السيد إمام - شمس « الليالي » وعتمتها

ما الذي تريد أن تعرفه عن "ألف ليلة و ليلة" (أو "الليالي العربية" كما يطلق عليها الأوربيون)؟! أصلها وفصلها؟ هندية أم فارسية أم عربية؟ مخطوطاتها؟ تواريخ ظهورها؟ مؤلفها (أومؤلفيها)؟ نساخها أو جامعيها؟ أطوارها؟ حكاياتها الأصلية أو المنتحلة وما جري عليها من تعديلات وتحويرات، وما تعرضت له من حذوفات وتهذيبات وإضافات علي مر العصور والأجيال؟ ترجماتها؟ الأثر الذي خلفته علي جمهور المستمعين أو القراء في كل مكان وزمان، وعلي المبدعين من شعراء وروائيين ورسامين وموسيقيين وكتاب مسرح في الشرق والغرب علي حد سواء؟ بُناها وطرق تأليفها؟ موضوعاتها المتواترة وموتيفاتها المتكررة؟ سياقاتها التاريخية والثقافية والاجتماعية والنصية ؟ تعالقها أو تفاعلها مع نصوص أخري كثيرة لا حصر لها ؟ مكانتها وسط المنتج الأدبي العالمي؟ لغتها وأساليب تأليفها؟ كل هذه الأسئلة وغيرها تجيب عليها موسوعة الليالي العربية التي ألفها وجمع مادتها اثنان من أبرز المتخصصين في الدراسات العربية وتاريخ الحكي العربي علي وجه الخصوص هما أورليش مارزوف وريتشارد فان ليفن. يعمل الأول أستاذاً للدراسات الإسلامية بجامعة جورج أوجست بجوتنجن بألمانيا وأحد الأعضاء البارزين بلجنة تحرير"موسوعة الخرافات" ، نشر أبحاثا عن ثقافة الحكي في الشرق الأدني والأوسط ولاسيما ما يتعلق بالحكايات الفولكلورية الكلاسيكية والحديثة، بالإضافة إلي الدعابات والنوادر في اللغات الفارسية والعربية والتركية. ويعمل الثاني أستاذاً في قسم الدراسات الدينية بجامعة أمستردام بهولندا، و تضم أعماله المنشورة الترجمة الهولندية لـ "الليالي العربية" بالإضافة إلي العديد من المقالات حول نفس العمل .
يكفي القول إن نص الليالي تبوأ مكانة متميزة بين روائع الأدب العالمي وحقق شهرة عالمية منقطعة النظيرمنذ قدمه انطوان جالان إلي الغرب لأول مرة مترجماً إلي اللغة الفرنسية ما بين عامي 1704-1717. لقد استهلت ترجمة جالان موجة "الهوس" بـ الليالي التي اجتاحت أوروبا منذ أوائل القرن الثامن عشر فصاعداً وهي الموجة التي شملت جمهور القراء والباحثين والمفكرين والكتاب والفنانين علي حد سواء. وحققت ترجمة جالان نجاحاً جماهيرياً باهراً في فرنسا أولاً ثم في باقي أنحاء أوروبا بعد ذلك، وأقبل المترجمون علي نقلها إلي شتي اللغات الأوروبية. تًرجم نص الليالي إلي الإنجليزية والألمانية والروسية والهولندية والدانمركية والبولندية والإيطالية والفلمنكية والرومانية واليونانية والسويدية والهنجارية، وتراوحت طبعاتها ما بين طبعات مهذبة وأخري صريحة مكشوفة تضرب عرض الحائط بالمعايير الأخلاقية السائدة في أوروبا وقتذاك؛ طبعات أمينة وكاملة وأخري مختصرة أو محورة حتي تلائم الأذواق السائدة، طبعات للأطفال وأخري للبالغين أو الكبار. وفضلاً عن هذا كله، ساهم نص الليالي في خلق الصورة الخيالية النمطية عن الشرق وفتح باب الاستشراق علي مصراعيه، وساعد في الوقت ذاته في دفع الحركة الرومانسية الصاعدة في أوروبا إلي الأمام ، ومن ثم شارك في تحرير الفن والأدب من أسر القيود الكلاسكية الصارمة التي فرضت عليهما طيلة عصور، وأصبح منذ ذلك الوقت فصاعداً مصدر إلهام بالنسبة للعديد من الفنانين والمفكرين وكتاب المسرح والروائيين والشعراء في الشرق والغرب. حتي صرح

