أبو الفرج الأصبهاني - الإماء الشواعر

عنان جارية الناطفي
اسمها: عنان بنت عبد الله عنان بكسر العين.
توفيت سنة 226 نقلا من الأصفهاني، وجعلها إبن شاكر الكتبي في وفيات 230، ذكر ابن النديم أن ديوانها يقع في عشرين ورقة.
النطافي أو النطاف: بائع الناطف، وهو نوع من الحلوى إسمه القبيط أيضاً، ولا يزال معروفاً في ماردين وما حولها ضمن الحدود التركية اليوم، وهذه الحلوى إذا باتت فقدت لذتها ونفاستها! قاله الدكتور مصطفى جواد.
لم أعثر على الاسم الكامل للنطافي، ويبدو أنه كان يكنى أبا حفص ديوان أبي نواس، وأورد عبد الله بن عبد العزيز البغدادي في كتاب الكتاب وصفة الدواة والقلم وتصريفها الأبيات التي رثت بها مولاها أنظر الرقم في كتابنا مشيراً إلى أنها قالتها في: القاسم بن عبد الملك، ولم أعثر على ترجمة له، فهل كان هذا اسم النطافي؟!

ترجمة عنان وأخبارها في: الأغاني، طبقات ابن المعتز المختصر، ألورقة، الفهرست: كتاب الكتاب وصفة الدواة والقلم للبغدادي: ديوان أبي نواس: أخبار أبي نواس لابي هفان: الأربعة في أخبار الشعراء لابي هفان جمع وتحقيق هلال ناجي: الفقرة، ديوان العباس بن الاحنف: الإماء من شواعر النساء مجلة البلاغ: المحاسن والاضداد: نساء الخلفاء: بدائع البدائة تنظر الفهارس، نهاية الأرب، أخبار أبي نواس لابن منظور: البصائر والذخائر، عيون التواريخ مخطوطة حوادث، المستظرف للسيوطي: أعلام النساء: زهر الأداب: تلقيح العقول لبرية الرياضي مخطوطة: سمط اللالىء: تاريخ التراث العربي لسزكين بالألمانية قسم الشعر: كانت عنان: صفراء، مولدة، من مولدات اليمامة، وبها نشأت وأربت ثم إشتراها النطافي وهم الرشيد بابتياعها منه، فمنعه من ذلك إشتهارها، وما هجاها به الشعراء، وأخبارها في ذلك: تذكر بعد هذا.
وكانت أول من إشتهر بقول الشعر في الدولة العباسية، وأفضل من عرف من طبقتها، ولم يزل فحول الشعراء في عصرها، يلقونها في منزل مولاها فيقارضونها الشعر، وتنتصف منهم، وعتقت بعد وفاة مولاها إما بعتق كان منه لها أو بأنها ولدت منه.
فحدثني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال حدثنا عمر بن شبة، قال حدثني أحمد بن معاوية، قال: سمعت أبا حنش يقول: قال لي النطافي يوماً: لو جئت إلى عنان فطارحتها، فعزمت على الغدو إليها، وبت ليلتي أجول ببيتين، ثم غدوت عليها، فقلت: أجيزي هذين البيتين! وأنشد يقول:
أحب الملاح البيض قلبي وإنما ... أحب الملاح الصفر من ولد الحبش
بكيت على صفراء منهن مرة ... بكاء أصاب العين مني بالعمش
فقالت:
بكيت عليها؟ إن قلبي أحبها ... وإن فؤادي كالجناحين ذو رعش
تعنتنا بالشعر لما أتيتنا ... فدونك خذه محكماً يا أبا حنش
أخبرني عمر بن عبد العزيز، قال حدثنا عمر بن شبة، قال حدثني: أحمد بن معاوية قال سمعت مروان بن أبي حفصة يقول: لقيني الناطفي، فدعاني إلى عنان، فانطلقت معه، فدخل إليها قبلي، فقال لها: قد جئتك بأشعر الناس: مروان بن أبي حفصة! وكانت عليلة، فقالت: إني عن مروان لفي شغل!، فأهوى لها بسوطه، فضربها به، وقال لي: أدخل! فدخلت وهي تبكي، فرأيت الدموع تتحدر من عينيها، فقلت:
بكت عنان فجرى دمعها ... كالدر إذ يسبق من خيطه
فقالت مسرعة:
فليت من يضربها ظالماً ... تيبس يمناه على سوطه
