على سالم - الهيمنة على البشر فى ألف ليلة وليلة

المثقف المعاصر فى معظم الأحوال لا يهتم كثيرا بالأساطير كمرجعية لفهم السلوك البشرى, وذلك تحت ضغط القيود التى يفرضها المنطق. واقع الأمر أن الأسطورة يبدأ عملها فى شرح طبيعة علاقات البشر ببعضهم البعض فى تلك اللحظة التى يعلن فيها المنطق عجزه عن القيام بذلك. أريدك أن تتخيل نفسك مسافرا من بلد يسمى المنطق إلى بلد آخر اسمه الأساطير أو الحواديت, فى اللحظة التى تتخطى فيها الحدود عليك أن تتعامل بمفردات ومفاهيم جديدة بل وبلغة أخرى لم تكن معروفة فى البلد الذى جئت منه.

المنطق يرتبط بالواقع ارتباطا وثيقا فى سببية مؤكدة, أما الأساطير فلها منطقها الذى نسميه الخيال, غير أن وظيفتها ستظل ــ إذا كانت لها وظيفة ــ هى استخدام وسائل أكثر فاعلية من أدوات المنطق فى فهم الواقع. يترتب على ذلك أن صاحب التفكير الواقعى, صاحب خيال وقادر على فهمه و الاستمتاع به, أما صاحب العقل المتطرف فهو لا يعرف سوى الخرافة ولا يجب الخلط بينهما.

صاحب العقل المتطرف يدخل مملكة الخرافات متسللا بغير جواز سفر أو تأشيرة هاربا من واقع عجز عن التعامل معه فقرر القضاء عليه, أما صاحب العقل الطبيعى فهو يدخل مملكة الخيال مسلحا بتأشيرة دخول حصل عليها من الواقع نفسه, لست أعرف حتى الآن خيالا فى عمل أسطورى أو فنى ليس مستمدا من عناصر الواقع. لذلك سيلاحظ قراء فرويد استناده الدائم إلى عناصر الأسطورة فى فهم وتفسير سلوك البشر.أعتقد أنك فى هذه اللحظة شعرت بقدر من السأم جعلك تفكر فى عدم تكملة قراءة مقالى, اطمئن.. سأسليك فورا بحدوتة شهيرة من ألف ليلة وليلة.

فى إحدى رحلات السندباد البحرى وبينما كان يتجول على مشارف إحدى الغابات بجوار شاطئ البحر, شاهد رجلا عجوزا طاعنا فى السن جالسا تحت شجرة, كانت أوراق الشجر تغطى ساقيه العاريتين ومعنى ذلك أن الرجل كان عاجزا عن الحركة تماما, قال العجوز بصوت واهن للسندباد: ساعدنى يابنى فى الانتقال إلى الناحية الأخرى.

فقال السندباد: حسنا.. إعطنى يدك.

فرد العجوز : يابنى.. أنا ضعيف جدا وعاجز عن المشى.. إحملنى لو سمحت على ظهرك.

فحمله السندبادعلى ظهره وفى تلك اللحظة فوجئ السندباد بالعجوز الشرير يقفز على كتفيه بنشاط وقوة فى سرعة البرق, وعندما حاول التخلص منه وإلقاءه على الأرض ضربه الرجل على ظهره ضربات موجعة ثم أحاط رقبته بساقين أشبه بالكلابات, حدق السندباد فى قدميه فاكتشف أنهما ظلفا حيوان, العجوز لم يكن آدميا إذن, بل هو جنى شرير من ذلك النوع الذى لا يمتعه فى الحياة سوى ركوب البشر والهيمنة عليهم و هذا هو أسوا ما يمكن أن يصيب إنسان أو جماعة أو شعبا.

