عبدالله كرمون - تاريخ الأرداف الموجز

" أنا لست عاهرة، إنما أتصرف على سجيتي" (بريجيت باردو)
لا يتعلق الأمر بنهاية التاريخ، ولم نقرأ كل الكتب بعد. لكن الأمر يتعلق هنا بـ"تاريخ الأرداف الموجز"، الكتاب الشيق الذي أصدرته دار زولما هذه الأيام. وما الفائدة من هذا الموضوع إذن؟ كيف سيعضد حاجتنا إلى المعرفة؟ أليست هناك كتب أخرى على الرفوف أهم من قصص الأرداف؟ عندما يفتح القارئ الكتاب ويتقدم في قراءته سوف تتخذ أسئلته طابعا آخر، بدءا بلماذا لا نقرأ ونعتبر أن الخطوة الأولى في اكتساب عقل نقدي تتمثل في الانخراط في المغامرة المعرفية ونبذ كل مثبطات الخطاب المتزمت الذي لن تنقصه البواعث أبدا لكي يدوم ويتأبد.
ليس من الضروري الإطلاع على موضوع الكتاب كي نحد من ديمومة الكوارث الطبيعية، كما أنه لن يفيدنا أبدا في التوصل سريعا إلى علاج نهائي لمرض الإيدز أو في إسقاط النظام الرأسمالي عوض التبجح بإسقاط حائط برلين.
غير أنه سيمنحنا ترف المتعة الحرة في التعامل مع مواضيع نتجنبها غالبا ونستل ضدها كل ما أوتينا من قوة البارود الأخلاقي. وسوف يؤكد لنا أن العلم ليس فقط هو الضغط على زر الكهرباء عندما نصل إلى البيت مساء، ولكنه أيضا تبني نتائجه التجريبية الأخرى باعتباره منتهى (مع مرونته بطبيعة الحال) تطور الفكر البشري، والذي حبا من خلال وسائل بدائية حاول بها تفسير وفهم العالم من أسطورة ودين، ما لم ينقرض بعد إذ ما تزال دواعي ذلك حاضرة في واقع علائق الناس المادية.
يتعلق الأمر بطبعة جديدة لكتاب قصة الأرداف، أو بالأحرى الاليتين الطازجتين، ما يدل على اهتمام الناس بهما، كي يستدعي ذلك إعادة طبعه. إذ أكد سيرج سافرون المستشار الأدبي لدار زولما، في مكان آخر، أنهم يعيدون نشر الكتب التي عرفت رواجا واهتماما كبيرين لدى عموم القراء.
فمن هو هذا الرجل الذي ترك خلفه كل مواضيع الأرض كي يفرد كتابا بأكمله إلى الحديث عن المؤخرات؟ يليق بنا أن نكف عن وصم الناس بعلل النفس كلما تعلق الأمر بموضوع يمس الجسد. فمتى سوف تستطيع فيه الإنسانية أن تتحدث عن النهد والفرج وغيرها دون أن يتبادر إليها أن الأمر يتعلق بممنوعات وبخرقها؟ سوف يحدث ذلك في عالم (هو ممكن على كل حال) تندحر فيه كل أشكال التسلط (العسكري، القانوني، الديني...).
صاحب الكتاب هو جان ليك هينيغ؛ مبرز في علم النحو، وصحافي سابق في جريدة ليبيراسيون. أصدر العديد من الكتب في مجالات شتى، لكنه ظل مهتما بتتبع بعض التفاصيل الإيروسية، سواء تلك التي لها علاقة بالطعام أو بالشراب (إيروسية الخمر)، (المني الأسود) أو غيرها.
تشي كتابته بهَم أنثربولوجي باد، مستنفرا كل ميادين المعرفة الإنسانية لتعريف ووصف المؤخرة. ما هي؟ وكيف نعتتها اللغات؟ ومن رسمها وكيف؟ إلى غير ذلك من مداراتها.
كان العلم في السابق مرادفا للشظف والقسوة، أو على الأقل في تلقيه والتوصل إلى منابعه. كما حرص المهتمون، اليوم، على الإبقاء بشأنه على نفس المنوال أيضا. لكن جان ليك فند تلك الرؤية التقليدية المتزمتة وجعل من تناول العجيزة موضوعا رصينا. مثلما أكد إيرازم، من قبله بكثير، بأنه يتحدث في كتابه المعروف عن الجنون بطريقة لا يمكن نعتها بتاتا بالمجنونة.
بدأ بالقول أن الإنسان لم يتحل بذلك الجزء من جسده إلا بعدما وقف على رجليه. لأن الحيوانات الأخرى التي تمشي على أربع قوائم لا تتمتع بإست. وإنما يطابق ذلك لديها امتداد لأفخاذها.
على كل حال فقد أكد جان ليك على أهمية الأوراك في بعض الدول الأفريقية التي تركز جمال المرأة في عظمة مؤخرتها، وأشار أنه ما تزال في موريتانيا اليوم بعض البيوت التي يتم فيها تربية أوراك الفتيات المقدمات على الزواج.
وإذا كان سالفادور دالي قد باح بأمر غريب مؤكدا أن المعرفة الفلسفية لشيء لا تتم جيدا إلا عن طريق أكله. فقد باح بأنه باستطاعته أكل حبيبته غالا إذا ماتت وتحولت إلى حبة زيتون صغيرة. لم يورد جان ليك هذا التصريح المحمل بإيحاءات هائلة إلا عندما كان بصدد سرد وقائع أكثر غرابة، وكأن ما قاله دالي يشكل الخلفية النظرية لما أقدم عليه في باريس الياباني إسييه ساغاوا. ما يطلق عليه جان ليك "الهالة المفزعة للعجيزة". إن قصة ساغوا هذا معروفة جدا، غير أن جان لا يهمه فيها الجانب الإجرامي الذي تفوق بشاعته كل نطاق، لكن الذي يهمه فيها هو تلك التجربة المختبرية فيما يخص العجيزة والإست.
