حسن عبد النبي * ألف ليلة وليلة

استوعب كتاب (ألف ليلة وليلة) مساحة واسعة من اهتمام الأدباء خاصة، والناس عامة، فراحوا يذكرونه في جلساتهم، ويقرؤونه في لياليهم، ويتندرون ببعض ما جاء فيه، ويتمثلون أمثالهم حتى يعتكر الفرح والدهشة في عيونهم، فترشح جلساتهم وجدران غرفهم الصم لتستحيل إلى عشب تحت مطر ربيعي، بينما يظل برد الشتاء يتسكع عبر النوافذ وشقوق الأبواب وهم ماضون في القراءة التراثية حتى يلبس الإجهاد نفوسهم فيخلدون إلى سلطان النوم، ويبقى بعض اشتهاء يجعلونه حصة الحلم الليلي.
نقول للبعض، لماذا نقرأ (الف ليلة وليلة)؟ فيذهب لمبادرتك بقوله:
- لأن حكاياتها ترشق المسامع فرحاً، فقارئها لم يعد معها مثل عمود رخامي مزمن يقاتل شراسة الصحراء.. إننا نريد الفرح لنقتل به شيئاً يموء في داخلنا يسمى (الضجر).
ولو فاجأنا هذا البعض بسؤال آخر:
- متى كتبت (ألف ليلة وليلة) ولماذا؟
نرى المتلقي لسؤالنا هذا لم يحر جواباً، أو أنه يلوذ بجواب مبتسر سمعه من شيوخ قدامى، فيعزو تلك الحكايات إلى العصر العباسي، حيث شيوع الملهاة، وشهوة النوم عند المترفين، بينما يستبيح الجوع والتعب أجساد المتعبين.
يعود البدء بتأليف كتاب (ألف ليلة وليلة) إلى القرن التاسع للميلاد حيث عثرت الباحثة العراقية "نبيهة عبود" على قطعة من هذا الكتاب بين أوراق البردي التي يقتنيها المعهد الشرقي في جامعة "شيكاغو، سنة 1947، وهذه القطعة من كتاب (ألف ليلة وليلة) ترقى إلى المائة التاسعة للميلاد.
ولو تتبعنا أقدم إشارة لهذا الكتاب لوجدناها وردت عند المسعودي ت956م في كتابه الموسوم بـ"مروج الذهب"، وكذلك هناك إشارة أخرى وردت عند ابن النديم، تـ1000م في كتابه "الفهرست". وضم كتاب (ألف ليلة وليلة) حكايات رومانسية، تحلق بك في الخيال تدور حول الفروسية، والحب، والسحر والجن، وأساطير، ومواعظ، وأمثال وحكايات هزلية، وأشعار. أما حكاياته هذه ففيها عدد من حكايات ضمتها كتابات بابلية، فهذا ما يدلل لنا على أنها ظلت متداولة في مجتمع تلك المنطقة لحين كتابة الكتابة. وبعض حكايات الكتاب تعود إلى العهد العباسي في بغداد بالذات، والبعض الآخر إلى حكايات مصرية، فالقارئ يجد في الكتاب مجموعة من القصص تختلف عصورها، وأصولها، ومواطنها ولا يعرف لها اسم مؤلف واحد، ولا قاص واحد.
والحكايات هذه جمعت ضمن قصة (شهريار وشهرزاد)، استمرت فيها "شهرزاد" تروي حكايات يتأجل بعضها ليلة بعد أخرى، حتى نجت وبنات حواء من الموت. ومع ما في حكايات (ألف ليلة وليلة) من غموض وسحر إلا أنها تقف على أرض صلبة من الحقيقة، وشخصياتها - وإن كانت متماثلة، وغير متطورة - إلا أن مغامراتها أقرب ما تكون من الواقع والحقيقة، ونستطيع ان نلمس خلف خيال شخصياتها الجامح ورغبتهم بكل شيء غريب قانوناً خلقياً، وبدون هذا القانون لم يكونوا ليستطيعوا أن يحتلوا مكان الحب في قلوب الناس، متعلميهم وبسطائهم، شرقيين وغربيين.