ومضت الحياة فى طريقها بعد أن تكيف السندباد مع وضعه الجديد, فى النهار والليل, فى اليقظة والمنام, هناك جنى يركبه. وفكر السندباد فى الحصول على أوقات لطيفة يستعين بها على تحمل مصيبته, فهداه تفكيره إلى قطف بعض عناقيد العنب من أشجار الغابة ووضعها فى إناء عدة أيام لتتخمر, وهذا ما حدث بالفعل, حصل فى النهاية على نوع رديئ من النبيذ غير أنه كان قادرا على إيصاله إلى حالة من المزاج العالى تنسيه مؤقتا ما هو فيه من تعاسة. لا حظ الجنى حالة الانسجام التى كانت تستولى على السندباد فطلب منه أن يشركه فى هذا الشراب فأعطاه السندباد عدة كؤوس تحول بعدها الجنى إلى عفريت لطيف فاقد الحذر بل وتراخت قدميه على رقبة السندباد الذى انتهز هذه الفرصة فنطره من على كتفيه نطرة أوقعته على الأرض ثم تناول حجرا ألقاه على وجهه فهشمه ثم جرى مبتعدا عن المكان ناجيا بحياته.إنه جان البحر كما عرف السندباد بعد ذلك, كما عرف أيضا أنه الوحيد بين البشر الذى نجا منه.

إذا كنت مثلى ممن يؤمنون بأنه لاشيئ يأتى من لاشيئ كما قال شكسبير على لسان الملك لير وكما غنتها جولى أندروز فى فيلم صوت الموسيقى, فلابد أن تتساءل عن مصدر هذا الخيال فى الواقع نفسه. ما هى طبيعة ذلك الواقع الذى ألهم الحكاء الشعبى وضغط على عقله فأنتج هذا الخيال البديع الذى يحمل رسالة محددة للبشر عبر آلاف السنين وهى أن جان البحر يحيطون بالإنسان من كل جانب. وهم يعرفون ضحاياهم جيدا, إنهم هؤلاء البسطاء النبلاء الذين يحسنون الظن بكل من حولهم, السباقون لمساعدة كل ضعيف. هناك بالفعل من تمد يدك إليه فيقضم ذراعك, هناك من تحاول إيقافه على قدميه بدافع من النبل الإنسانى فيقفز على كتفيك, هناك من تعطيه صوتك فى الانتخابات من أجل خير يعدك به فتفاجأ به وقد ركبك وأحاط رقبتك بقدمين كالكلابات.

لابد أن ذلك الحكاء الشعبى القديم قد أدرك بحساسيته الفنية وخبرته الطويلة بالإضافة بالطبع لخبرة الأجداد المنقولة إليه عبر الزمن أن هناك أنواعا من الناس يسعون للسيطرة والهيمنة على الآخرين بهدف واحد وحيد هو أنهم يستمتعون بذلك. هكذا لجأت الأسطورة للخيال الجامح الجميل لكى تحذر البشر من واقع تعرف جيدا مصدر الأذى فيه.أليست هذه الحكاية هى مصدر ذلك التعبير العربى البليغ , أن فلانا ركبه الهم؟

ربما يكون جنى البحر العجوز واحدا من أقاربك أحسنت إليه فسعى لأن يركبك, أو جماعة دينية سياسية أغرتك بمعسول الكلام على التضحية بحياتك من أجل زعمائها, أو حزبا اخترته وساعدته على الوصول إلى الحكم من أجل خيرك وخير أهلك فركبك وركب أهلك.

ليست هذه دعوة للامتناع عن مساعدة هؤلاء الذين يطلبون العون منا, بل هى دعوة لمساعدتهم على الوقوف على أقدامهم فقط لكى يتولوا هم بعد ذلك مساعدة أنفسهم, أما عندما يطلبون منا أن نحملهم على ظهورنا, فهذا معناه أن نتحول إلى مطية لعشاق ركوب البشر.

ملحوظة: أى تشابه بين عناصر هذه الحكاية وأى نشاط سياسى لزعيم أو جماعة أو حزب فى الشرق الأوسط هو تشابه غير مقصود وربما يكون مقصودا.


.
 
أعلى