فقلت للنطافي: أعتق مروان ما يملك إن كان في الجن والأنس أشعر منها! أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال حدثنا عمر بن شبة عن أحمد بن معاوية، قال: قال لي رجل، تصفحت كتباً فوجدت فيها بيتاً جهدت جهدي أن أجد من يجيزه، فلم أجده، فقال لي، صديق لي: عليك بعنان جارية الناطفي، فأتيتها فأنشدتها:
وما زال يشكو الحب حتى حسبته ... تنفس من أحشائه أو تكلما
فلم تلبث أن قالت:
ويبكي فابكي رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعاً بكيت له دما
إلى أن رثى لي من كان موجعاً ... وأعرض خلو القلب عني تبرما أخبرني عمي الحسن بن محمد، قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي، قال حدثني: أحمد بن القاسم العجلي قال حدثني أبو جعفر النخعي قال:
كان العباس بن الأحنف يميل إلى عنان جارية الناطفي، فجاءني يوماً، فقال لي: إمض بنا إلى عنان، فصرنا إليها، فرأيتها كالمهاجرة له، فجلسنا قليلاً، ثم إبتدأ عباس فقال:
قال عباس وقد أج ... هد من وجد شديد:
ليس لي صبر على الهج ... ر ولا لذع الصدود
لا ولا يصبر للهج ... ر فؤاد من حديد
فقالت:
من تراه كان أغنى ... منك عن هذا الصدود
بعد وصل لك مني ... فيه إرغام الحسود!
فآتخذ للهجر إن شئت فؤاداً من حديد
ما رأيناك على ما ... كنت تجني بجليد
فقال العباس:
أو تجودين لصب ... راح ذا هم شديد
وأخي جهل بما قد ... كان يجني بالصدود
ليس من أحدث هجراً ... لصديق بسديد
ليس منه الموت إن لم ... تصليه ببعيد
فقلت للعباس: وعلى م هذا الأمر؟! قال: أنا جنيت على نفسي بتتايهي عليها، فلم أبرح حتى ترضيتها له.
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال حدثني عبد الله بن أبي سعيد قال حدثني مسعود بن عيسى، قال أخبرني موسى بن عبد الله التميمي قال: دخل أبو نواس على الناطفي وعنان جالسة تبكي وخدها على رزة في مصراع الباب، وقد كان الناطفي ضربها، فأومأ إلى أبي نواس: أن جربها بشيء، فقال أبو نواس:
عنان لو جدت لي فإني من ... عمري في أمن الرسول بما
أي في آخر عمري، لأن أمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، آخر آية في البقرة.
فردت عليه:
فإن تمادى ولا تماديت في ... قطعك حبلي أكن كمن ختما
فرد عليها:
علقت من لو أتى على أنف ... س الماضين والغابرين ما ندما
فردت عليه:
أو نظرت عينه إلى حجر ... ولد فيه فتورها سقما
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال حدثني: محمد بن القاسم بن مهرويه، قال حدثني: محمد بن أبي مروان الكاتب، قال: لما أخذ أبو نواس من عنان جارية الناطفي خاتماً فصه ياقوت أحمر، أخذه أحمد بن خالد حيلويه منه فطلبته منه عنان، فبعث إليها مكانه خاتماً فصه أخضر، وإتهمته في ذلك، وكتب إلى أحمد بن خالد:
فدتك نفسي يا أبا جعفر ... جارية كالقمر الأنور
تعلقتني وتعلقتها ... طفلين في المهد إلى المكبر
كنت وكانت نتهادى الهوى ... بخاتمينا غير مستنكر
حنت إلى الخاتم منى وقد ... سألتني إياه مذ أشهر
فأرسلت فيه فغالطتها ... بخاتم وجهته أخضر
قالت لقد كان لنا خاتم ... أحمر أهداه إلينا سري
لكنه علق غيري فقد ... أهدى لها الخاتم لا أمتري
كفرت بالله وآياته ... إن أنا لم أهجره فليصبر
أو يظهر المخرج من تهمتى ... إياه في خاتمنا الأحمر
فاردده تردد وصلها إنها ... قرة عيني يا أبا جعفر
فإنني متهم عندها ... وأنت قد تعلم أنى بري
فرد الخاتم ووجهه إليه بألفي درهم.