فولتير أنه لم يصبح قاصاً إلا بعد أن قرأ "ألف ليلة وليلة" أربعة عشر مرة . وتمني الكاتب الفرنسي ستندال أن يصاب بفقدان الذاكرة حتي يعيد قراءة "ألف ليلة وليلة" ويستمتع بها مرة أخري . ويقر الكاتب الكولومبي جابرييل جارثيا ماركيز بدينه لليالي قائلاً " لولا عثوري مصادفة في مكتبة جدي علي كتاب مهمل أوراقه صفراء تكاد تتمزق من فرط قدمه بعنوان "ألف ليلة وليلة" ما كان لي أن أصبح أديباً. هذا الكتاب هو ما صنع مني أديباً بعد أن سحرتني حكاياته " . وعن فضل الليالي علي الحركة الرومانسية التي اجتاحت أوروبا منذ أواخر القرن الثامن عشر وطيلة القرن التاسع عشر، يقول الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخس "عندما نشر جالان مجلده الأول عام 1704 أثار نوعاً من الفضيحة، لكنه في ذات الوقت سحر فرنسا العقلانية التي كان يحكمها لويس الرابع عشر. وعندما نفكر في الحركة الرومانسية ، فإننا نفكر عادة في تواريخ جاءت متأخرة . ويمكن القول إن الرومانسية بدأت في نفس اللحظة التي قرأ فيها شخص ما في باريس أو النرويج كتاب "ألف ليلة وليلة ".
ويعلق المستشرق الدانماركي ج. أويستروب الذي ترجم العمل إلي اللغة الدانماركية في معرض تقييمه لـ "ألف ليلة" ومكانتها بين روائع الأدب العالمي" فيما عدا الكتاب المقدس لا توجد سوي كتب قليلة حققت انتشاراً واسعاً وطافت أرجاء العالم مثل مجموعة الليالي العربية الشهيرة، والتي عرفت تحت اسم ألف ليلة وليلة . فمن جهة ، اكتسبت الليالي أهمية مباشرة، لأنه لا يوجد- تقريباً- أحد في العالم المتحضر لم يقرأ مرة واحدة علي الأقل في حياته هذا الكتاب الممتع بسرور واهتمام ويستوحي منه عدداً كبيراً من الصور المدهشة التي ظلت عالقة علي الدوام في الذاكرة . ومن جهة أخري، اكتسب هذا الأثر أهمية غيرمباشرة لأن أجيالاً متعاقبة من الكُتَّاب والأدباء ظلت تنهل من نبعه الزاخر الذي لا ينضب بلا انقطاع ".
وفي ذات السياق، يتوقف شيخ المستشرقين الفرنسيين سلفستر دي ساسي الذي رفض صراحة فرضية الأصل الهندي أو الفارسي لنص الليالي وشكك في صحة الفقرة التي أوردها المسعودي في "مروج الذهب" حول أصل الكتاب، مؤكداً أن الكتاب مشبع بالأجواء العربية والإسلامية إلي حد يدحض أي ادعاء بأصل غير عربي عند عناصر الإبداع في

الليالي، متأملاً "يجب أن نعد العرب معلمين لنا في ابتكار الأحداث الشيقة، وفي العناية والاهتمام بالتنويع المستمر من خلال عالم الأساطير المتألق للسحرة والعجائب، ما يجعل العالم أكثر اتساعاً وثراءًً وينمي القوي الإنسانية ، وينقلنا إلي آفاق الروعة، ويثير دهشتنا حيال المفاجآت" .
