إبراهيم رمزي - عن القُبلة ... ورمضان

القبلة - لغويا - تنتمي إلى دائرة المفردات: بَوْس - لَثْم - مثاغمة - مكامعة - مفاغمة - رفيف - شنبل - رشْف - مص - رضاب - ريق - مجاج - لَمَى - طِلَى- ظَلْم ... وفي شروحها ما يفيد اختلاف القبل وكيفياتها.
تُرجع بعض الأقوال اكتشافَ الإنسان للقبلة إلى بحثه عن تابل ينكه به طعامه، فكان مادة الملح، التي تذوّقها - في البداية - وهو يلطع جلدَ أو شفاهَ أحدٍ من مجموعته. ومن ثم اكتشف لذة القبلة وصِلتها بالعلاقة الجنسية، حين وضع الشفتين على الشفتين أو أي نقطة أخرى من جسد الشريك/ة. في مشاركة تطبعها العواطف النبيلة، والتوافق، وتبادل الإعجاب والحنان والرقة.
يتناقص اهتمام الرجل بالقبلة بتقدمه في السن، بينما يبقى في نظر المرأة - رغم السن - دليلا على ديمومة الحميمية. مما يوسع - أو يقلص - مجال الدلالات التي أضْفيَتْ على القبلة، وأماكن طبعها، مثل: التودد والرضا والتذلل والخضوع ... والأمل والفوز
قد تكون القبلة: لذةً لِطرَفٍ، وأذىً لطرف. وقد تمنح نشوةً متماثلة أو متفاوتة لطرَفَيْها. خاصة عند تلوّنها ب fantasme متميز. لذلك فاللذة - التي تمنحها القبلة - شيء نسبي، تؤثر فيه عوامل: السن. والتهويمات الخيالية، والظرف الزماني والمكاني. والطرَف الآخر: رضاه أو اغتصابه، استجابته أو امتناعه، غِرّته أو حنكته.
وهي لذة تتسم - غالبا - بالارتياح والأنس، والإحساس بالرقة والنعومة، وارتشاف الرضاب كتمصّص بقية الماء والعسل، وقد تمتزج بالشوق المتأجج، والعنف المقبول بما فيه من عض ومص.
وفي نظر البعض، تعتبر القبلة المختلسة ألذ القبل، وعند الغير هي قبلة التلاقي المخضلة بالدموع بعد الفراق القسري. وبالنسبة لآخرين، قد تكون هنالك حالات ألذ، تبعا لعوامل ذاتية وظروف خاصة. كالتقبيل في مكان أو زمان يُفترض فيهما الحرمة والقدسية، أو توظيف مصطلحات ورموز دينية حين الحديث عن القُبلة. بل صار حتى للقبلة الافتراضية مكانها في الحياة المعاصرة، من خلال القبل المحلِّقة أمام كاميرات التصوير ومواقع التواصل والدردشة.
ويحفل التراث العربي بما لا يعد من الشواهد عن القبلة. ومن خلالها نكتشف جوانب - مشرقة أو قاتمة - من العلاقات المجتمعية في فترة من الفترات، والسلوكات المتأرجحة بين نبل العواطف ونذالة المواقف.
وفي ذلك معيار للعقلية العربية في واقعيتها وخرافاتها، وللثقافة الجنسية في حقائقها وتهويماتها، ولأخلاق "المؤمنين" و"رقيقي الدين" في انقياد الغباء ودفع الانصياع.
وفي هذه المقالة، سنستعرض شواهد - قد تتداخل محاورها - لنماذج من:
لذة القبلة - اختلاس القبلة - القبلة وظواهر مجتمعية - القبلة وتشبيهات أخرى - القبلة والقضاء - القبلة والأماكن المقدسة - القبلة ورجال الدين والإفتاء - القبلة والخمر والجنس - القبلة ورمضان - القبلة والصيام حسب ابن عباس.

أولا: لذة القبلة
1 - جاء في أمثالهم: (وماءِ الحَـشْـرَجِ)، وهو ماء الحصى. قال ابن أبي ربيعة:
فلثمتُ فاها آخذا بقرونها = شُرْبَ النزيف ببرْد ماءِ الحشرج
ويقال، الحشرج: الحِسْيُ. ويقال: هو الكوز اللطيف.
[مجمع الأمثال - الميداني 2-49/ محاضرات الأدباء - الراغب الأصفهاني/ زهر الأكم - اليوسي/ الكامل – المبرد/ العقد الفريد - ابن عبد ربه/ عيون الأخبار - ابن قتيبة]

2 - عمر بن أبي ربيعة [الديوان]:
لو سُقِيَ الأمواتُ ريقَتَها = بعد كأس الموت لانتشروا

3 - يزيد بن معاوية [الديوان]:
وجرَّعتْنـي بِريـقٍ مـن مَراشِفِـها = فعادتِ الروحُ بَعد الموتِ في جسدي

4 - ابن الرومي [الديوان]:
أعانقها والنفْس بعْد مشوقة = إليها وهل بعد العناق تداني؟
وألثم فاها كي تموت حرارتي = فيشتد ما ألقَى من الهيمان
وما كان مقدار الذي بي من الجوى = ليشفيه ما تَرشفُ الشفتان
كأن فؤادي ليس يشفي غليله = سوى أن يرى الروحين يمتزجان

5 - ابن هانيء الأندلسي [نفح االطيب - المقري 5/188]:
والله لولا أن يعنِّفني الهوى = ويقولَ بعضُ العاذلين: تصابى
لكسرتُ دملجَها بضيق عناقها = ورشفت مِن فيها البَرود رُضابا

ثانيا: اختلاس القبلة
6 - إدريس بن اليماني العبدري [النفح 5/215]:
قبلة كانت على دَهَشٍ = أذهبتْ ما بي من العطش
ولها في القلب منزلة = لو عدَتْها النفسُ لم تعِش

7 - وأنشد أبو الحسن العلوي الهمداني، قال: أنشدني سيف الدولة لنفسه. وأنا أراه من قوله في صباه:
أقبله على جزع = كشرب الطائر الفزع
رأى ماء فأطمعه = وخاف عواقب الطمع
وصادف فرصة فدنا = ولم يلتذ بالجرع

ينظر معناها إلى قول ابن المعتز:
فكم عناق لنا وكم قبَلٍ = مختلَساتٍ حذار مرتقِب
نقْرَ العصافير - وهي خائفةٌ = من النواطير- يانِعَ الرّطَب
[يتيمة الدهر – الثعالبي/ المصون في الأدب - أبو أحمد العسكري/ التشبيهات - ابن أبي عون/ الكشكول – العاملي]