وقرأت في كتاب لجعفر بن قدامة: بلغني أن عنان جارية الناطفي، دخل عليها بعض الشعراء، فقال لها الناطفي: عاييه! فقالت:
سقياً لقا طول لا أرى بلداً ... يسكنه الساكنون يشبهها
فقال:
كأنها فضة مموهة ... أخلص تمويهها مموهها
فقالت:
أمن وخفض وما كبهجتها ... أرغد أرض عيشاً وأرفهها
فانقطع الرجل.
حدثني عمي: الحسن بن محمد والحسن بن علي، قالا: حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال حدثني: محمد بن هارون عن يعقوب بن إبراهيم قال: كان أبو نواس بعد أن هجرته عنان وهجته، يذكرها في شعره، ويشبب
بها، فقال في قصيدة يمدح بها يزيد بن مزيد:
عنان يا من تشبه العينا ... أنت على الحب تلومينا
حبك حب لا أرى مثله ... قد ترك الناس مجانينا!
فقال له يزيد بن مزيد هذه جارية، قد عرض فيها الخليفة، وعلقت بقلبه فأله عنها، ولا تعرض نفسك له، فقال: صدقت أيها الأمير، ونصحتني، وقطع ذكرها!
أخبرني جعفر بن قدامة، قال حدثني أبو العيناء، عن العباس إبن رستم قال: دخلت أنا وأبان اللاحقي على جارية الناطفي في يوم صائف، وهي جالسة في الخيش فقال لها أبان.
لذة عيش الصيف في الخيش فقالت: لا في لقاء الجيش بالجيش.
فقلت لها معرضاً لها: ما أحسن ما قال جرير:
ظللت أراعي صاحبي تجلداً ... وقد علقتني من هواك علوق
فقالت غير متوقفة:
إذا عقل الخوف اللسان تكلمت ... بأسراره عين عليه نطوق
ثم عرضت على الرشيد، فدخلت عليه تتبختر، فقال لها: أتحبين أن أشتريك؟ قالت: ولم لا أحب ذلك يا أحسن الناس خلقاً وخلقاً؟ فقال لها: أما الخلق فظاهر فما علمك بالخلق؟ قالت: رأيت شرارة، قد طاحت على ثوبك من المجمر، لما جاء الخادم بالبخور إليك فسقطت على ثوبك فأحرقته، فو الله ما قطبت لها وجهاً، ولا راجعت من جناها حرفاً! فقال لها: والله لولا أن العيون قد ابتذلتك إبتذالاً، مشتركاً كبيراً، لاشتريتك ولكنه لا يصح للخليفة، من هذه سبيله! وردها إلى مولاها، فاشتراها طاهر بن الحسين بعد ذلك، وجعلها على خزانة طيبه، فقالت: عرضتني للغيرة! فاعفني من ذلك، وأجعل إلي كسوتك، ففعل.
وحدثني محمد بن القاسم الأنباري، قال حدثني أبي قال: قال أبو الحسن بن الاعرابي: إجتمع أبو نواس وداود بن رزين الواسطي وحسين بن الضحاك وفضل الرقاشي وعمرو الوراق وحسين بن الخياط في منزل عنان جارية الناطفي، فتحدثوا وتناشدوا أشعار الماضين وأشعارهم في أنفسهم، حتى انتصف النهار، فقال بعضهم: عند من نحن اليوم؟ فقال كل واحد: عندي! قالت عنان: قولوا في هذا المعنى أبياتاً وتضمنوا إجازة حكمي عليكم، بعد ذلك.
