روزا ياسين - الجسد باعتباره عتبة للعبور: عن إرث الذاكرة الجمعية

لن يكون حذف قبلة في الهواء، سواء أكانت رسالة من شاب مشاكس أو صبية غنجة، إلا تعبيراً عن لفتة إشاراتية لطيفة لا تخلو من ظلال رومانسية؟! لكن لبّ الموضوع لا يكمن هنا بل في أنّ حذف القبلة هو تقليد يعود أصله إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد حين كان اليونانيون القدماء يحذفون قُبُلهم إلى الآلهة كنوع من تعبير طقوسي عن الحبّ والرهبة. تلك الإشارة السيميائية ما هي إلا إحدى القرائن لما يمكن تسميته: الذاكرة المسافرة، أو مجرّد تلميح إلى عدم ثبات مكان واحد للذاكرة، ولا طريق واحد معروف نستطيع القبض عليها عبره، وربّما كان الجسد المادي وحده الذي يوثّق البشر في المكان حتى يكادون يقتنعون أنهم ولدوا معه في المكان وسيموتون معه. ولأنّ الذاكرة أشبه بخلايا سرطانية تتغلغل في لاحقات وعينا، وقبلها في لا وعينا، سيكون الجسد مجرّد عتبة للمرور. لكننا، وفي محاولات دائمة وحثيثة لإقصاء تلك الفكرة، نحاول أن نقطع ذلك الخيط المتين الذي يربطنا مع حضارات وحيوات ماضية في الزمان البعيد، بحجّة مقاومة النكوص إلى الأصل، هاجس المجتمعات التقدمية، أو بحجّة الرغبة في التقدّم إلى المستقبل متملّصين من أغلال الماضي، ونبتعد بذلك يوماً بعد يوم عن حقيقة دواخلنا منشغلين بالسطح الحياتي.

للطين روح كالإنسان:

سبب ما جعل هذه الفكرة تجتافني وأنا أهمّ بالأكل من صحون جدّتي، جدّتي التي لم تستخدم يوماً إلا صحوناً من الصلصال، ذلك أنّه، حسب ما كانت تقول، للطين روح كما للإنسان تماماً. روح الطين تلك قفزت إلى ذاكرتي وأنا أقرأ الأسطورة البابلية الأشهر: الإينوما إيليش. فالإله الشابّ “مردوك”، وكما هو معروف، عمد إلى قتل الربّة الأولى “تعامة” ثمّ مزج دمها بطين الأرض، وصنع من ذلك المزيج مجموعة من الآلهة الصغار بثّ فيهم من روحه الإلهية ثم أطلق عليهم: الإنسان.

للطين روح كما للإنسان، قالها الأجداد البابليون أيضاً منذ آلاف السنين، حتى أنّ أرواح التماثيل الطينية ما زالت تهيم في البيوت والمعابد والمزارات، رغم مرور ما يقرب الألف وخمسمائة سنة على تحريم التصوير والتجسيم في الإسلام، باعتبار أنّ الله وحده من يصنع تماثيل الصلصال ويبثّ فيها الروح، كما فعل مع آدم. لكن يبدو أنّ الذاكرة الإنسانية الممتدّة عبر الحياة كانت أقوى من أيّة فكرة مقحمة أو إجبارية مهما بلغت سطوتها. هذا بالضبط ما جعل الأيقونة الحامية من الحسد حيّة على مرّ الأجيال، ولكن القلّة منّا يعرفون أنّ تلك الإيقونة، وهي عبارة عن كفّ أزرق في وسطه عين واسعة برموش سوداء، هي أيقونة “ليليت”، ربّة المهد الأولى وزوجة آدم قبل حواء، وذلك في سفر التكوين البدئي. إيقونة ليليت ما زالت معروفة منذ أكثر من خمسة آلاف سنة وحتى اليوم، ويكاد لا يخلو بيت متطيّر منها وهي تتلألأ في مدخله، كما تتلألأ الآن في مدخل بيتي!!