8 - ابن رشيق [المطرب من أشعار أهل المغرب-ابن دحية الكلبي]:
ومِلْنا لتقبيل الخدود ولَثمها = مَمِيَل جياع الطّيرِ تلتقط الحبَّا

9 - لِمجنونٍ، محبوسٍ في ديْر [الأمالي - الزجاجي / تزيين الأسواق - الأنطاكي]:
قبلت فاهاً على خوف مخالسةً = كقابس النار لم يشعر من العجل
ماذا على رصَد في الدار لو غفلوا = عني فقبلتها عشراً على مهل
غضّي جفونك عني وانظري أمماً = فإنما افتضح العشاق بالمقل

10 - ابن وكيع:
ظفرتُ بقبلةٍ منه اختلاساً وكنت من الرقيب على حذار
ألذ من الصبوح على غمامٍ = ومن برد النسيم على خُمار
[قطب السرور في أوصاف الخمور - الرقيق القيرواني/ نور الطرف ونور الظرف - أبو إسحاق الحصري]

11 - أَنشد ابن بري [لسان العرب - ابن منظور]:
واللّهِ لولا رَهْبَتي أَباكِ،
إذاً لزَفَّتْ شفَتايَ فاكِ،
رَفَّ الغَزالِ ورَقَ الأراكِ
رَفَّ الشيءَ يَرُفُّه رَفّاً ورَفِيفاً: مَصَّه، وقيل أَكلَه. والرَّفَّةُ: المَصّةُ. والرَّفُّ: المَصُّ والتَّرَشُّفُ، وقد رَفَفْتُ أَرُفُّ، بالضم.

ثالثا: القبلة وظواهر مجتمعية
12 - قال الأصمعي: قلت لأعرابيّةٍ من بني عذرة: أنتم أكثر النّاس عشقاً فما تعدّون العشق فيكم؟ قالت: الغمزة والقبلة والضمّة. ثمّ قالت:
ما الحبّ إلا قبلةٌ، = وغمز كف، وعضد.
ما الحبّ إلا هكذا، = إن نكح الحبّ فسد.
ثم قالت: وأنتم يا حضر، كيف تعدّون العشق فيكم؟ قلت: يقعد بين رجليها ويجهد نفسه. فقالت: يا ابن أخي، ما هذا عاشقاً هذا طالب ولد.
[أخبار النساء - ابن الجوزي/ الإمتاع والمؤانسة – أبوحيان التوحيدي]

13 - كان الشّرط بين العاشق ومعشوقته - إذا خَلوْا - أن يكون له نصفها الأعلى، من سرّتها إلى قمّة رأسها، يصنع فيها ما شاء. ولبعلها من سرّتها إلى أخمصها. وأنشد ابن الأعرابيّ في مثل ذلك:
فلِلْخِلّ شطرٌ مطلقٌ من عقاله = وللبعل شطرٌ ما يرام منيع
وأنشد الأصمعي لبعض ظرفاء العرب يخاطب بعل عشيقته:
فهل لك في البِدال أبا زنيم = وأقنَعُ بالأكارع والعُجوب
قال إبراهيم بن بشارة الناظم: قد يمْكِن الرجلُ أن يحتجز عن ذلك ما دام ليس له هنالك إلاّ الحديث والقبلة، فأمّا إذا ترشّفها وعانقها من دون ثيابها، فلا بد أن ينعِظ وينشَط ، وإذا أنعظ وهو في الإزار معها انتقض العزمُ. [أخبار النساء]

14 - ولادة بنت المستكفي... كتبت بالذهب على طرازها الأيمن [نزهة الجلساء في أشعار النساء – السيوطي]:
أنا والله أصلح للمعالي = وأمشي مشيتي وأتيه تيهاً
وكتبت على الطراز الأيسر:
أمكِّن عاشقي من صحن خدي = وأعطي قبلة من يشتهيها

15 - أبو نواس [الديوان/ الأغاني]:
قد أحدث الناس ظرفـاً = يزهو على كل ظرف
كانوا إذا مـا تـلاقـوا = تصافحـوا بـالأكـف
فأظهروا اليوم رشف الـ = خدود والرشف يشفـي
فصرتَ تلثم من شـئـ = ـتَ من طريق التخفي

16 - دخلت عزة على أم البنين بنت عبد العزيز، فقالت لها: ما الحق الذي مطلته كثيراً إذ قال:
قضى كل ذي حق فوفى حقوقه = وعزة ممطول معنى غريمها
فقالت: وعدته قبلة. = فقالت: أنجزيها وعلي إثمها.
وفي رواية أن الحكاية مع سكينة بنت الحسين. وفي الذيل من رواية الفارسي: قضى كل ذي دين فوفى ديونه. وفي أخرى: غريمه.
[الآبي في نثر الدر نسب الخبر لامرأة ثالثة هي: عاتكة بنت يزيد][تزيين الأسواق - الأنطاكي/ مصارع العشاق - السراج/ البصائر والذخائر – التوحيدي/ عيون الأخبار]

17 - أبو نواس [الديوان]:
سألتُها قُبلة ، ففزْتُ بها = بعدَ امتِناعٍ ، وشِدّة التعبِ
فقلتُ: باللّه يا معذبتي = جودي بأخرى أقضي بها أرَبي
فتبسّمتْ، ثم أرسلتْ مثلاً = يَعرِفهُ العُجْمُ ليسَ بالكذِبِ:
"لا تُعطينَّ الصبيَّ واحدةً، = يطلبُ أخرى بأعنَفِ الطلَبِ!"

