف المدرسة بلحاهم الطويلة ، ونظراتهم الكسيرة .." 00" طلب بدوي محرما للعمل عنده فى محطة بنزين لا زال بصدد إنشائها بخمسمائة ريال شهريا ، عرض محرم آخر علي البدوي العمل بثلاثمئة فقط وعليه كانت المعركة وقدمت الشكاوي للإمارة ."
    ويتملك نفوس البعض وسواس إلغاء العقد ، فيقدمون التنازلات ، تلو التنازلات ، ويلجأون إلي طرق غير شرعية وغير مشروعة .." كثف سرحان من تردده علي بيت العنود ، قال خميس : صاحبك شغال علي ( ودنه ) ، يبدو أنه بصدد استخدام المفتاح السحري لزهرة فى محاولة التجديد لعام سادس !! "
    والجنس هو المفتاح السحري لهذه البلاد ، حتى خميس العامل عند العنود تدور حوله فى الخفاء الأقاصيص عن استباحة بيت العنود له جسديا ، خصوصا في العطلات ، إذ يصبح هو الذكر الآدمي الوحيد المتاح.
    وينقل بعضا من مآسي المصريين فى الغربة : فها هو أحد العمال المصريين 00 " خمسة عشر عاما من البُعاد ، تزوج بإجازة عابرة ، وحيد أمه المكفوفة ، حملت زوجته في ابنها الرضيع ، بإجازة عابرة أخري ، لا تزال أرض البيت الصغير الذي بناه من العدم – في حاجة إلي البلاط وثمة تشطيبات تتطلب مزيدا من السنوات ، يحمل اليوم فى بطنه أكثر من علة ، وفي نفسه أكثر من شرخ عميق .."
    وسيد المنصوري – عامل محل الزيوت – بطرف الديرة – انتقلت امرأته منذ شهر للعيش مع أهلها ، بعد أن أغلقت بيته ، جدت عليها الخشية ، هي وابنتاه من المبيت دون رجل .لابد للبيت من سقف خرساني بدلا من ( السدد) ، يلزمني خمس سنوات علي الأقل00 " 00 لكن سيد المنصوري راح – علي عمق مترين توارت جثته ، مات في الغربة وابتلعته الصحراء ، بعد جنازة لا يتعدى مشيعوها العشرين !! وهذا البدوي الشايب – الذي تزوج بشابة مصرية – ليتناوب أولاده الخمسة علي مراودتها دون مغيث - وينقل فكري داود 00الواقع المأساوي – للمصريين – في بلاد الصحراء – وكيف تبتلعهم الصحراء ، وتسحقهم بثقافتها
    " مع الظهيرة جاء قدوم عياض ، قال محذرا بلطف : رفض العزومة يستوجب ( حق عرب) كبير .." 00 " صحن كبير ، خليط من أرز بالمكسرات والزبيب ، ينام فوقه تيس – جدي – صغير ، تطل أسنانه من فمه المفتوح ، وترتفع قوائمه إلي السماء ..."
    " يتابع – بمهارة – اقتناص اللحم من بين الضلوع ، ودفع كرات الأرز صوب البلعوم ..لعق أصابعه مقلدا عياض ، مع ابتسامة لزجه ثابتة ، أطلق لسانه بأدعية بدوية : جاد الله عليكم ..الله يرحم والديكم ...و.."
    تري بعد انتهاء العام الدراسي وانقضاء العام الأول من إعارة عبد البديع – هلي يعود إلي الصحراء مرة أخري – منهزما ومستسلما لثقافتها – شأنه شأن المصريين – الذين عاش معهم وشاهد هزائمهم وانكساراتهم – أم سيؤثر البقاء في ريف دمياط قريبا من النيل في حضن زوجته وأولاده ، يكتب القصص ويعلم تلاميذه ، يقرأ ليوسف إدريس ، وهمنجواي ، وتشكوف و............
    الراوية ماتعة ، ويملك الكاتب القدرة الفائقة علي إثارة المتعة والدهشة لدي المتلقي ، وثمة مناطق بكر يكتشفها ، ودروبا جديدة يسير فيها ، ويستوحي الكاتب بيئة الصحراء بوعي شديد وفهم عميق ، لا يصف النوق والخيام والرمال والجدب والفضاء والسماء وحسب – بل كل استعاراته وتشابيهه من وحي بيئة الصحراء ، واستخدم المفردات البدوية بكثرة ووظفها توظيفا رائعا في الحوار ، ونصع بها السرد ، ووضع المفردة البدوية بين قوسين ونوّع بين أساليب السرد ، وتآزر السرد مع الوصف ، واستخدم تقنيات الرواية التقليدية وهي التقنيات الأمثل لرواية كشفية تجري أحداثها في الصحراء ، والرؤية الفنية والتشكيلات الجمالية تحتاج مبحثا خاصا وأرجو أن يتحقق هذا قريبا .وبعد
    فكما عرفت الحياة الأدبية فكري داود قاصا لافتا ومميزا – فها نحن نتعرف عليه روائيا مقتدرا ، قادرا علي إثراء الفن الروائي بفنية واثبة ورؤى جديدة من واقع الغربة ..والله الموفق .
    الهوامش :
    (1) فكري داود : المتعاقدون - رواية قيد الطبع تقع فى 170 صفحة من القطع المتوسط – في ( 12) فصلا.
    (2) فكري داود - صغير في شبك الغنم -( مجموعة قصصية " الهيئة العامة لقصور الثقافة – ثقافة دمياط
    (3) د.حسين علي محمد : الأدب العربي الحديث ( الرؤية والتشكيل " مكتبة الرشد ناشرون – السعودية ص 103
    (4) السابق ص 104