فبدأ داود بن رزين الواسطي فقال:
قوموا إلى قصف لهو ... وظل بيت كنين
فيه من الورد والمرم زجوش والياسمين
وريح مسك ذكي ... بجيد الزرجون
وقينة ذات غنج ... وذات دل رصين
تشدو بكل ظريف ... من صنعة ابن رزين
فقال أبو نواس:
لا بل إلى ثقاتي ... قوموا بنا يا حياتي
قوموا نلذ جميعاً ... بقول هاك وهات
فإن أردتم فتاة ... أتحفتكم بفتاة
وإن أردتم غلاماً ... أتيتكم بمؤاتي
فبادروه مجوناً ... في وقت كل صلاة
وقال حسين بن الضحاك الخليع:
أنا الخليع فقوموا ... إلى شراب الخليع
إلى شراب لذيذ ... من بعد جدى رضيع
وذي دلال رخيم ... بالخندريس صريع
في روضة جادها ... صوب غاديات الربيع
قوموا تنالوا جميعاً ... منال ملك رفيع
وقال الرقاشي:
لله در عقار ... حلت ببيت الرقاشي
عذراء ذات احمرار ... أتى بها لا أحاشي
قوموا نداماي رووا ... مشاشكم ومشاشي
وناطحوني باقدا ... حكم نطاح الكباش
فإن نكلت فحل ... لكم دمى ورياشي
وقال عمرو الوراق:
قوموا إلى بيت عمرو ... إلى سماع وخمر
وبيشكار علينا ... يطاع في كل أمر
وشادن ذي دلال ... يزهى بطرف ونحر
فذاك بر وإن شئ ... تم أتينا ببحر
وقال حسين الخياط:
قضت عنان عليكم ... بأن تزوروا حسينا
وأن تقروا لديه ... بالقصف واللهو عينا
فما رأينا كظرف الحمين فيما رأينا
قد قرب الله منه ... زيناً وباعد شينا
قوموا وقولوا أجزنا ... ما قد قضيت علينا
وقالت عنان:
مهلاً فديتك مهلاً ... عنان أحرى وأولى
بأن تنالوا لديها ... أشهى الطعام وأحلى
فإن عندي حراماً ... من الشراب وحلا
لا تطمعوا في سوى ذا ... من البرية كلا
كم أصدقوا: بحياتي ... أجاز حكمي أم لا؟
فقالوا جميعاً: قد جاز حكمك، فاحتبستهم ثلاثاً، يقصفون عندها.
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي، قال حدثني عمي: عبيد الله، عن أخيه أحمد، قال: لما غاب أبو نواس إلى مصر، تشوقه الناس وذكروه، وإتصل تفاوضهم ذكره حتى بلغ وصفه عناناً، فتشوقته، ثم قدم بعد ذلك من مصر، فلما كان بعد قدومه بأيام جاء إلى النطافي، فقال له أبو نواس، فاستأذن لي على عنان! فقال له: أما والله، لقد أهديت إليها من زيارتك هدية، كانت إليها مشتاقة، ودخل، فأعلمها وأذن له، فدخل عليها، فقامت فتلقته إلى باب الدار، فسلمت عليه، ووصفت له شوقها إليه، واحتبسته عندها يومه وليلته، وإتصل إجتماعهما، فوجهت إليه يوماً، وصيفة لها، تدعوه إلى الصبوح معها، وكتبت إليه تقول:
زرنا لتأكل معنا ... ولا تغيبن عنا
فقد عزمنا على الش ... رب صبحة وإجتمعنا
فجاءته الوصيفة بالرقعة، فقرأها، واحتال على الوصيفة حتى طاوعته على ما أراده، وقال في ذلك:
نكنا رسول عنان ... والرأى فيما فعلنا!
فكان خبزاً بملح ... قبل الشواء أكلنا
جاذبتها فتحانت ... كالغصن لما تثنى
فقلت ليس على ذا ... الفعال كنا إتفقنا
قالت فكم تتجنى ... طولت: نكنا ودعنا!
فبلغ عناناً ذلك، فكان سبب التباعد بينهما، والمهاجاة، مرت.