رابعا: القبلة وتشبيهات أخرى
18 - بعض المتأخرين في زِرّ وَرْد [نصرة الثائر على المثل السائر - الصفدي]:
سبقت إليك من الحدائق وردةٌ = وأتتك قبل أوانها تطفيلا
طمعت بلثمك إذ رأتك فجمّعت = فمها إليك كطالبٍ تقبيلا

19 - أبو جعفر بن سعيد، [بعد ليلة باتها في بستان رفقة حفصة الركونية][النفح 5/309]:
يُرى الروض مسرورا بما قد بدا له = عناق وضم وارتشاف مقَبَّل

20 - بشار [الديوان]:
عشقت فاها وعينيها ورؤيتها = عشق المصلين جناتِ الأبرار
فالعين مني عن النسوان صائمة = حتّى يكون على الحوراء إِفطاري

21 - ابن سكرة الهاشمي [يتيمة الدهر]:
بات سكران لا يحير جوابا = عن كلامي، وبت ألثم فاه
وأتاني إبليس يأمر بالسو ء = فما كان ذاك لا وهواه
شيمة الظرف أن أصون حبي = بي عن قبيح يراه أو لا يراه
أي فرقٍ بين الحبيب إذا نيـ = ـك ولم يحتشم وبين سواه

22 - شاعر [البصائر والذخائر ج 1]:
وما نلت منها محرماً غير أنني = أقبل بسّاماً من الثغر صافيا
وألثم فاها تارة بعد تارة = وأترك حاجات النفوس كما هيا

خامسا: القبلة والقضاء

23 - روي أن رجلاً عدا على امرأة فقبّلها، فأتتِ النبي «ع س» فشكَتْ ذلك إليه، فقال: ما تقول هذه؟ قال: صدقتْ، فأقِصَّها يا رسول الله. فتبسم رسول الله «ص» وقال: أو لا تعود؟ قال: أو لا أعود. [نثر الدر - الآبي]

24 - ارتفعت امرأة مع رجل إلى قاضي حمص. فقالت: أعز الله القاضي. هذا قبلني. قال القاضي: قومي إليه فقبّليه كما قبلك. قالت: قد عفوتُ عنه إن كان كذا. قال القاضي: فإيش قعودي ههنا؟ حيث أردت أن تهبي جرمه، لم جئت إلى هذا المجلس؟ والله لا برحتِ حتى تقتصّي منه حقك، وبعد هذا لو ناكك رجل بحذائي لم أتكلم. [نثر الدر/ البصائر والذخائر - التوحيدي/ آثار البلاد وأخبار العباد - القزويني]

25 - أتت جارية أبا ضمضم فقالت: إن هذا قبلني. قال لها: قبليه، فإن الله يقول: "والجروح قصاص". [العقد الفريد]

26 - القاضي عبد الوهاب بن نصر الفقيه المالكي، ... فمن قوله يتغزل ويوري بالمسائل الفقهية [المحاضرات في اللغة والأدب – اليوسي 171]:
ونائمة قبلتها فتنبهت فقالت: = تعالوا فاطلبوا اللص بالحد
فقلت لها: إني لثمتك غاصباً = وما حكموا في غاصب بسوى الرد
خذيها وكفي لي عن إثم ظلامتي = وإن أنت لم ترضي فألف من العد
فقالت: قصاص يشهد العقل أنه = على كبد الجاني ألذ من الشهد
فباتت يميني وهي هميان خصرها = وباتت يساري وهي واسطة العقد
وقالت: ألم أُخبَر بأنك زاهد = فقلت لها: ما زلت أزهد في الزهد
[لسان العرب: والهِمْيانُ: التِّكَّة، وقيل للمِنْطَقَةِ هِمْيانٌ، ويقال للذي يجعل فيه النفقة ويشدّ على الوسط: هِمْيان؛ قال: والهِمْيان دخيل معرّب، ... قال: الهَماينُ جمع هِمْيانٍ، وهي المِنْطَقة والتِّكَّة، ... وأَورد ابن الأَثير حديثاً آخر عن يوسف الصديق "ع س" مستشهداً به على أَن الهِمْيَان تِكَّةُ السراويل لم أَستحسن إيرادَه.]

27 - هدبة بن الخشرم:
واللَهِ لا يَشفي الفؤادَ الهائِما = تَمساحُكَ اللَبَاتِ وَالمآكِما
وَلا اللِمامُ دونَ أَن تُلازِما = وَلا اللِزامُ دونَ أَن تُفاقِما
وَلا الفِقامُ دونَ أَن تُفاغِما = وَتَعلوَ القَوائِمُ القَوائِما
الفغام - بفاء وغين معجمة -: التقبيل. والفقام - بفاء وقاف -: الجماع. وقال صاعد في الفصوص: الفغام: وضع الأنف على الأنف، والفقام: وضع الشفة على الشفة. [الديوان/ الأغاني 21/261/ الباقلاني - أبو البركات الأنباري/ زهر الأكم - اليوسي. 234/ البيان والتبيين 3/207/ الوشاح في فوائد النكاح - السيوطي/ رجوع الشيخ إلى صباه - ابن كمال باشا 97]

28 - تزوج العجاج الدهناء بنت مسحل، فلم يقدر عليها، فشكت ذلك إلى أهلها، فسألوه فراقها، فأبى، وقال لأبيها: تطلب لابنتك الباه؟ قال: نعم، عسى أن ترزق ولداً، فإن مات كان فرطاً، وإن عاش كان قرة عين. فقدموه إلى السلطان، فأجله شهراً. ثم قال:
قد ظنت الدهنا وظن مسحل = أن الأمير بالقضاء يعجل
عن كسلاتي والحصان يكسل = عن السفاد وهو طرفٌ هيكل
ثم أقبل على امرأته، فضمها إلى صدره، فقالت:
تنح لن تملكني بضم = ولا بتقبيل ولا بشم
إلا بزعزاعٍ يسلي همي = يسقط منه فتخي في كمي
يطير منه حزني وغمي
[المحاسن والأضداد – الجاحظ/ البيان والتبيين 2/351، 3/207/ الوشاح - السيوطي/ لسان العرب/ محاضرات الأدباء - الأصفهاني]
هناك اختلاف في الروايات، أهمها:
لسان العرب:
والله لا تمـسكني بـشم ولا بتـقـبيـل ولا بضم
الوشاح - السيوطي
والله ما يمسكني بضم ولا بتقبيل ولا بشم
الوشاح - السيوطي(في مكان آخر)
تالله لا تخدعني بالضمٍّ = وكثرة التـقـبيل أو بالشَمٍّ
البيان والتبيين 3/207
واللـه لا أرضـى بـطول ضـمٍّ
ولا بـتـقـبــيـل ولا بـشَـمٍّ
إلا بـهَـزْهَـازٍ يـسـلِّي هَـمِّي
يـسـقطُ منه فَـتَـخِي في كُـمِّي
لـمِـثـل هـذا ولـدتـني أمّـي

سادسا: القبلة والأماكن المقدسة
29 - مطيع بن إياس [بدائع البدائه – ابن ظافر الأزدي]:
قبليني سعاد، بالله، قُبلهْ = واسأليني بها، فديتك، نحلهْ
فورب السماء لو قلت صلِّ = لوجهي، جعلت وجهك قِبله