أفشى ساغاوا لصحافي سنة 1986 بأنه شعر بالرغبة في أكل ورك البنت الهولندية رونيه، مباشرة بعد أن قتلها. وبما أنه يشمئز من مرأى الدم فقد ارتأى أن يبدأ بقضم الورك الأيمن لأنه بعيد عن القلب مركز الدم. لم يقدر أن يقتطع منه ولو قطعة وحيدة. وعمد إلى إدخال سكين فيه. كان الورك صلبا. لم يجد فيه أية نقطة دم، وإنما أشياء صفراء كما صرح بذلك. كان الأمر يتعلق بالشحم مثلما وقف على نفس الأمر بخصوص النهد. لن نحكي كل ما ورد في قصته التي نجدها في كتابه "في الضباب". غير أنه أراد من ذلك كما قال أن يحس بها في أقصى كينونتها. نوع من الحب المرضي المعقد. أضاف في الأخير، وبكل برودة دم، أن جزءا من وركها قد ذاب في فمه يومها.
سبق لألفريد بيني، الذي مات سنة 1911، أن لاحظ أن مورفولوجية الورك عند الرجل يغلب عليها النسيج العضلي، على خلاف أوراك المرأة التي يكوّنها نسيج هام من الشحوم. وسبب ذلك أمر بسيط هو أن الرجال يملكون عشرين مليار خلية شحمية في الوقت الذي تملك فيه النساء ضعف ذلك. فإذا كان الشحم عند الرجال يغلف الأعضاء المركزية مثل القلب والكبد فإن الشحم عند النساء يتركز حول الجلد وبالأخص حول الخاصرتين والفخذين.
ونحن في زمن اكتسحت فيه موضة الخزامة الجسد: أرنبة الأنف، السرة، الجانب العلوي من الأذن، الحلمة، طرف اللسان، الشفة العليا، الشفة السفلى، الأير، والفرج، وهي، كما قال فرانس بوريل، الأجزاء الأكثر وحشية من الجسم الإنساني. ولا تعرف الإلية والإست أي اكتساح من هذا القبيل. ما مكن جان ليك من القول بأن هذه الأخيرة، بالرغم من اعتبارها أكثر الأعضاء دناءة فهي أكثرها، بهذا المعنى، احتفاظا على عذرتها الأولى. وإن كان جان بيلور قد ذكر خلال القرن السابع عشرة في كتابه "الإنسان المتحول" أنه شاهد بعض الشعوب التي تعلق في أوراكها، بواسطة الثقوب التي تحدث فيها، أحجارا كريمة.
ويظل الورك حسب جان ليك أبكم ومحتفظا بخاصيته البهيمية. لكننا إذا أحجمنا قليلا عن النظر إليه وتملي محيا الحبيبة مباشرة. هذا الأمر عبر عنه ميشال تورنييه عندما قال: "العلامة الدامغة التي يمكننا أن نتعرف من خلالها على أننا نحب شخصا عن حب حقيقي هي إذا أثار فينا وجهه الرغبة أكثر منه من أي جزء آخر من جسده." لكن مرأى المؤخرة عن بعد جذابة وساحرة. يقول جان ليك أنها وهي بعيدة أكثر إثارة لأنها تقنعنا كذلك بسرها الأعظم. غير أنها بعيدة! ألم يقل عنها بودلير بأنها: "السمكة الحبيبة التي أعدتها الملائكة؟"
أورد جان ليك مقطعا لأوكتاف ميربو يتحدث فيه عن طريقة من طرق التعذيب والتي مفادها أن يعمد إلى ربط المحكوم عليه جيدا ووضع فأر كبير وجائع في إناء وإلصاقه على مؤخرة المعني. ثم يتم إدخال قضيب حديدي محمي حتى يحس الفأر بلهبه، يتم تقريبه إليه ثم يحاول الفرار، وعندما لا يجد منفذا يهم باستعمال قوائمه لاتخاذ طريق للسلامة، يجد قدامه فتحة ضيقة فيحاول باقتراب الحديد الأحمر منه من اختراق الكتلة اللحمية. في آخر المطاف ينهار المحكوم عليه ميتا جراء الألم والنزيف الداخلي الذي يسببه تمزيق الفأر لأنسجة مؤخرته، كما يموت الفأر أيضا مختنقا ومرهقا. أي تعذيب هذا!
ركز جان ليك في كتابه الممتع، في مواضع كثيرة، على الدرس اللغوي وأصول الكلمات، نظرا لتخصصه. كما أورد حكايات مختلفة، وطاف بالعديد من اللوحات الفنية عبر العصور. باختصار فقد وفق الكاتب بين همه العلمي الجميل وبين توفير عنصر ترفيهي معليا من شأن موضوع ليس من السهل جعله يتربع على عرش المعرفة النافعة، إلا إذا كنا قراء سيئين. أما آخرون فقد يرددوا قول دونيس ديدرو عن الفنان بوشيه منذ سنة 1765 لما قال عنه: "هذا السيد بوشيه لا يأخذ الفرشاة إلا لكي يوريني الحلمات والأرداف. يمتعني كثيرا أن أراها. ولكنني لا أريد أن نوريها لي"!


.

جمال شرقي
النمساوي كزافييه كوسلر
13884084992.jpg
 
أعلى