وذكر أبو هفان عن الجماز، أن سبب المهاجاة بينهما، أنه كتب إليها وهو سكران:
إن لي أيراً خبيثاً ... لونه يحكي الكميتا
لو رأى في الجو صدعاً ... لنزا حتى يموتا
أو يراه وسط بحر ... صار للغلمة حوتا
أو يراه جوف صدع ... لتحول عنكبوتا
فغضبت من ذلك، وكتبت إليه:
زوجوا هذا بإلف ... وأظن الإلف قوتا
إنني أخشى عليه ... غلمة من أن يموتا
قبل أن ينتكس الدا ... ء فلا يأتى فيوتى
وقال لها يوماً:
ما تأمرين لصب ... يرضيه منك قطيره؟
فأجابته:
إياى تعنى بهذا؟ ... عليك فاجلد عميره!
فأجابها:
أريد ذاك وأخشى ... على يدى منك غيره
فخجلت وقالت: عليك وعلى من يغار عليك..
فقالت عنان:
عليك أمك نكها ... فإنها كندبيره
وقال فيها أبو نواس:
إن عنان النطاف جارية ... قد صار حرها للنيك ميدانا
ما يشتريها إلا إبن زانية ... وقلطبان يكون من كانا!
أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني - صهر المبرد - قال
حدثني أبو هفان - عن سليمان أخي جحظة أنها حجبه وهجرته، فلم تأذن له، فبعث إليها رسولاً يعتذر، فقالت له: قل له دعنا منك، يا مخنث، يا حلقي! فرجع الرسول إليه فسأله عن الجواب، فأخبره به فقال أبو نواس:
وأتاني من إذا ذكرت له ... خنثني ظالماً وحلقني!
لو سألوه عن وجه حجته ... وشتمه لقال يعشقني
نعم إلى الحشر والحساب نعم! ... أعشقه أو ألف في كفني!
أهجر هجراً لا أستسر به ... عنفني فيه من يعنفني:
يأيها الناس مني إستمعوا ... إن عناناً صديقة الحسن!
أخبرني عمي الحسن بن محمد، قال أنشدني أحمد بن أبي طاهر، لعنان تهجو أبا نواس:
أبو نواس بدائه كلف ... يسخر من نفسه يخادعها
أمسى بروس الحملان شهر في الناس وإضماره أكارعها
وقالت فيه أيضاً:
يا نواس، يا نفاية خلق الله قد نلت بي سناء وفخرا
مت متى شئت، قد ذكرتك في الشعر، وجرر أذيال ثوبك كبرا
رب ذي خلة تلبس من لفظك سلحاً ومنك عرا وشرا
ونديم سقاك كأساً من الخمر فأفضلت في الزجاجة حبرا
وإذا ما كلمتني فاتق الله وعلق دوني على فيك سترا
وإذا ما أردت أن تحمد الله على ما أبلى وأولاك شكرا
فليكن ذاك بالضمير وبالإيماء لا تذكرن ربك جهرا
أنت تفسق إن نطقت ومن يسبح بالفسق نال إثماً ووزرا
إحمد الله ما عليك جناح ... جعل حذف الله بين لحييك جحرا
إن تأملته فبوم خراب ... وإذا ما شممته كان صقرا!
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثني إبراهيم بن سليمان بن وهب، قال: قال عمي الحسن بن وهب: دخلت يوماً إلى عنان جارية الناطفي، فسألتني أن أقيم عندها ففعلت، وأتينا بالطعام والشراب، فأكلنا وشربنا، وغنتني فكان غناؤها دون شعرها، فشربت ستة أرطال ونكتها خمسة وضجرت فقالت لي: ما أنصفت: شربت ستة، ونكت خمسة؟ فتغافلت، وقلت: غني صوتي، في شعر سلم الخاسر:
خليلي ما للعاشقين قلوب ... ولا لعيون الناظرين ذنوب
فيا معشر العشاق ما أبغض الهوى ... إذا كان لا يلقى المحب حبيب!
فغنت:
خليلي ما للعاشقين أيور ... ولا لحبيبب لا ينال سرور
فيا معشر العشاق ما أبغض الهوى ... إذا كان في أير المحب فتور!
فانصرفت خجلاً!.