30 - أبو نواس [الديوان/ محاضرات الأدباء - الأصفهاني/ عيون الأخبار/ الأغاني 25/142]:
وعاشقين التف خداهما = عند التثام الحجر الأسود
فاشتفيا من غير أن يأثما = كأنما كانا على موعد
لولا دفاع الناس إياهما = لما استفاقا آخر المسند
ظِلْنَا كلانا ساتر وجهه = مما يلي جانبه باليد
نفعل في المسجد ما لم يكن = يفعله الأبرار في المسجد

31 - ابن مناذر [+ 198 هـ]: لما مات عبد المجيد بن عبد الوهاب [أحد ممدوحي ابن مناذر الذين أخلص لهم حبه ووفاءه حتى مماته]، خرج ابن مناذر إلى مكة، وترك النسك، وعاد للمجون والخلع، وقال في هذا شعرا كثيرا، حتى كان إذا مدح أو فخر لم يجعل افتتاح شعره ومباديه إلا المجون، وحتى قال... في هذا المعنى [الأغاني 18/199]:
ألا يـا قــمــر الـمــســجــد = هـــل عــنــدك تـــنــويـل؟
شـــفـائــي مــــنــك - إن = نـولـتـنـي- شــم وتـقـبــيـل
ســـــلا كـــــل فـــــؤاد = وفــؤادي بــك مــشـــغــول
لـقـد حُــمِّـلــتُ مـن حُـبِّــيـ = ـكَ مــالا يـحــمـل الــفــيـل

32 - وعلى ذكر القبلة، فقد أنشدت أبياتاً ليونس العروضي، فيها كناية لطيفة عما يتبع القبلة، وهي [رسائل الثعالبي – الثعالبي 122]:
إني من حبك ياسيدي = في خطة هائلة صعبه
وقد أذنت اليوم في قبلة = راعيت فيها حرمة الصحبه
كأنني إذ نلتها خلتني = قبلت ركن البيت ذي الحجبه
والركن قد فزت بتقبيله = فكيف لي أن أدخل الكعبه

33 - الصاحب بن عباد، أبو القاسم اسماعيل [ + 385 ]. قال من باب الاقتباس من الحديث [يتيمة الدهر]:
ومهفهفٍ يغني عن القمر = قَمَرَ الفؤاد بفاتن النظر
خالسته تفاح وجنته = من غير إبقاءٍ ولا حذر
فأخافني قومٌ فقلت لهم = لا قطع في ثمرٍ ولو كثر
وقال في مثله:
قال لي إن رقيبي = سيِّءُ الخلق فداره
قلت دعني، وجهك الـ = ـجنة حفت بالمكاره

34 - بشار [الديوان]:
حلفتُ بمن حجّ المُلَبُّونَ بيتَه = وبالخيفِ والرّامِينَ للجَمراتِ
لَتَقبيلُ خدَّيْها ومصُّ لسانها = ألذُّ من الباكين في عرفاتِ

35 - ابن عنين: قال لمن لامه في عشق غلام أسود [الديوان]:
أَجَلْ أنا في لونِ الشبيبةِ مغرَمُ = وإِنْ لجَّ عذَّالٌ وأَسرفَ لُوَّمُ
وماذا عليهم أنْ كلِفتُ بأسْودٍ = محلتهُ في العينِ والقلب منهمُ
وقد عابني قومٌ بتقبيلِ خدّه = وما ذاكَ عيبٌ، أسودُ الركنِ يُلثمُ

سابعا: القبلة ورجال الدين، والإفتاء
36 - ابن قيس الرقيات [العقد الفريد]:
حبذا الإدلال والغنج = والتي في طرفها دعج
والتي إن حدثت كذبت = والتي في ثغرها فلج
خبروني هل على رجل = عاشق في قبلة حرج

37 - هوى بعض المسلمين جاريةً بمكّة فأرادها، فامتنعت عليه. فأنشدها [أخبار النساء]:
سألت الفتى المكّيّ هل في تزاورٍ = وقبلة مشتاق الفؤاد، جناح؟
فقال: معاذ الله أن يذهب الهوى = تلاصق أكبادٍ بهنّ جراح
فقالت له: بالله، إنّك سمعته، وسألته، فأجابك بهذا الجواب؟ قال: نعم. فزارته وجعلت تقول: إيّاك أن تتعدى ما أمرك به عطاء.

38 - بشار [الديوان]:
هلْ على عاشقٍ خلاَ بحبيبٍ = في التزام وقبلةٍ من جناح

39 - بشار [الديوان]:
قالوا: حرام تلاقينا. فقد كذبوا = مَا فِي الْتِزَامٍ ولا في قبْلة حرَجُ

40 - أبو مسهر العذري [أخبار النساء]:
إذا قبّل الإنسان ممّن يحبّه = ثناياه لم يأثم وكان له أجرا
فإن زاد زاد الله في حسناته = مثاقيل يمحو الله عنه بها وزرا

41 - وأنشد لبعض المحدثين [الكامل]:
تلاصقنا وليس بنا فسـوق = ولم يرد الحرام بنا اللصوق
ولكن التباعد طال حـتـى = توقد في الضلوع بنا حريق
فلما أن أتيح لنا التـلاقـي = تعانقنا كما اعتنق الصديق
وهل حرجاً تراه أو حراماَ = مشوق ضمه كلف مشوق

42 - الأمير أبو الفتح الحاتمي [دمية القصر وعمدة أهل العصر - الباخرزي]:
ومنتقب بالورد قبلت خده = وما لفؤادي من هواه خلاص
فأعرض عني مغضباً قلت: لا تجر = وقبّل فمي إن الجروح قصاص

43 - روى لنا أن الملك العزيز كتب إلى القاضي أبي الطيب الطبري [أخبار القضاة – وكيع]:
يا أيها العالم ماذا ترى = في عاشق ذاب من الوجد
من حب ظبي أهيف أغيد = سهل المحيا حسن القد
فهل ترى تقبيله جائزاً = في النحر والعينين والخد
من غير ما فحش ولا ريبة = بل بعناق جائز الحد
إن أنت لم تُفْتِ فإني إذاً = أصيح من وجدي وأستعدي
فأجابه:
يا أيها السائل إني أرى = تقبيلك العين مع الخد
يفضي إلى ما بعده فاجتنب = تقبيله بالجد والجهد
فإن من يرتع في روضة = لا بد أن يجنى من الورد
وإن من تحسبه ناسكاً = يُغلب عند الأنس بالمرد
فاستعمل العفة واعْصَ الهوى = يسلمْ لك الدين مع الود
تغنيك عنه كاعب ناهد = تضمها بالملك وبالعقد
تبلغ منها كل ما تشتهي = من غير ما فحش ولا رد
هذا جوابي لقتيل الهوى = فلا تكن في الحق تستعدي