لقد دخلت حكايات (ألف ليلة وليلة) إلى أوروبا خلال العهد الوسيط، ويذكر أن بعض حكاياتها دخلت إيطاليا حوالي القرن الثالث عشر للميلاد، وفي حدود القرنين 17، 18 دخل الكتاب إلى أوروبا كاملاً، ونشر ِأكثر من مرة بلغات أوروبية مختلفة، وأشهر ترجمة إنكليزية له هي ترجمة "ريشارد بنتن" حيث اشتملت على شروح وتعليقات.
وقد تأثر الشاعر الإنكليزي (جفري جوسر / 1340 - 1400م) بالآثار العربية في مؤلفاته ومنها: (ترويلس وكرسيدا) وهي حكاية تدور حول الحب الفروسي، وحكايات (كانتربري)، وهي مجموعة حكايات قصيرة وردت ضمن قصة إطار، ومعظمها شعرية، وتعتبر أعظم أعمال "جوسر" وهذه المجموعة تحوي ثلاث حكايات مشابهة لأصول وردت في مصادر عربية، وتلك الحكايات هي على سبيل الاختصار:
1- حكاية الفارس الصغير، وهي حكاية الملك مع الفارس الذي قدم له هدايا سحرية تشتمل على (الحصان الطائر والمرآة، والخاتم السحري) وهذه مشابهة لحكاية (شهرزاد) في كتاب (ألف ليلة وليلة) التي تدور حول الملك والحكماء الثلاثة الذين قدموا له هدايا سحرية.
2- القسم الثاني من حكاية "الفارس الصغير" التي تروي لنا قصة الأميرة "كانيس" التي أدركت حقيقة طبائع الرجال في تقلبهم وعدم وفائهم لنسائهم، وذلك بعد سماعها قصة وردت على لسان الطيور وهذه الحكاية مشابهة لحكاية أخرى في كتاب (ألف ليلة وليلة) وهي حكاية (تاج الملوك والأميرة - دنيا) تلك الأميرة التي عزفت عن الرجال، لأنها أدركت عدم وفائهم لنسائهم أثر رؤيتها حلماً من عالم الطيور يعكس هذه الحقيقة، وحكاية أخرى وردت في (ألف ليلة وليلة) أيضاً وهي حكاية (ازدشير والأميرة حياة النفوس) وهي تدور حول الموضوع ذاته.
3- حكاية (حامل صكوك الغفران) من مجموعة (كانتربري) وهي حكاية تشبه حكاية وردت في كتاب (الحيوان) للدميري، فالحكايتان تتشابهان في الموضوع الذي هو الموعظة وضرب الأمثال، وتتشابهان أيضاً في الحبكة التي تدور حول عاقبة الطمع.
فكل هذه الحكايات تدلل وبالتأكيد القاطع على ان (جوسر) كان متأثراً تأثيراً كبيراً بالحكايات العربية.
كتاب (ألف ليلة وليلة) افتتح بقصة (شهريار وشهرزاد) وهي من الأساليب الفنية التي شاع استعمالها في الشرق وفي أوروبا خلال العصر الوسيط والتي عرفت فيما بعد بقصة (الإطار) وذلك للأسباب التالية:
1- وجود بداية القصة في أول الكتاب ونهايتها في آخره وبذلك تكون خارج نطاق الحكايات الأخرى من جهة، وتكون الحكايات جميعها واقعة في نطاقها من جهة أخرى.
2- وجود تلك الحكايات كرابطة تصل ما بين حكاية وأخرى وذلك خلال الكتاب كله.
3- المجموعة تظهر وكأنها كتاب واحد يشبه رواية طويلة واحدة.
وهكذا يظل الأدب الشعبي العربي زاداً تمون به الأدباء الشعبيون في أوروبا كما في (روبنز كروزو - ورحلات جلفر) وحكايات أخرى منها (حكاية علاء الدين، وحكاية السندباد، وحكاية علي بابا، حيث عدت جزءاً من الفلكلور الأوروبي).
وهكذا يظل أثر (ألف ليلة وليلة) شعبياً خالداً تتناقله الأجيال برغم غياب اسم مؤلف الكتاب وتضارب الآراء في ذلك.
 
أعلى