حدثني جعفر بن قدامة، وجحظة قالا: أنشدنا هبة الله بن إبراهيم بن المهدي، قال أنشدني أبي لعنان جارية النطافي، وفيه لحن لعلية من خفيف الثقيل.
حدثني بذلك بعض عجائزنا، قال: كنت أسمع هذا الصوت في درانا منسوباً إلى أبي، حتى غنته ريق يوماً، وأخبرتني أنها أخذته من علية بنت المهدي:
نفسي على حسراتها موقوفة ... فوددت لو خرجت مع الحسرات
لو في يدي حساب أيامي إذاً ... خطرفتهن تعجلا لوفاتي
لا خير بعدك في الحياة وإنما ... أبكي مخافة أن تطول حياتي!
أخبرني بذلك أحمد بن عبيد الله بن عمار الثقفي، وأخبرني جعفر بن قدامة، قال حدثني أبو العيناء عن الأصمعي، قال: بعثت الي أم جعفر أن أمير المؤمنين قد لهج يذكر عنان جارية النطافي، فإن أنت صرفته عنها فلك حكمك!.
قال: فكنت ألتمس أن أجد موضعاً للقول فيها فلا أجد، ولا أقدم عليه هيبة له. إذ دخلت يوماً فرأيت في وجهه أثر الغضب فانخزلت فقال لي: ما لك يا أصمعي؟! قلت: رأيت على وجه أمير المؤمنين أثر الغضب، فعلى من أغضبه لعنة الله! فقال: هذا الناطفي، أما والله، لولا أنني لم أجر في حكم قط متعمداً لجعلت على كل جبل منه قطعة! وما لي في جاريته أرب غير الشعر فذكرت رسالة أم جعفر، فقلت: أجل والله ما فيها غير الشعر، أفيسر أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق؟! فضحك من قولي حتى إستلقى على قفاه، وعدل عنها، وبلغ قولي أم جعفر فأجزلت لي الجائزة.
أخبرني عمي الحسن بن محمد والحسن بن علي قالا: حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال حدثني محمد بن هارون، عن يعقوب بن إبراهيم: أن الرشيد طلب من الناطفي جاريته، فأبى أن يبيعها بأقل من مائة ألف دينار، فقال له: على أن أعطيكها على ضرب سبعة دراهم بدينار، فيصح لك سبع مائة درهم فامتنع عليه فأمر بأن تحضر، فأحضرت، فذكر أنها جلست في مجلسها على حالها تنتظره، فدخل إليها، فقال لها: إن هذا قد إعتاص علي في أمرك، فقالت: فما يمنعك أن ترضيه وتوفيه؟ قال: ليس يقنع بما أعطيته، وأمرها بالإنصراف.
فتصدق الناطفي بثلاثين ألف درهم حين رجعت إليه، ولم تزل في قلب الرشيد، حتى مات مولاها، فبعث مسرور الخادم، حتى أخرجها إلى باب الكرخ، وأقامها على سرير، وعليها رداء رشيدي، قد جللها، فنودي عليها فيمن يزيد؟، بعد أن شاور الفقهاء فيها، وقال: هذه كبد رطبة، وعلى الرجل دين، فأفتوا ببيعها، فبلغني أنها كانت تقول على المصطبة: أهان الله من أهانني ورذل من رذلني! فلكرها مسرور، فبلغت في النداء مائتي ألف درهم، فجاء رجل فزاد فيها خمسة وعشرين ألف درهم، فلطمه مسرور، وقال: أتزيد على أمير المؤمنين؟! ثم بلغ بها مائتين وخمسين ألف درهم، فأخذها له، ولم يكن فيها شيء يعاب، فطلبوا فيها عيباً لئلا تصيبها العين، فأوقعوا في خنصر رجلها شيئاً في ظفرها، فأولدها الرشيد ولدين ماتا صغيرين، ثم خرج بها إلى خراسان، فمات هناك، وماتت عنان بعده بمدة يسيرة.