44 - وعشق بعضهم غلاما وقبله فآذاه، فلما أضجره قال له الغلام: ويحك! ما تريد مني، قال: ما لا يجب عليّ فيه حد، ولا عليك غسل. وفي هذا المعنى يقول أحدهم [خاص الخاص-الثعالبي 48]:
فديتك قد فضحتَ الورد خدا = وقد أتعبت خوط البان قدا
فماذا كان لو داويت مني = عليلا هدّهُ الهجران هدا
يلم بقبلة وقليل وصل = يصد به عن المحظور صدا
فليس بملزم إياك غسلا = وليس بملزم إياي حدا

45 - وروى عبد الرحمن بن نافع، أنّ أبا هريرة سئل عن قول الله عز وجل "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم". فقال: هي النظرة والغمزة والقبلة. وقال مجاهد: هو الرّجل يلمّ بالذّنب مرّةً ثمّ لا يعود، وبإسنادٍ عن رسول الله، "ص"، أنّ رجلاً جاء إليه فقال له: إنّي أخذت امرأةً في البستان فأصبت منها كلّ شيءٍ، إلاّ أنّي لم أنكحها، فأصنع ما شئت؟ فسكت عنه "ص". فلمّا ذهب، دعاه فقرأ عليه: "أقم الصّلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إنّ الحسنات يذهبن السيئات". [أخبار النساء]

46 - ابن أبي الزوائد، من مخضرمي الدولتين، كان إماما بمسجد الرسول [الأغاني 14/126]:
يا طِـيـبَ فـيـها وطـيـب قُـبلـتها = والقُـرْب مـنها في اللـيـلة الشَّـبِـمَهْ

47 - إمام الحرمين [المخلاة - العاملي]:
إذا سُمتُها التقبيلَ صدّت تدللا = فقالت: أما تخشى، وأنت إمام؟
أتحسب رشف الريق مِني محللا = وريقي مدامٌ، والمدام حرام

48 - قال الحسن: أكثروا من مداعبة النساء، ولا تكونوا كالبهيمة التي يطرقها الفحل بغتةً. والمداعبة للشهوة كالرعد والبرق للمطر. القبلة بريد النيك. [محاضرات الأدباء - الأصفهاني]

49 - جاء ابن سوجون السلمي إلى مالك بن أنس فقال [الوشاح - السيوطي]:
سلوا مالك المفتي عن اللهو والصبا = وحب الحسان المعجبات الفوارك
ينبيكم أني مصيب، وإنما = أسلي هموم النفس عني بذلك
فهل في محب يكتم الحب والهوى = آثامٌ؟ وهل في ضمة المتهالك؟
قال: فضحك مالك.

50 - أنبأنا التنوخي علي بن المحسن، أخبرنا أبو بكر بن شاذان، حدثني نفطويه، حدثني إدريس بن إدريس قال: حضرت بمصر قوماً من الصوفية، وعندهم غلام أمرد يغنيهم، فغلب على رجل منهم أمْرُه، فلم يدر ما يصنع، فقال: يا هذا! قل لا إله إلا الله! فقال: لا إله إلا الله. فقال: أقبّل الفم الذي قال لا إله إلا الله.[مصارع العشاق - السراج]

51 - كتب بعض الأدباء إلى ابن حزم الأندلسي بقوله [النفح 5/293]:
سألت الوزير الفقيه الأجل = سؤال مدِلٍّ على من سأل
فقلت أيا خير مسترشد ويا = خير من عن إمام نقل
أيحرم أن أنالني قبلة = غزال ترشف فيه الغزل
وعانقني والدجى خاضب = فبتنا ضجيعين حتى نَصَل
وجئتك أسأل مسترشدا = فبيّنْ فُدِيتَ لمن قد سأل
فأجابه ابن حزم بقوله:
إذا كان ما قلته صادقا = وكنتَ تحرَّيْت جهدَ المقلّْ
وكان ضجيعك طاوي الحشا = أعار المهاة احمرار المقلْ
قريب الرضا وله غنّة = تميت الهموم وتحيي الجذلْ
ففي أخذ أشهب عن مالك =عن ابن شهاب عن الغير قلْ
بترك الخلاف على جمعهم = على أن ذلك حِلّ وبلّْ

52 - كان خداش - صاحب الخداشية - يفسد قوماً من أهل الدعوة برأيه، وهو رأي الخرمية، ... يقول لهم: لا صوم ولا صلاة ولا حج، ويقول: إنما تأويل الصوم أن يصام عن ذكر الإمام ولا يباح باسمه لأحد، ... فإنه ليس... في ترك الأكل والشرب للصائم منفعة، ... فلا ينبغي أن تمتنعوا مما تحبون من طعام أو شراب أو جماع أو غير ذلك في كل حين، ولا جناح عليكم فيه. ويتأول لهم من القرآن قوله عز وجل: "ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا" [الجليس الصالح - ابن زكريا]:

ثامنا: القبلة والخمر والجنس
53 - قال المتوكل، أو غيره من الخلفاء، لبختيشوع: ما أخفّ النقل على النبيذ؟ فقال له: نقل أبي نواس. فقال: ما هو؟ فأنشده:
مـا لـي في الـناس كـلِّـهـم مَـثَـلُ = مائـيَ خـمْــرٌ ونَـقْـلِـيَ القُــبَـلُ
[النَّقْل - بفتح النون وضمها -: ما يَعْبَث به الشارب على شَرابه، .. الانْتقال على النبيذ، .. الذي يُتَنَقَّل به على الشَّراب. (لسان العرب)][عيون الأخبار/ قطب السرور - القيرواني / الأغاني 25/82]

54 - المأمون [محاضرات الأدباء - الأصفهاني]:
يا ليلةً فزنا بها حلوةً = جامعة في ظلها الشمل
شرابنا الريق وكاساتنا = شفاهنا والقبل النقل

55 - البحتري [محاضرات الأدباء - الأصفهاني]:
ورُبّتَ ليلةٍ قد بت أسقى = بعينيها وكفيها المداما
قطعنا الوصل لثماً واعتناقاً = وأفنيناه ضماً والتزاما

56 - كان أبو بكر القهستاني لهجاً بالغلمان شديد الميل إليهم، وله [معجم الأدباء - ياقوت]:
عاقرتُـه، أسكرتـه، قـبّـلـتـه، = جدّلته، فقّحـتـه، سـرّحـتـه

57 - أبو نواس [الديوان]:
مَرّ بنا، والعيونُ تأخذُه، = تَجرَحُ منه مواضعَ القُبَلِ
أُفرِغَ في قالبِ الجمالِ، = فما يصلُحُ إلاّ لذلكَ العملِ

