محمد السيد إسماعيل - "الحرملك" من وضعية المكان إلى هيمنة الفكرة

الحرملك؟! هل يمكن أن نناقش مثل هذه القضية الآن ونحن فى العقد الثانى من القرن الواحد والعشرين؟ نعم هذا ممكن جدًّا لأننا سوف نخطئ- كثيرًا- لو تعاملنا مع الحرملك بوصفه وضعية اجتماعية تجاوزها الزمن؛ لأنه- أى الحرملك- قد انتقل- فى تصورى- من المكان الذى زال بفعل التطور إلى الفكرة التى لازالت مستمره إلى الآن رغم كل هذه السنوات المتعاقبة على بدء طرح "قضية" المرأة؛ وسوف يتأكد استمرار هذه الفكرة لو راعينا طبيعة التركيبة "الاجتماعية" المصرية غير المتجانسة؛ وما يترتب- على ذلك- من تباين الأفكار وتناقضاتها وكأننا نعيش داخل أكثر من مجتمع، وليس أدل على ذلك من أن تحديث هياكل الدولة المصرية كان دائمًا تحديثًا فوقيًا شكليًا يستعير من الآخر الغربى شكل الدولة الحديثة بينما أغلب الشعب المصرى يتوارث الأفكار الرجعية فى نظرته للمرأة باعتبارها مصدر الغواية والشر والفتنة وأن مكانها الطبيعى هو البيت درءًا للفتنة وسدًا للذرائع، المرأة المصرية هى الحلقة الضعيفة التى يحملها المجتمع مشاكله لكى يريح نفسه ويكف عن البحث على الأسباب الحقيقية لهذه المشاكل.
أفكار الحرملك مستمرة إذن رغم زواله كمكان، حيث أصبح يعيش داخل المرأة بعد أن كانت تعيش داخله؛ بسبب هذا القهر المعنوى الذى يمارس ضدها والذى تتقبله المرأة فى أحيانٍ كثيرة باعتباره وضعًا طبيعيًا، بما يعنى أن المرأة نفسها تعيد إنتاج القهر الواقع عليها أو تعيد حصارها داخل الحرملك.
والحق أن التمييز ضد المرأة ظل ظاهرة إنسانية عامة من صنع الراجل بدءًا من الفلسفة اليونانية حتى مطلع العصر الحديث، بما يعنى أن تبعية المرأة للرجل ليست فطرة فيها بل نمطًا سياسيًا واجتماعيًا وهذا ما لمسته سيمون دى بوفوار– بذكاء– فى كتباها "الجنس الثانى" 1948 والذى يعد مانفستو الحركة النسائية فى العالم بقولها إن "المرأة لا تولد امرأة بل تصبح امرأة" حيث يقوم المجتمع بتدجينها وتأكيد تبعيتها كما ذهب فرويد إلى أن معاناة المرأة ترجع إلى أنها لا تولد رجلاً وذلك بسبب الامتيازات التى يتمتع بها الرجل بقوة التقاليد المجتمعية الذكورية.
وقد انعكس ذلك على العديد من الأعمال الأدبية الشهيرة التى صورت تمرد المرأة على أنه شذوذ أو نوع من المرض الدال على عدم استواء الشخصية ما ينفر من فكرة التمرد أساسًا ويمكن أن نشير فى هذا السياق إلى نموذج (كيت) فى ( ترويض النمرة) لشكسبير، فهى شخصية شرسة غير سوية لم تستطع أن تصل إلى نضجها الإنسانى إلا على يد الرجل الذى تمكن فى النهاية من ترويضها والفوز بها، من هنا كان امتداح ضعف المرأة بل وتصوير هذا الضعف على أنه سلاحها النافذ للتأثير على الرجل وما ذرفت عيناك إلا لتضربى بسهميك فى أعشار قلب مقتل) ومع ذلك تظل هناك فروق أساسية بين المرأة العربية والغربية– حتى بدايات القرن التاسع عشر– حيث كانت الأولى (تستمتع بحقوق تجاهد من أجلها المرأة الغربية كالتصرف فى أموالها وحقها فى أولادها)(1) غير أن هذه الحقوق التى كانت تتمتع بها المرأة العربية قد صاحبها مشاكل لا تقل خطورة مثل الطلاق الجزافى، وتعدد الزوجات بلا مبرر، والحرمان من حق التعليم والعمل، والخضوع للزوج كما لو كان حاكمًا مطلقًا لا يرد له قول.
ولنتأمل قول امرأة سعيد بن المسيب: "ما كنا نكلم أزواجنا إلا كما تكلمون أمراءكم"(2) لنتأكد أن هذا الخضوع التام كان قانونًا عامًا لا تخرج عنه المرأة وإلا عدت ناشز تستأهل تصعيد درجات التأديب حتى تعود إلى رشدها.