إضاءة على المساحات الميتافيزيقية:

كنت أفكّر قبلاً أنه ليس من المعقول أن تكون كلّ فتوحات التكنولوجيا وثورات العلم المتراكمة قد أبقت الإنسان كما هو منذ أن كان ينقش تفسيراته البدئية للكون على جدران الكهوف ومن ثمّ على رقم الطين!. ظلت الفكرة مالكة لي حتى وقع تحت يدي ذات يوم نصّ غريب يقول (وهو مقسّم لغوياً على الشاكلة التالية):

(صار الرجل الأحمق يقول: إذا عرفت أين يوجد الإله قدّمت له القرابين؟!

والقصّابون يذبحون الإوز، ويقدّمونها للإلهة على أنّها ثيران؟!

وفي الحق، أصبح التقوى اسماً فقط).

لو لم يكتب أسفل هذا النص تاريخه العائد إلى الأسرة الفرعونية السادسة أيام (أبي- أو) الحكيم لظنّه أيّ قارئ، كما ظننت أنا، قد كتب هذا العام. كانت الذاكرة لحظتئذ دوامة سوداء، ولحظتئذ فحسب اقتنعت أن تغييرات الحياة الصورية طالت أداء الإنسان اليومي، أو لنقل طريقة حياته الظاهرية، وربما شرّعت الكثير من النوافذ المغلقة في دماغه لكنها لم تغيّر طريقة ارتكاساته كإنسان بدئي، أو بمعنى آخر لم تغيّر رسائله الميتافيزيقية ولا هشاشة روحه، خصوصاً فيما يخصّ البلدان المتأخّرة حيث ما تزال تلك المساحات الميتافيزيقية تشغل القسم الأكبر من التفسيرات والوعي الإنسانيين.

لست إلا امتداداً. هذا ما شعرت به، وكانت أختي تدير عملية ذبح قربان على أحد المزارات، وحينها غمست جدتي يديها في دم القربان وطبعت كفها على حائط المزار كما كانت جدتها الفينيقية تكلل جدران المعابد بكفها المدماة من قربان الآلهة التي كانت تهوى سفح الدماء لترضى. تصرفت جدتي بتلقائية يومذاك ودون أن تعرف بالتأكيد إلى أين تصل تاريخية فعلها.

الزواج المقدس:

لن يكون طقس الزواج الذي يقام اليوم بعيداً عن الفكرة ذاتها، طقس شبيه درجة التطابق بما كان يقام في الأسطورة السومرية الأولى، في أوائل الألفية الثالثة قبل الميلاد، حيث احتلّ الزواج المقدس قيمة وحضوراً لا يمكن تجاهلهما. والزواج المقدس هو زواج إينانا الإيريكية من دوموزي (تموز) أو من أي من ممثليه المتأخرين من ملوك سومر. أجواء الابتهاج والحبور واحدة في جميع أعراس الشرق الأدنى القديم والحديث، تقام مأدبة في قاعة الاستقبال حيث الكثير من الطعام والشراب والموسيقى والغناء، فيما يمر الناس أمام الزوجين الإلهيين (يسميان العريسين اليوم) الجالسين جنباً على جنب على العرش (وهي اليوم الصمدة أو الأسكي).

في أواخر القرن التاسع عشر قدم العالم الاثنولوجي ج. ج. فتشتاين ملاحظات حول احتفالات الزواج السائدة في سورية وفلسطين في العصر الحاضر: (العريس والعروس طوال أيام العرس التي قد تدوم سبعة أيام يعاملان كملك وملكة، والفلاحون من أهل القرى يرقصون أمامهما ويغنون وهما جالسان على العرش). حتى أن كلمة عرس وعروس وعريس قد تكون مستقاة ومحورة من كلمة عرش، حيث الحرفان س وش من الحروف البدائل، المحورة بدورها عن كلمة عريشة حيث يجعل من أغصانها وأوراقها عرش يجلس عليه العروسان. تبدو الفكرة واضحة أكثر في نشيد الأناشيد للملك سليمان، ذاك الفصل البديع والغريب في كتاب العهد القديم: دراما أم أغاني زفاف دنيوي أو صيغة معدلة من ليتورجيا عبرية قديمة كانت ترتل في زواج الإله شمس من الإله الأم. وبما أنه خلق فلسطيني ففيه تفاصيل للزواج المقدس شبيه للغاية بطقوس الزواج التي تقام اليوم في الكثير من أجزاء منطقتنا في بداية الألفية الثالثة بعد الميلاد.