58 - أبو الحسن علي بن جابر الدباج الإشبيلي: ومن ظرفه أن أحد تلاميذه قال لغلام جميل الصورة: بالله أعطني قبلة تمسك رمقي. فشكاه إلى الشيخ وقال له: يا سيدي قال لي هذا كذا. فقال له الشيخ: وأعطيتَه ما طلب؟ فقال: لا. فقال له: ما هذه الثقالة؟ ما كفاك أن حرمتَه حتى تشتكي به أيضا؟. [النفح 5/27]

59 - أبو عيسى لبّ بن عبد الوارث القَلْعي ـ النحوي اللغوي ـ، قال الحجاري: أخبرني أنه أحبّ أحدَ أولاد الأعيان ممن كان يقرأ عليه، فلما خلا به شكا إليه ما يجده. فقال له: الصبيان يفطنون بنا، فإذا أردت أن تقول شيئا فاكتبه لي في ورقة. فلما سمعت ذلك منه تمكن الطمع مني فيه، وكتبت له:
يا من له حسْن يفوق به الورى = صِلْ هائما قد ظَلّ فيك محيَّرا
وامنُنْ عليّ بقبلة أو غيرها = إن كنت تطمع في الهوى أن تُؤجَرا
وكتبتُ بعدها من الكلام ما رأيته. فلما حصلت الورقة عنده كتب إلي في غيرها:
" أنا من بيتٍ عادةُ أهله أن يكون اسم فاعل لا اسم مفعول، وإنـما أردت أن يحصل عندي خطك شاهدا على ما قابلـتني به، لـئلا أشكوك إلى أبي فيقول لي: حاش لله أن يقع الفقيه في هذا، وإنما أنت خبيث، رأيتَه يطالبك بالتزام الحفظ فاختلقت عليه لأخرجك من عنده، فأبقى معذبا معك ومعه، وإن أنا أوقفته على خطك صدّقني واسترحت، ولكن لا أفعل هذا إن كففتَ عني، وإن انتهيتَ فلا أخبر به أحدا."
قال ابن عبد الوارث: فلما وقفت على خطه علمت قدر ما وقعت فيه، وجعلت أرغب إليه في أن يرد الرقعة إليّ، فأبى وقال: هي عندي رهْن على وفائك بأن لا ترجع تتكلم في ذلك الشأن. قال: فكان والله يبطل القراءة، فلا أجسر أكلمه، لأني رأيت صيانتي وناموسي قد حصل في يده، وتُبْتُ من ذلك الحين عن هذا وأمثاله. [النفح 5/75]

60 - كان [وزير المهتدي] سليمان بن وهب - وهو حدث - يتعشق ابراهيم بن سوار بن شداد بن ميمون، وكان من أحسن الناس وجها وأملحهم أدبا وظرفا. وكان ابراهيم هذا يتعلق جارية مغنية يقال لها: "رُخاص" فاجتمعوا يوما فسكر ابراهيم ونام، فرأت رخاص سليمان يقبله، فلما انتبه لامته، وقالت: كيف أصفو لك وقد رأيت سليمان يقبلك؟ فهجره ابراهيم، فكتب إليه سليمان:
قــل للــذي لــيـس لــي = من جــوى هـــواه خــلاص
أئــــن لــثــمـتـك ســــرا = وأبــصـــرتــنــي رخـــاص
وقـــال لـــــي ذاك قـــــوم = عـلـى اغــتــيــابـي حِــراص
هــجــرتــنـي وأتــتــنــي = شـتــيــمـــة وانــتـــقاص
وســـــرّ ذاك أنـــــاســـا = لـهـم عـلــيــنـا اخـــتـراص
فــهـاك فـاقــتــص مــنــي = إن الــــجـــروح قــــصاص
وأهدى سليمان إلى "رخاص" هدايا كثيرة، فكانوا بعد ذلك يتناوبون: يوما عند سليمان، ويوماعند ابراهيم، ويوما عند رخاص.
[الاختراص: الكذب، واخترص القول: افتعله.][الأغاني 23/159]

61 - أبو نواس [الديوان]:
طَرِبتُ إلى قطربُّلٍ، فأتَيتُها = بمالٍ من البِيضِ الصّحاح، وعَينِ
ثَمانينَ ديناراً جِياداً ذخرْتُها، = فأنفقتُها حتى شربْتُ بِدَيْنِ
وبعتُ قميصاً سابرِيّاً وجبّة ً، = وبعتُ رداءً مُعْلَمَ الطّرَفَينِ
لخمّارَةٍ، دينُ ابن عمْرانَ دينُها = مهذّبة تُكْنى بأمِّ حُصَينِ
وقلتُ لها: إن لمْ تَجودي بِنائلٍ، = فلا بُدّ مِنْ تَقبيليَ الشفتَينِ
فقالتْ: فهلْ تَرْضى بغيرهما = هَوى بأمْرَدَ كالدّينار، فاتر عَينِ
فجاءتْ به كالبدر يُشرِق وجهُه = أغَنُّ، غَضيضٌ، رَجِحُ الكَفَليْنِ
فروّحتُ عنها مُعسِراً غيرَ موسِرٍ، = أُقَرْطِسُ في الإفلاسِ من مئَتَينِ
فقال لي الخمّارُ عند وداعِهِ = وقد ألبستني الْخمرُ خُفّ حُنَينِ
ألا عِشْ بزَينٍ أينَ سِرتَ مسلَّماً، = وقد رحتُ منه، حينَ رُحْتُ، بِشَيْنِ

62 - أبو نواس [الديوان]:
تَحَدّرَ ماءُ مُقْلتِه = فخَرّقَ وَرْدَ وَجْنَتِه
لأنّي رُمْتُ قُبلتَهُ = على ميقاتِ غَفْلتهِ
فلمّا وسّدتْه الكأ = سُ حَلَّ رِباطَ جُبَّتِه
فويْلي منه حين يفيـ = قُ من غمراتِ سكرتِهِ
أُراه سوفَ يقتلني، = ببعض سيوف مُقلتهِ
ولا سِيما، وقد غَيّرْ = تُ عَقْدَ رِباطِ تِكّته

