نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

حسونة المصباحي - لا احتفاء بالعري في ثقافتنا العربية

'لوحات و رسوم ايروتيكة' | نقوس المهدي.

  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي كاتب

    12,680
    2,527
    رغم الحضور المكثف للجسد في القصائد والنصوص والمرويات العربية منذ القدم، إلا أنه ظل مغيبا في الأعمال البصرية العربية، حيث تعاني الحضارة العربية من فقر تشكيلي لا يمكن أن تحجبه منجزاتهم في الخط أو الهندسة، وربما كان ذلك بتأثير ديني يحرم التجسيد والنحت والرسم. “العرب” التقت الباحث التونسي معز الوهايبي الذي قدم بحثه الأخير حول علاقة الفن بالحب والجسد.

    لاقت الأطروحة التي أعدّها معز الوهايبي، أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية، حول علاقة الفن بالحب، استحسان اللجنة التي ناقشتها بداية الصيف الماضي. وقد يعود ذلك إلى طرافتها، وابتعادها عن المواضيع المطروقة، والمكررة.

    وعن اختياره لهذا الموضوع الشائك والطريف في نفس الوقت، يعلق معز الوهايبي قائلا “كنت قد درستُ مفهوم الحبّ بين القول الأيروتيكيّ المباشر ضمن أدبيّات ‘مدرسة تونس‘ وبين القول الشعريّ العربيّ قديمه وحديثه، فقد انتبهتُ إلى أنّ عدم إقدام العرب على التّمثيل البصريّ للظّواهر الغراميّة – يحتاج إلى تدبير فكريّ وتاريخيّ يتجاوز المسوّغات المتواترة عن تحريم التّصوير، قد تكون تلك مسوّغات تفسّر إلى حدّ ما هذا الذي قد نسمّيه ‘فقرا تشكيليا‘ في الثقافة العربيّة لكن أتصوّر أنّه قد يتعذر الاهتداء إلى الأسباب الأخرى لذلك ما لم نتمعّن في الآليات التي جعلت الثّقافات الأخرى تحتفي بهذا التّمثيل الفنّيّ البصريّ إلى جانب التّمثيل الأدبيّ، ولا يقتصر الأمر على الحضارة الغربيّة وإنّما نجد أشكالا لهذا الاحتفاء في الثقافات الشرقيّة الكبرى، الهنديّة والصّينيّة واليابانيّة، وحتّى المصريّة القديمة والبابليّة. والمفارقة أنّ الثقافة العربيّة محاطة بثراء فنّيّ بصريّ وتشكيليّ غاية في الانتشار والتنوّع لكن عميت أبصارهم عن ذلك”.

    الجسد العاري

    يقر الوهايبي بأنّ تحويل الجسد العاري إلى جنس فنّي هو، عن جدارة، اختراع إغريقيّ يُسمّى “العُرية”، وذلك مرتبط لا محالة بتصوّر فلسفيّ للإنسان، وللفرد، في الفلسفة اليونانيّة، وهو تصوّر ظلّ مؤثّرا بتفاوت في الحضارة الغربيّة إلى اليوم.

    نتطرق في حديثنا مع معز الوهايبي إلى علاقة الفن بالحبّ في التاريخ العربي القديم والحديث، حيث يرى ضيفنا أن مثل هذه الأسئلة تعد حارقة، رغم اختزالها المكثّف، فهي في رأيه علاقة ملتبسة.

    ويكشف الباحث عن أثر الحب في خطَّ السير الذي قطعته الكتابة الأدبية ابتداء من الشعر الجاهلي مرورا بألف ليلة وليلة وصولا إلى ما يسمّيها “المدرسة المغربيّة”، أي ما خلّفه لنا شيوخ من أعلام الزّيتونة التّونسيّة أو قضاة شرعيّون نظير النّفزاوي والتيفاشي، ابتداء من ذلك الاستخدام الغريب لمعجم أيروتيكي كأنه ولد للتو من رحم اللّغة العربيّة، لكنه يلفت إلى أن امرؤ القيس يقرن في لاميته الشهيرة بين الرضيع والضجيع وهو يشطر في الوقت نفسه جسد الحبيبة على نحو أشبه بـ”سفاح القربى” يذكّر بأجساد الرّبّات الإغريقيّات، مرورا بألف ليلة وليلة حيث يتمّ إثراء المعجم الأيروتيكي بالمفردات المحلّيّة ولكن حيث يتمّ بالأساس توسيع استخدامه ضمن السّرديّة التي دشّنها هذا الكتاب والتي أغوتْ وأغرتْ كتّابا عالميين كبارا ومازالت تفتن الكثيرين بعدُ.

    يضيف “ولك هنا أن تعود إلى علاقة بعض الفنّانين بموديلاتهم، فلم تكن الكثير من هؤلاء الموديلات نساء عاريات عابرات أثناء العمليّة الإنشائية للوحة أو التمثال، وإنما كن جزءا من قماشتها أو البعض من خليط ألوانها تماما كما يقول ماتيس ‘إن الموديل بالنّسبة إليّ واسطة، باب ينبغي أن أدلف منه نحو هذا البستان حيث أكون وحدي وبحالة جيّدة‘.