القلب مكمن المشاعر:

لكن تلك الذاكرة المستمرة كنسغ في دمنا الإنساني راحت تتكشف عن إرث مثقل إلى حد بعيد بملوثاتنا الإيديولوجية أيضاً، محمل بالإرث البطريركي الذي راح يتراكم منذ أن انحسرت سطوة الماتريركية على حساب سطوة البطريركية. سيبدو غريباً أن أعرف أنه كان ممنوعاً على المرأة في بلاد الفرس القديمة التلفظ باسم زوجها، وإن فعلت تعاقب!. اليوم ثمة نساء كثيرات لا يتلفظن بأسماء أزواجهن الحقيقية بل ويعتبرن الأمر تصغيراً لأولئك الأزواج. وأعتقد أن هناك الكثير من الفئات الاجتماعية المعاصرة تنادي الزوجة فيها زوجها بابن عمي أو بأبي فلان ولربما بسيدي. فيما تنادي الزوجة زوجها في مناطق كثيرة بيا أخي، باعتبار أن الربة إينانا كانت تنادي زوجها دوموزي: يا أخي، ويبدو الأمر واضحاً في مقطع منقوش على رقيم محفوظ في المتحف البريطاني حين تنشد الآلهة:

(لقد جاء بي إليه، لقد جاء بي إليه،

أخي جاء بي إلى البستان،

دموزي جاء بي إلى البستان)

الفكرة هذه تحيلنا إلى فكرة أخرى ربما كانت مرتبطة بها بشكل ما، فحين كان الفراعنة القدماء يقومون بتحنيط المومياءات كانوا يقومون بتفريغ كامل أحشائها إلا القلب يحتفظون به داخل المومياء. ذلك أنهم كانوا مقتنعين أن الروح حين ستبعث من جديد في الجسد المحنط لن تستطيع العيش دون قلب!! اليوم وعلى الرغم من كل الاكتشافات العلمية الحديثة التي أكدت أن مركز الشعور والعاطفة هو الدماغ وليس القلب ظل الإنسان الحديث مصراً على اعتبار القلب مركزاً لكل المشاعر والأحاسيس. القلب هو مكمن الحب والكره والحزن والعشق!!.

لست إلا امتداداً وذاكرة، لا أعرف إن كان مقبولاً أن أحسّ حياتي برمتها مجرد عتبة للعبور، ولا أعتقد أن قبول هذا الإحساس مهم: كنت في مكان، أنا الآن في مكان، وربما سأغدو في يوم ما، حين يتحول جسدي إلى كومة من ملابس جلدية، في مكان آخر. ولا أعني بالتأكيد فكرة التقمص المعروفة حيث تحلّ الروح في جسد ثان، بل أعني الذاكرة، ذاكرتي الإنسانية التي ما برحت تتوارث من حقبة إلى حقبة ومن حياة إلى حياة، وفي كل مرة تنضاف إليها خبرة إنسانية جديدة وخصوصية شعب وزمن جديدين.

اليوم وأنا أهدهد ابني قبل النوم أغني له، كما تغني معظم الأمهات: يا ليل يا عين. وعلى الرغم من أن الإله ليل معروف لدى الكثيرين إلا أن هذي الأهزوجة هي أهزوجة ليليت التي كانت النسوة يغنينها قبل آلاف السنين وهن يهززن المهود مترجيات الربة الأقوى أن تحفظ صغارهن. أغني يا ليل يا عين وأشعر بليليت ترفرف حولي شبحاً ضبابياً يقنعني أكثر فأكثر بأني لست إلا امتداداً وذاكرة.
 
أعلى