63 - قال الأصمعي: خرجت إلى بادية، فإذا أنا بخباء فيه امرأة، فدنوت فسلمت، فإذا هي أحسن الناس وجهاً، وأعدلهم قامةً، وأفصحهم لساناً، فحار فيها بصري، واعترتني خجلة، فقالت: ما وقوفك؟ فقلت:
هل عندكم من مخيض اليوم نشربه = أم هل سبيلٌ إلى تقبيل عينيك
فلست أبغي سوى عينيك منزلةً = أم هل تجودي لنا عضاً بخديك
أو تأذنين بريقٍ منك أرشفه = أو لمس بطنك أو تغميز ثدييك
ردي الجواب على من زاده كلفاً = تكريره الطرف في أجدال ساقيك
فرفعت رأسها إلي وقالت: يا شيخ ألا تستحي؟ ارجع إلى أهلك، وارغب في مثلك. [المحاسن والأضداد - الجاحظ]

64 - رشف: الراء والشين والفاء أصلٌ واحد، وهو تَقَصِّي شُرب الشّيء. والرَّشُوف: المرأة الطيِّبة الفَم. ومعنى هذا أنَّ رِيقَتَها مِن طِيبها تُتَرَشَّف. وفي المعاجم أيضا: الرّشُوفُ من النساء اليابسةُ المَكانِ (= الفرج)، والرّصُوفُ الضَّيِّقَةُ المكان. [مقاييس اللغة - ابن فارس]

65 - الصاحب [محاضرات الأدباء - الأصفهاني]:
قال إذ قبلته في خده: = إنما القبلة عنوان الصِّلهْ

66 - ابن الحجاج [نواضر الأيك في معرفة النيك - السيوطي 80]:
ما قبّلتْ قط من قيام = إذا التقينا ألا نسلِّمْ
في فمها السلسبيل بردا = وبين أفخاذها جهنمْ

67 - بشار [الديوان]:
يا حسنها إذ تقول مازحة = ونحنُ فَوق السريرِ نَعْتَفِجُ
لقد حَرِجْنا وهي معانِقتي = تلثمني والصباح منبلج
فقلتُ: يا منيتي ويا سكني = ما في عناق وقبلة حرج!

68 - وكان الحسن بن وهب يهوى بنان جارية ابن حماد، ... وفيها يقول[جمع الجواهر في الملح والنوادر - الحُصري]:
أقول وقد حاولت تقبيل كفها = وبي رعدةٌ أهتّزّ منها وأسكـن
ليهنئك أني أشجع الناس كلّهم = لدى الحرب إلا أنني عنك أجبن
قال هارون، لعنان جارية الناطفي، وقد قبّلها ولم ينتشر عليه [محاضرات الأدباء - الأصفهاني]:
أقول وقد حاولت تقبيل خدها = وبي رعدةٌ من حبها ليس تسكن:
فديتك إني أشجع الناس كلهم = لدى الحرب إلا أنني عنك أجبن

69 - روي أن أبا هريرة أتاه رجل فقال: دخلتُ داراً فأطعموني ولم أدْر. فقال: الله أطعمك وسقاك. قال: ثم دخلتُ داري فجامعت. فقال: ليس هذا فِعلَ من تعوّد الصيام. [محاضرات الأدباء - الأصفهاني]

تاسعا: القبلة ورمضان
70 - وسئل الشعبي عن القبلة، فقال هي تنقض الوضوء وتجرح الصوم. [أخبار القضاة – وكيع]

71 - وقال أعرابي [الكامل]:
ألا تسأل ذا العـلـم مـا الـذي = يحل من التقبيل في رمضان؟
فقال لي المكي: أما لـزوجةٍ = فسبع، وأما خلةٍ فثـمـانـي
وأنشد:
سل الفتي المكي هل في تزاور = ونظرة مشتاق الفؤاد جـنـاح
فقال: معاذ الله أن يذهب التقى = تلاصق أكباد بهـن جـراح

عاشرا: القبلة والصيام حسب ابن عباس
72 - سأل شاب ابن عباس: أيقبِّل وهو صائم؟ قال: لا. ثم سأله شيخ، قال: نعم. فسئل عن ذلك، فقال: إن عروق الخصيتين معلقة بالأنف، فإذا شم الأنف تحرك الذكر، وإذا تحرك الذكر دعا إلى ما هو أكبر من ذلك. والشيخ أملك لإربه. [الوشاح - السيوطي]
73- وهناك نص مماثل - في نثر الدر للآبي - نورده على سبيل الاستئناس، يُظهر أن مؤلفه تحرج من نسبة الخبر لابن عباس، فأغفله، وجعله "عابدا". ثم أضاف بعض التوابل، حتى يمحو معالم الطريق المؤدية إليه: جاء رجل إلى عابد، فسأله عن القبلة للصائم، فقال: تكره للحدث، ولا بأس بها للمسن، وفي الليل لك فسحة. فقال: إن زوجها يعود إلى منزله ليلاً. فقال: يا ابن أخ؛ هذا يكره في شوال أيضاً.

ابن عباس ينتصب حاضرا في المشهد، وفتواه يجب أن لا تكون إباحة مطلقة، ولا تحريما عاما. يجب أن تكون بحسب حاجته هو، وعلى قدر مقامه، وألا تثير جدلا في المستقبل، وألا يحاسب عليها. لذلك يبدأ في تصنيف نفسه في طبقة "المالكين إربهم"، ثم يثنِّي بالإباحة لنفسه ولهم. ويحرم على من سواهم. فهل "مِلك الإرب" حالة عرضية تعتري الإنسان أحيانا؟ أم حالة دائمة معززة بقوة الإرادة والإيمان، لا تخور أمام الإغراءات كيفما كانت؟

ابن عباس ينتمي لمجتمع مغرق في البداوة، يحاول - بمجيء الإسلام - استبدال عباءته، والتلذذ بالخيرات التي صارت تنهال عليه من كل حدب وصوب بفعل "الفتوحات" وتقاطر الغنائم والسبايا. إغراءات متعددة لا عهد لـ"المؤمنين" بها، ورخصة "ملك اليمين" تظللهم حين ولوجهم سوق النخاسة المفتوح على مصراعيه، وأصناف الصبايا والنساء والغلمان تملأ جوانبه. وفائض أموال الغنائم دفعهم حتى إلى التفنن في إهداء الجواري لبعضهم البعض.
كيف لمجتمع متهافت على الملذات الحسية أن يشكم شبقه وتعطشه الجنسي في رمضان أو غير رمضان؟ رجاله يتعمدون التجاهل وقصر النظر في القُبلة، ويدورون حول الموضوع مترددين، وإذا حسموا فلغاية في نفوسهم.
قدّم ابن كمال باشا - بدون تلميح - إيضاحا - لا غبار عليه، ولا محاباة فيه -: واعلم أن القبلة أول دواعي الشهوة والنشاط، وسبب الإنعاظ والانتشار، ومنه تقوم الأيور، وتهيج الإناث الذكور، ولا سيما إذا خلط الرجل بين قبلتين بعضة خفيفة وقرصة ضعيفة، واستعمل المص والنخر والمعانقة .. فهناك تتأجج الغلمتان، وتتفق الشهوتان، وتلتقي البطون، وتكون القبل مكان الاستئذان. واستدلوا [بها] على الطاعة وحسن الانقياد والمتابعة، وذلك أن السبب في شغف الإنسان بالتقبيل إنما هو سكون النفس إلى من تحبه وتهواه. لذلك قالوا: البوس يزيد النيك. [رجوع الشيخ إلى صباه 111]