    بل الموديل أكثر حتى مما يقول هو خاصّة عندما نتذكر أنّ ليديا ديليكتورسكايا كانت أيضا مساعدة له في مرسمه تمحو مساحة من اللّوحة من أجل الإعادة أو تعدّ له خلطة الألوان، وفضلا عن ذلك فهي التي كتبت لنا بعد رحيله الكثير من أسرار العمليّة الإبداعيّة لديه، أو حتّى النّفَس الحيّ الذي تكاد تسمع لهاثه يأتي من منحوتات رودان، ولنا أن نتذكّر ما تقوله موديله إيزادرا دينكان أنّه كان يمرّر يده حول عنقي، على صدري، يداعب السّاعد، يمرّر أصابعه على فخذيّ، على ساقيّ العاريتيْن، على قدميّ العاريتيْن. يشرع في عرك جسدي مثل صلصال”.

    لكن يبدو أنّ الكثير من الفنّانين والكتّاب العرب المعاصرين، كما يقول ضيفنا، مازالوا يتعاطون مع الحبّ على أنّه عاطفة مشبوبة موروثة من سنّ المراهقة، وذلك جميل في حدّ ذاته لكن وحده لا يكفي لاختراق الأيروتيكا الفنّية بحساسيّة جديدة، دون أن يصعدوه إلى صياغة تشكيلية أو كتابة أدبية خلاقة.

    تأثير الأصوليين

    متحدثا عما ورد في كتاب الشاعر التونسي أبوالقاسم الشابي “الخيال الشعري عند العرب”، أشار إلى أن العرب يتحدثون كثيرا عن الحب إلا أنهم يكتبون عنه بطريقة كاذبة وسطحيّة.

    يقول معز الوهايبي “أظنّ أنّ الشابّي انتبه إلى أن الحب ثقافة أكثر منه عاطفة، ويعزز انتباهه هذا ما يعقده من مقايسة بين منزلة المرأة في آداب اليونان وفنونهم وبين منزلتها في الأدب العربي، لكن، إحقاقا للحق، كانت نظرة الشابي إلى المرأة رومنطيقية معقودة على ثنائية تشطر المرأة نصفين جسدا وروحا. حيث يرى في التغنّي بجانبها الروحي هو ما يسمو بها، ولذلك يؤاخذ الأدب العربي على نظرته الشهوانية إلى المرأة”.

    متحدثا عن المصاعب والمخاطر التي يواجهها الفن والحب في ظل الظروف الراهنة التي يهيمن فيها الإسلام السياسي على المجتمعات العربية، يقول الوهايبي “هذه المسألة الرّاهنة يمكن اعتبارها مدخلا رئيسا إذا أردنا بحقّ أن نحقّق وعيا باللّحظة التّاريخيّة التي نمرّ بها، فهي، أعني هذه المسألة، جماع التّشخيص الموضوعيّ للممارسات التي دشّن بها هؤلاء السّاسة الجدد الذين يتلفعون بالإسلام فترة حكمهم. ولنا أن نتذكر بعجالة تحريضهم الغوغاء ضد عروض السينما ومعارض الفنون التشكيلية في تونس، بل تعدوا ذلك نحو الاعتداء ماديا على البعض من الفنانين والمثقفين. ولا يقتضي شرح دوافعهم غير الانتباه إلى كونهم لا يستطيعون الاستثمار إلا في الجهل فقادتهم يدركون أن الفن صنو للحرية وأنت تعلم أن تجارتهم تبور كلما توطد مناخ الحرية. وهم يدركون أن الفن، في مختلف أجناسه، تدبير للجسد الفردي الذي يرون فيه خطرا على جسم الجماعة”.

    لكن كيف يفسر معز الوهايبي هيمنة الفكر الأصولي المتطرف، وغياب الفكر الفلسفي في العالم العربي؟ عن هذا السؤال، يجيب ضيفنا أنه ثمة مفارقة غريبة تشق تدريس الفلسفة في بعض بلدان العالم العربي، هذه المفارقة تثير الاستغراب حقا فهي تتمثل في أن "الفكر" الأصولي متغلغل حتى لدى خريجي أقسام الفلسفة ومدرسيها، ولكن هذه المفارقة تثير الاستغراب أكثر عندما تجد الكثيرين من مدرسي الفلسفة في تونس بالذات يدرسون الخرافة لتلاميذهم وطلابهم.

    يقتضي الأمر إعادة تقويم للدرس الفلسفي في المدرسة والجامعة التونسيتين، وفي سائر البلاد العربية التي تسمح بتدريسها، فقد يكون ذلك مدخلا لفهم أسباب انتشار التقليد الأصولي الذي أجد صعوبة في وسمه بالفكر لأنه ليس نتاجا للعقل وإنما للاتباع الأعمى.


    .
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..