- 2 –
يهمنى الآن تخصيص الحديث عن الحركة النسائية المصرية التى يمكن تقسيمها إلى مراحل تبدأ منذ الاتصال بالحضارة الغريبة مع قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر، وتستمر حتى قيام ثورة 1952، وما حققته من مكاسب كبيرة للمرأة حيث نص دستور 1956 على منح المرأة حقوقها السياسية كاملة حتى وصلت إلى منصب الوزارة، وهى مسيرة طويلة يمكن أن نلقى بعض النظرات المتأملة لأهم ظواهرها خاصة نمط التحديث الذى أراده محمد على الذى يشار إليه دائمًا على أنه مؤسس مصر الحديثة، فى الحقيقة أن هذا التحديث– دون أن نغض النظر عن آثاره الإيجابية– كان– فى الأساس– استجابة لطموحاته التوسعية التى وصلت إلى حد تهديد الآستانة، ولهذا كان اهتمامه الأكبر منصرفًا إلى بناء جيش عصرى وليس تطوير المجتمع معيشيًا وتعليميًا، فكانت المدارس العسكرية أول ما أنشأ، ثم ما تستلزمه من تخصصات خدمية، مثل مدرسة الممرضات، ومنذ ذلك الوقت بدأت ثنائية الدولة والمجتمع، الدولة التى يقف على رأسها حاكم "أوتوقراتى" يملك كل شىء، ويأتمر بأمره جيش عصرى قوى، والمجتمع بمستويات معيشته المتدنية وتعليمه البسيط، وهذا ما قصده من أن التحديث كان فوقيًا وقاصرًا على طبقة محدودة شديدة الثراء لا تزيد عن النصف فى المائة من المجتمع المصرى حتى أمكن وصف مصر بأنها دولة غنية وشعب فقير.
ومع ذلك فقد ظل التعليم هو المدخل الوحيد للحراك الاجتماعى عمومًا ولتحرير المرأة على وجه الخصوص، وهو الأمر الذى تزايد فى عهد الخديو إسماعيل حيث افتتحت "جشم آفت" ثالثة زوجاته مدرسة "السيوفية" لتعليم الفتيات 1873، كما تتابعت كتابات المرأة منذ ذلك التاريخ مثل "نتائج الأحوال فى الأقوال والأفعال" لعائشة التيمورية عام 1887 وروايات "الحريم" و"زنوبة" و"ليلة القدر" و"رمزة" لقوت القلوب الدمرداشية التى حرصت فيها على تصوير وضع المرأة فى المجتمع الشرقى متأثرة برموز التنوير فى عصرها، من أمثال محمد عبده وقاسم أمين، وفى هذا السياق تأتى أعمال لبيبة هاشم التى أصدرت عام 1904 رواية "قلب الرجل" ومجلة "فتاة الشرق" عام 1906، وهى كتابات تعد تتويجًا لما كتبه الطهطاوى فى "المرشد الأمين فى تعليم البنات والبنين" وتجاوبًا مع كتابى قاسم أمين "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة".
على أن ما ينبغى تأكيده أن هذه الأفكار كانت محدودة الأثر ومرهونة بإرادة الحاكم وبقوة الشعب عليه، أو من خلال بعض الحكومات ذات التوجه الاجتماعى، وأن تبنى هذه الأفكار كان قاصرًا على نساء الطبقات العليا فى المجتمع ممن تمتعن بوعى متطور واتصال فعال بالثقافة الغربية، ويكفى للتدليل على ذلك أن روايات قوت القلوب الدمرداشية على سبيل المثال كتبت فى الأصل بالفرنسية، ولم تترجم إلى العربية إلا بعد مرور سنوات طويلة على صدورها.
- 3 –
لم تتدخل نساء الطبقة المتوسطة والدنيا بصورة فعالة فى الحراك الاجتماعى الداعى إلى تحرير المرأة والحصول على حقها فى التعليم والعمل والمشاركة السياسية إلا مع ثورة 1952، التى تبنت هذه الأفكار وجعلها من أساسيات توجهاتها العامة، ولا شك أن مراجعة عامة للأعمال الفنية والأدبية فى هذه الفترة تضع أيدينا على المفاهيم الجديده التى أصبحت تمثل وعيًا عامًا داخل المجتمع، لا يفرق بين الرجل والمرأة، ويرى المرأة قادرة على القيام بكل ما يقوم به الرجل من أعمال ويهمنى التوقف أمام الأعمال