إذا كانت القبلة مصدرًا لِلّذة، فقد كان أولى بمن "يملك إربه" الامتناع عنها، سواء توقف عند القبلة أو تجاوزها إلى "ما هو أكبر".
هل "مالك إربه" هو الوحيد المسموح له بتذوق الجَمال: نغما، وعطرا، وصورة، ونظرة، ولمسة، وقبلة ... وأن يجني - وهو صائم - من اللذة ما يشاء: تجميشا ومداعبة، شمّا ومغازلة، عناقا للقد وعصْرا للنهد، لمْسا للجيد وعضا للخد، مصّ لسانٍ وسُكْرا برضاب.
فحيحُ شهوة يلفح الأذنين، ويدٌ - تجول هنا وهناك - تقرص، تعبث، تضم، تشد، ترخي، ... عضٌّ ومص ولحس وبُهر، ...
ما الفرق بين "مالك إربه" والشاب في مثل هذا الموقف؟ هل أحدهما ينبض من العنفوان، والآخر جامد كتمثال من طين؟ هل ننكر على أحد منهما الرقة والعاطفة؟ أم نميز تمييزا بغيضا بين البشر حتى في أحاسيسهم ومشاعرهم؟ كما ميزنا بينهم في الفئات: ابتداء بالأسياد ثم العُبْدان، وبمن الذين "رضي الله عنهم" إلى "أسفل سافلين"، مكسِّرين بذلك أسنان المشط الذي شبهوا به.

ما الذي يميز فتوى ابن عباس عن رأي المومس في النادرة التالية: أدخل رجل قحبة في شهر رمضان، فلما دفع فيها وأراد ان يقبلها حولت وجهها، فقال لها: لِمَ لا تقبِّلينني؟ فقالت: بلغني أن القبلة تفطر الصائم. [البصائر والذخائر/ نثر الدر]
لعل للمومس فهما للدين ينطلق من مصلحتها الخاصة، ويتعين ألا يتعارض مع كسبها ومصدر عيشها، وهواها. ولذلك لا تجد حرجا في ممارسة الجنس، وتتحرج من القبلة. ولابن عباس - في فتواه - نفس المنطلق، والذي يجب ألا يتعارض مع أهواء "المالك لإربه".

هل كان أبو هريرة أيضا يملك إربه؟ أم انضم إلى "الجماعة" بترخيص؟ لنقرأ ما جاء في لسان العرب: وقيل لأبي هريرة "ض": أَتُقَبِّل وأَنت صائم؟ قال: نعم وأَقْحَفُها، يعني أَشْرَبُ ريقَها وأَتَرشَّفُه، وهو من الاقتِحاف الشرب الشديد. والقَحْفُ والقِحافُ: شدة الشُّرْب.
وجاء في لسان العرب، في مكان آخر: ومنه حديث أَبي هريرة "ض" وقد سُئل عن القُبلة للصائم فقال: إني لأَرُفُّ شَفَتَيْها وأَنا صائم؛ قال أَبو عبيد: وهو من شُرْب الرِّيق وتَرَشُّفه، وقيل: هو الرَّفُّ نَفْسُه. وقوله أَرُفُّ شَفَتَيْها أَي أَمَصُّ وأَتَرَشَّفُ ...
وفي حديث عَبيدة السَّلْماني: قال له ابن سِيرينَ: ما يُوجِبُ الجَنابةَ؟ قال: الرَّفُ والاسْتِمْلاقُ يعني المَصَّ والجِماعَ لأَنه من مقدماته.

الظاهر أن ابن عباس وأبا هريرة لا ينطلقان من فراغ، ويقتديان بـ "سلوك نبوي". يقول السيوطي في الشمائل الشريفة:
656 ( كان يقبل وهو صائم ) عن عائشة. ثم يرهق نفسه في التحليل فيقول: أخذ بظاهره أهل الظاهر فجعلوا القبلة سنة الصائم، وقربة من القرب، اقتداء به، ووقوفا عند فتياه. وكرهها آخرون، وردوا على أولئك بأنه كان يملك إربه، كما جاء به مصرحا. هكذا في رواية البخاري فليس لغيره. والجمهور على أنها تكره لمن حركت شهوته، وتباح لغيره. وكيفما كان، لا يفطر إلا بالإنزال. لكن لفظ الشيخين: كان يقبل، ويباشر، وهو صائم، وكان أملكهم لإربه.
ويقول ابن عبد البر في "بهجة المجالس وأنس المجالس": قال رسول الله "ص": "العينان تزنيان وزناهما النظر، والفم يزني وزناؤه القبل، واليد تزني وزناؤهما اللمس، ويصدِّق ذلك كله الفرج أو يكذبه".

الملاحظ أن ما أورده السيوطي لا يمثل قولا صادرا مباشرة عن النبي، وإنما يمثل إسناد "سلوك" له، جاء على غير لسانه. وأن ما أورده ابن عبد البر قول مباشر. وبين القولين تعارض. فأيهما أكثر قوة وإقناعا: ألذي جاء منسوبا وبواسطة؟ أم الذي جاء مباشرة، دون "ناطق رسمي" ودون تمحّل في التأويل وعسف في التفسير؟
وإذا سلمنا بمقولة: "النبي معصوم من الخطإ"، كان من المفروض أن ننزه النبي عن السقوط في: تناقض القول، وتناقض السلوك. وارتكاب ما ينهى عنه.
ومن ثم يتعين اعتبار فتوى ابن عباس من قبِيل "الغرائبيات" التي تخصّص فيها مع أبي هريرة. تلك الفتاوي والأحاديث التي ما تزال تثير الجدل والتفرقة بين أتباع "الديانات" الإسلامية. وأؤكد على "ديانات"، لأنها - في رأيي - فاقت حد الطائفية والفرق والمذاهب.


.

محمد حجيري
 
أعلى