نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

طلعة قمر بقلم عزة بدر

'نصوص الزوار' | عزة بدر.

  1. عزة بدر

    عزة بدر كاتب

    طلعة قمر

    د. عزة بدر

    تستطيع أن تغمض عينيها قليلا فى المينى باص، وقد جلست بجوار النافذة.

    تستطيع أن تحيل الليل إلى نهار، والنهار إلى ليل بمجرد أن تغمض عينيها، ولا تفتحهما إلا على طلعة قمر.

    الرجل الجالس بجانبها يتحدث فى الموبايل طوال الوقت، ارتاحت لذلك فهى لن تضطر إلى الدخول فى أى حوار معه، هو مشغول بهاتفه، وهى آمنة فى وحدتها وصمتها.

    فى الصباح ألقت إحداهن بجسدها كله عليها بحجة الزحام، فى الصباح أيضا جَرَّ رجل ما شعرها المسدل مع حقيبته (السامسونيت)! واعتذر ورغم ذلك فقد ارتفع صوتها، وصوت شعرها يحذرانه وحقيبته!

    .. ارتاحت للرجل الجالس بجانبها فهو مشغول بصفقاته الهاتفية يتحدث عن عقود يود إبرامها، وسفائن سيسافر عليها، وشحنات بضائع سيتم إنزالها على أرصفة انتظار لهفى.

    .. تسافر مع صوته، ترتحل إلى شواطئ لا تعرفها، تتخيل السفائن وهى ترسو، الهلب الكبير الضخم الذى يتمركز فى القاع، تكتب بنفسها الكلمات التى ستنقشها على ضلوع السفن الضخمة:

    (العين صابتنى ورب العرش نجَّانى)، (القلب يعشق كل جميل)، (الصبر طيب)، (الصبر أمر من المُر) (الصبر حََرَقَ الدكان)!!.

    وضعت اللمسات الأخيرة على آخر مركب يرسو على شاطئ صوته :

    (يا نيل.. أنا واللى أحبه نشبهك فى صفاك).

    الرجل لا يزال مشغولا بصفقاته ومراكبه وعقوده.

    وهى فى الداخل الحميم إلى جوار النافذة تحلم.. تغمض عينيها وتكتفى بالسفر مع صوته، شىء ما دفعها إلى قياس المسافة بين ذراعها وذراعه، عيناها تقيسان المسافات بين كل راكب والجالس بجواره، ثمة صديقان يتحاضنان، ذراعاهما تتواشجان، ثمة مسافات حقيقية بين الركاب خاصة إذا كان الجالسان رجلا وامرأة.

    نظرت إلى ذراعه التى تهيمن على مقعدها، السنتيمتر الذى لا يدعه ينفرج بين ذراعها وذراعه!، امتدت إشارتها لتنبهه بأن يبتعد قليلا، ربما لم ينتبه لإشارتها، كان صوته الفخم الضخم العريض لا يزال يرسل أوامره إلى المراكب، يتساءل عن (بوليصة) الشحن، وعبوات البن البرازيلى القادمة، وعلب التونة المبحرة من مواطنها الأصلية إلى شواطئه.

    ربما لا يشعر أن هلب ذراعه مغروسة عن آخرها فى ذراعها، وأن شاطئها يؤلمها، تلمس ذراعه لكى يلتقط من يدها النقود ويرسلها إلى الكمسارى، فى هذه اللحظة فقط ابتعدت ذراعه قليلا، ابتسمت لأنها نجحت أخيرا فى إقصائها عنها، لكنه عاد يهيمن على المقعد، وعاد السنتيمتر ليلتئم من جديد.. كانت ذراعه مفتولة، وصدره عريضا، أنفاسه تنبض إلى جوارها.. المركب الأخيرة تكاد أن تلقى هلبها لترسو على شاطئها، صفوف متجاورة من آنية الزبد مرصوصة بمهارة على الرصيف بأختامها، كوعه ينغرس فى آنية الزبد فتسيل، يعيد تفقد الأسمان فى أوانيها ، والأعسال بشمعها الناصع البياض.

    انسحب صوتها أمام أحمال العمال، وانحناء ظهورهم، وحنانهم على ما يحملون، وعرقهم وهو يفوح برائحة التعب.

    كانت أوامر الرجل لها سطوة تشبه سطوة ذراعه، رأت الميناء واسعة والفنار يضوء من بعيد.. أغمضت عينيها من جديد، تود أن ترى الطلعة.. طلعة قمر!
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..