النسوية القصصية والروائية منذ السنوات القليلة الممهدة لثورة يوليو حتى الآن، لمعرفة التحولات الأساسية التى طرأت عليها، وفى هذا الصدد يمكن أن نقول إننا إمام ثلاث حساسيات متمايزة ومتعاقبة، اهتمت الأولى بالقضايا الكبرى على المستويات القومية والاجتماعية، كما يبدو فى كتابات سهير القلماوى وبنت الشاطئ ووداد السكاكينى، فى حين اهتمت الثانية بتداخل العام والخاص وأصبحت "ذات" الكاتبات أكثر حضورًا ومدخلاً أساسيًا لهذه القضايا الكبرى، وقد تمثل ذلك فى كتابات لطيفة الزيات وفوزية مهران ونوال السعداوى، وهو ما يظهر فى تأكيد السعداوى على تداخل مستويات السلطة التى تتعرض لها المرأة "ابتداء من سلطة الأب والزوج فى الأسرة الصغيرة مرورًا بسلطة الدولة والقانون والمؤسسات وسلطة الدين والشريعة وانتهاء بالسلطة العليا والشرعية الدولية"(3) وقد استمر هذا التداخل بين الخاص والعام– وهى تفرقة إجرائية على كل حال– بدرجات متفاوتة فى الجيل التالى عند سلوى بكر وهالة البدرى ونعمات البحيرى، أما الحساسية الثالثة فلم تلتفت إلى القضايا العامة– على الأقل بصورة مباشرة– وجعلت من الذات محورًا يكاد يكون وحيدًا، ومع ذلك لا يمكن القول بانفصال هذه الذات عن سياقها التاريخى لأنها تصنع علاقة عميقة مع الواقع، ولا تكتفى إزاءه بمجرد الانعكاس المباشر، وهى بذلك أكثر فاعلية وتحقيقًا لأدبيتها إذا ما قورنت بالكثير من الكتابات التى تتوسل إلى قارئها بنبل "الشعارات" وصدق القضايا التى تطرحها.
- 4 –
يبقى أن اشير إلى أننى لا أقصد بالأدب النسوى ما تكتبه المرأة بل ما يؤكد قيمة المساواة، وينتصر لحقوق المرأة، ويؤكد شخصيتها بوصفها كائنًا فاعلاً داخل المجتمع ليس فى مواجهة الرجل بوصفه رجلاً، بل فى مواجهة الوعى السائد المحافظ سواء كتبه رجل أو امرأة وبهذا المعنى يمكن التعامل مع رواية "ذات" لصنع الله إبراهيم و"خالتى صفية والدير" لبهاء طاهر و"نبض الأشياء الضائعة" لشريف حتاتة على أنها روايات نسوية مثلها– فى التوجه العام وليس فى التقنيات بطبيعة الحال- مثل "حملة تفتيش– أوراق شخصية" للطيفة الزيات و"أثقل من رضوى" لرضوى عاشور و"ضلع أعوج" لنعمات البحيرى و"آخر المحظيات" لسعاد سليمان ولهذا فإننى لا أوافق الأستاذة نازك الأعرجى حين قصرت الأدب النسوى على ما تكتبه المرأة على خلفية "وعى متقدم ناضج ومسئول"(4) لأن هذا الوعى المتقدم الناضج لا يتوفر بالضرورة فى كل كتابات المرأة، وقد يكون أكثر وضوحًا فى كتابات الرجل، وما دمنا نحتكم إلى الوعى فإن الأجدى هو قراءة هذا الوعى لمعرفة ما إذا كان تقليديًا محافظًا على أنماط القيم السائدة المعادية للمرأة، أم تحديثيًا يقوم على نقض هذه القيم والتمرد عليها أيديولوجيا وجماليًا.
إن مثل هذا الطرح يجعل من قضية المرأة شأنًا مجتمعيًا عامًا يستلزم ضرورة علاجه بغرض ترسيخ وعى مناقض لكل ما يعوق حركة تقدم المجتمع وازدهاره.








الهوامش:
1- (النسوية وفلسفة العلم) د. يمنى طريف الخولى صـــ43 هيئة قصور الثقافة 2014.
2- نقلاً عن (نقد ثقافة التخلف) د.جابر عصفور صــ42 هيئة الكتاب 2009.
3- نقلاً عن (عن الكاتبه والحرية) د.رضوى عاشور، بحث مقدم إلى مؤتمر المرأة والإبداع القصصى المجلس الأعلى للثقافة 1995.
4- (صوت الأنثى- دراسات فى الكتابة النسوية العربية) نازك الأعرجى صــ25 الأهالى للتوزيع دمشق 1997.


.

• "الحرملك" من وضعية المكان إلى هيمنة الفكرة
د. محمد السيد إسماعيل
 
أعلى