قال أبو الفرج: وروى إبن عمار هذا الخبر عن محمد بن القاسم بن مهرويه، وذكر أنه أوقف إبن مهرويه على أنه خطأ، وأن عنان خرجت إلى مصر، وماتت بها حين أعتقها النطافي، وقالت ترثيه بمصر:
يا دهر أفنيت القرون ولم تزل ... حتى رميت بسهمك النطافا
يا ناطفي وأنت عنا نازحما كنت أول من دعوه فوافى
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وعلي بن سليمان الأخفش عن المبرد عن المازني، عن الأصمعي: وقال إبن عمار عن بعض أصحابه، أظنه المازني، عن الأصمعي، قال: ما رأيت أثر النبيذ في وجه الرشيد قط، إلا مرة واحدة!، فاني دخلت إليه أنا وأبو حفص الشطرنجي فرأيته خائراً - وفي أصل باثراً فقال: استبقا إلى بيت، بل إلى أبيات، فمن أصاب ما في نفسي، فله عشرة آلاف درهم! فوقع في نفسي أنه يريد جارية الناطفي، قال: فأشفقت ومنعتني هيبته وبدر الشطرنجي بجرأة العميان، فقال: من لقلب متيم بك صب ... ما له همة سوى ذكراك
كلما دارت الزجاجة زادته م إشتياقاً وحرقة فبكاك
فقال: أحسنت، لك عشرة الآف درهم، فزالت الهيبة عني، فقلت:
لم ينلك الرجاء أن تحضريني ... وتجافت أمنيتي عن سواك
فقال: أحسنت، لك عشرة الآف درهم، فزالت الهيبة عني، فقلت:
لم ينلك الرجاء أن تحضريني ... وتجافت أمنيتي عن سواك
فقال: أحسنت! لك عشرون الفاً أخرى، وأطرق ثم قال: أنا والله أشعر منكما، ثم قال:
قد تمنيت أن يغشيني الله ... نعاساً لعل عيني تراك!
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال حدثني أحمد بن المعلى الراوية، قال: كتبت عنان جارية الناطفي إلى جعفر بن يحيى البرمكي تسأله أن يسأل أباه، أن يكلم الرشيد في أن يشتريها - أو يشير عليه بذلك - فقالت:
يا لائمي جهلاً ألا تقصر ... من ذا على حر الهوى يصبر
لا تلحني أني شربت الهوى ... صرفاً، فممزوج الهوى يسكر
أحاط بي الحب، فخلفي له ... بحر وقدامي له أبحر
تخفق رايات الهوى بالردى ... فوقي، وحولي للردى عسكر
سيان عندي في الهوى لائم ... أقل فيه، والذي يكثر
أنت المصفى من بني برمك ... يا جعفر الخيرات، يا جعفر
لا يبلغ الواصف في وصفه ... ما فيه من فضل، ولا يحصر
من وفر العرض بأمواله ... فجعفر أعراضه أوفر
ديباجة الملك على وجهه ... وفي يديه العارض الممطر
سحت علينا منهم ديمة ... ينهل منها الذهب الأحمر
لو مسحت كفاه جلمودة ... أنضر فيها الورق الأخضر
لا يستتم المجد إلا فتى ... يصبر للبذل كما يصبر
يهتز تاج الملك من فوقه ... فخراً، ويزهى تحته المنبر
أشبهه البدر إذا ما بدا ... وغرة في وجهه تزهر
والله ما أدري أبدر الدجى ... في وجهه أم وجهه أنور؟
يستمطر الزوار منك الغنى ... وأنت بالزوار تستبشر
عودت طلاب الندى عادة ... إن قصروا عنك فما تقصر
وكتبت تحت الأبيات تسأله حاجتها، فركب من ساعته إلى أبيه فكلمه في أمرها، فكلم الرشيد في ذلك، وأشار عليه فلم يقبل، وإمتنع من شرائها لشهرتها وما قيل فيها من هجاء الشعراء، وقال له: أشتريها بعد قول أبي نواس:
ما يشتريها إلا ابن زانية ... أو قلطبان يكون من كانا!؟


* كتاب: الإماء الشواعر
المؤلف: علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم المرواني الأموي القرشي، أبو الفرج الأصبهاني (المتوفى: 356هـ)
تحقيق: د. جليل العطية



المرأة
 
أعلى