عبد المحسن يوسف - النساء

تمرُّ النساءُ على القلب ِ
كما يمرُّ السحابُ
أو كما يمكثُ الضوء .

كثيرات
كثيرات
كأنهن العصافير
على عزلة ِ الغصن .
و هذا الفؤاد يميل بهن ميل العذوق .

هنا ..
سأتذكر سرب نساء ٍ
سربَ حمائم
سرب أعراس ٍ
وربما سرب عذابات ٍ شهية .

سأتذكر...
التي
جلست تحت النخيل ِ
تقضي حاجتها من الظلال والضوء.
كاشفة ً عن بلور ٍ
وعن أقمار أنوثة .
حين بزغتُ كفطر ٍ
نفرت بكسل ٍ كمهرة ٍ حرون
واستدارت هادئة ً كعبّاد شمس ٍ ؛
كي تحمي حقلاً مكسوًّا
بعشب ٍ ناعم ٍ كزغب ٍخفيف
وإذا بي أبصر
رابية ً من تفاح ٍ وقشدة ٍ وندى قليل .
ـ تلك رابيةًٌ ناضجة ٌ !
قلتُ .
وأنا بعدُ في البراءة الأولى .
....
الآن أقول متحسرًّا :
لعنة ُ الله ِ على البراءات ِ الأولى جميعًا .

والتي
أحصنتْ نصّها عن التأويل ِ ،
وحقلها عن فضة الملامسة .

والتي
دعكت ياقوتتيها بالشموس ِ البريئة ِ
وسفرجلها بحنكة ِ المرايا .

والتي
احترتُ في وصفها ،
فأسررتُ لنفسي :
ـ تلكَ محضُ ثقوب ٍ
ينبغي أن تُسّد !

والتي
اكتسى مثلثها
بالضوء الوسيمِ
وتحلّتْ دائرتُها بما ليس يُوصَف .

والتي
ازّينتْ لحفاة ِ الريح ِ
وعابري السرير ِ
ونابشي الأضرحة .

والتي
لم يكتف ِ صهيلُها
بالجياد ِ اللاهثة ِ على عجل ٍ
فتشبثتْ بزناة ٍ مفترضين
وبقاطفي أثمار ٍ فجّة ٍ
وتخلّتْ عن المساومة .

والتي
وقفتْ بباب ِ النهر ِ عارية ً
فيما صكّتْ وجهها عن قمرٍ
كان يتوضأ على مقربة ٍ
واستدارتْ غاضبة ً ،
تحت ذرائع صيانة العفة ِ ،
وحراسة الفضيلة ،
و السهر ِ على ِ ما رتّبَ الأسياد !

والتي
دخلت في المرايا ، عنوة ً ،
حتى هرمتْ كجثة التاريخ
أو كإجاصة ِ الفضيحة ،
وراحت أنوثتها تتداعى كما يتداعى الجدار .

والتي
خرجت من قنينة الوقت ِ ، ظامئة ً ،
فتدفق الماءُ من سرتها..
لتستحيل السرة
أرضًا ،
ومنفىً ،
وخيمة ً
وملاذًا للظامئين .

والتي
كلما لامستْ حجرًا
استحال طيرًا بإذن أنوثتها .

والتي
إن ضحكتْ
سالتْ الأشجارُ في الشوارع
واستحالت ِ النوافذُ غيومًا
والأبوابُ كواكبَ من زبيب ٍ
والشوارعُ أفراسًا
والممراتُ قصائد .

والتي
اكتفتْ بأنوثتها
وضنّتْ بها على معشر ِ العشاق
وندماء ِ المرفأ
وسادة ِ الندى
وسدنة ِ الخصوبة ِ
وأثرياء ِ الرغيف ،ِ
وصرخت في برية ٍ متقشفة ٍ :
ـ إنّ أنوثتي لي ،
وأنا أجزى بها !

والتي
إن بكت قليلا ،
عميتْ لبكائها أعينُ الخليقة ِ
ومسَّ الضرُّ أجنحة ً ،
وذوى الوردُ والأوردة .

والتي
كلما همستْ ،
اخضرت لهمسها آفاقٌ
ورفرفت سماواتٌ
وارتفعتْ راياتٌ
وطارت حصونٌ
وتفتّحتْ مغاليقُ ،
واسترابتْ في اللغة ِ
نورسة ُ البلاغة .

والتي
تخيلتها غزالة ً في مرايا الماء
فخبأتها في غرفة القلب ،
وأجلستها بين الأسرار ِ
والأساور،
والكنوز النفيسة .

والتي
إن مسّتْ أطرافُها الصحراء
صارتْ بساتينَ نساء ٍ
وفراديسَ أعنابٍ
ومعراجَ أنوثة ٍ

والتي إن وطئت الرملَ أضحى سجادة ً
من قرنفل ٍ
وظباء ٍ
وفراشات ٍ
وموائد مسرّة .

والتي
كلما تثاءبتْ ،
اختصمَ عليها ديكان من فرط ِ فحولة ٍ
أو شبق ٍ أو عبث ٍ أو غباء أو نزوة .

والتي
يغسل البحرُ ساقيها العاجيتين ،كل صباح
وتجلس الشمسُ جارية ً قرب أهدابها
تسرّحُ لها أسرابَ الأحلام ِ
وتضفر لها خصلات الذهب .

والتي
تتهيأ لليلة ٍ من ليالي البنفسج .
تاركة ً خصرها ناحلا ً
وعناقيدها عامرة ً
" وهودجها يميل " .

والتي
يداها في القيظ
وشفتاها في الشغف .

والتي
تدق القلبَ بكعب حذائها
ولا تكترث .

والتي
تختصر النساء َ
في لثغة ٍ .

والتي
صدرها في معطف الريح ِ
وشعرها في الفوضى .

والتي
كثيبها مكتنزٌ
ومثمرٌ نخيلها

والتي تقيم في نسمة ٍ
و تخبئ العاصفة .

والتي تشبه سفينة نوح ٍ
و تذخر الطوفان .


.

صورة مفقودة
 
أعلى