أما الكاتب النمساوي الرومانسي هوجو فون هوفمنستال الذي قرأ الليالي طفلاً وأعاد قراءتها عدة مرات في سن متأخرة فيصف العمل بقوله "هنا، نجد قصيدة شارك في تأليفها أكثر من شخص، ولكنها تبدو كأنها صدرت عن روح واحدة. إنها كلٌ، وعالم بأكلمه، وأي عالم! هوميروس يبدو إذا ما قورن بهذا العمل، شاحباً وزائفاً. هنا يجد المرء ألواناً مشرقة وعمقاً شديداً، واستيهامات مذهلة وحكمة عملية ثاقبة. هنا يجد المرء مغامرات لا حدود لها، أحلاماً وأقوالاً مأثورة، فواحش وأسراراً. هنا الروحية الأكثر فسقاً والأغزر حسيِّة في جديلة واحدة. لا توجد حاسة من حواسنا لم يتم إيقاظها، من الداخل ومن الخارج معاً. إن كل شئ فينا ينشطُ، يُبعثُ من جديد ويغدو أكثر تقبلاً للمتعة."
ويؤكد أمبرتو إيكو وهو يراجع حصيلة المعرفة الإنسانية في ألف سنة مضت "أن الروايات الكبري في الثقافة الغربية من دون كيشوت إلي الحرب والسلام ، ومن موبي ديك إلي الدكتور فاوست، قد كتبت بتأثير من ألف ليلة وليلة. وهناك حقيقة فيما يبدو لا بد من الاعتراف بها، وهي علي الرغم من حضور نص الليالي الطاغي في الذاكرة والتداول الواسع الذي حظي به، فإنه لم يحتل المكانة اللائقة به التي يسوغها تأثيره الملموس في دائرة التفكير العربي إبداعاً وموروثاً. ومع ذلك ستظل ألف ليلة وليلة حكايات تشبه نصاً مفتوحاً ولغزاً عميقاً وشفافاً يتشكل معناه في كل زمن وفي كل عقل".
الغريب أن نص الليالي الذي حظي بكل هذا التقدير والاهتمام ، ونال من الإطراء ما لم ينله نص من قبل، ظل برغم هذا مهملاً ومستهجناً بين أصحابه يتناقله العامة شفاهة فيما بينهم طيلة قرون دون أن يرقي إلي مرتبة الأدب وفقاً للمعايير التي أقرتها مؤسسة الأدب الرسمية التي تتألف من علماء اللغة العربية ورجال الدين والتي كانت حريصة علي التمييز بين أدب رفيع جاد نافع يعلمنا أساسيات اللغة، وأدب قصصي عابث ذي طابع شعبي يستخدم اللغة الدارجة يهدف إلي التسلية لا يستحق أن يكون أدباً. لقد تجاهلها المسعودي في "مروج الذهب" بوصفها سمراً من النوع الرخيص ، ويلخص الحكم الذي أطلقه ابن النديم في القرن العاشر الذي ذكر في كتاب "الفهرست" أنه رأي الكتاب بتمامه باللغة العربية في عدة مجلدات، هذا الموقف حيث وصف الكتاب بأنه "غث بارد الحديث". ويعلق كليفورد بوزوث في"تراث الإسلام" (عالم المعرفة-234) علي هذا الموقف قائلاً : إن تعليقات ابن النديم التي أوردها في الفصل الذي ذكر فيه أسماء بعض الكتب حول محتويات وأساليب الكتب القصصية المتنوعة وحكايات العشاق العرب والأبطال والظرفاء وحكايات البحارة (التي يمكن أن تكون قد احتوت منذ وقت مبكر علي قصة السندباد البحري) بالإضافة إلي أساطيرقيل أنها مترجمة عن الروم البيزنطيين والهند وفارس مثل كتاب "ألف خرافة" الذي سبق كتاب "ألف ليلة وليلة " لا يدع مجالاً للشك في أنه لم يكن يري أن لها قيمة أدبية كبيرة. والنتائج التي تستخلص من نظرة ابن النديم إلي الأدب واضحة، فهناك أدب جاد ممتع لا يخلو من فائدة كبيرة، وهذا الأدب يعلمنا أساسيات اللغة ونواحي جمالها وكان من وظائفه أن يحافظ علي كل القيم الثقافية الموروثة ويجددها باستثناء تلك القيم المتعلقة بالدين والعلم. وهناك أيضاً نوع من الأدب القصصي العابث للتسلية والمتعة، له طابع شعبي، ولا يستحق أن يكون أدباً.. ولكن أصحاب العلم الحق كانوا كقاعدة عامة يهملون هذا النوع من الأدب. وكان هذا هو موقف ابن النديم من الأدب وهو موقف يمكن باطمئنان أن نقول أنه كان موقف جميع المفكرين المسلمين دون استثناءات تذكر".
ولم تتوقف موجة الاهمال والاستهجان لكتاب "ألف ليلة و ليلة" في العالم العربي والإسلامي عند هذا الحد بل امتدت

حتي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حيث يدرجه مصلح ديني كبير مثل الإمام محمد عبده في مقال نشره بجريدة الوقائع المصرية عام 1881ضمن ما سماه بـ"كتب الأكاذيب الصرفة التي لا يجوز بيعها أو النظر فيها" (هكذا!!) ،ويضيف الإمام سبباً آخر يبرر رفضه للكتاب، وهو أن "عبارته سخيفة ومخلة بقوانين اللغة" !!. ولم يخل القرن العشرون من سوء تقدير للكتاب ففي عام 1985 أصدرت إحدي المحاكم المصرية أمرأ بمصادرته بدعوي أنه يشكل خطراً يهدد قيم الشباب المصري.
يتضح مما تقدم أن الهاجسين الجامعين اللذين ظلا يحكمان المشهد النقدي العربي والإسلامي في تقييم الليالي طيلة القرون التي تفصل بين ابن النديم ومحمد عبده ومن جاء بعده من المتزمتين، هما هاجس اللغة من جهة وهاجس الأخلاق من جهة أخري، فضلاً عن عنصر ثالث أفاض في ذكره العلماء هو عنصر الكذب أو عدم المطابقة مع الواقع وجنوح القاص الشعبي إلي الإغراق في الخيال ووصف المحال . وفيما يلي استعراض لبعضٍ مما قاله النقاد العرب الأوائل في هذا الصدد:
يذكر أبو طالب المكي في " قوت القلوب في معاملة المحبوب" أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يري القصة علماً لا يضر الجهل به. وندد الراشدون بالقصة حتي إن علياً بن أبي طالب طرد من المسجد الجامع بالبصرة كل القاصين ما عدا الحسن البصري الذي كان أحد أصحاب مجالس الذكر، ومن هؤلاء جماعة من الزهاد والنساك والعلماء، كعامر ابن قيس وصلة بن أشيم ومؤرق العجلي ومحمد بن واسع وفرقد السبخي وعبد الواحد بن زيد وموسي بن سيار الأسواري الذي كان يقص القصص القرآني باللسانين العربي والفارسي . ويقول ابن الجوزي في "القُصَّاص والمذكرين ": من الأسباب التي تجعل القص مكروهاً إن في القرآن من القصص وفي السنة ما يكفي عن غيره مما لا تتيقن صحته ". وروي الخلال عن أبي بكر المروزي قال سمعت أحمد بن حنبل يقول: يعجبني أمر القُصَّاص يذكرون الميزان وعذاب القبر. وسئل سفيان الثوري: نستقبل القُصَّاص بوجوهنا؟ فقال: ولّوا ظهوركم . ويقول ابن

الجوزي : "والقُصَّاص لا يذمون من حيث هذا الاسم لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القَصَص دون ذكر العلم المفيد، ثم غالبهم يخلِّط فيما يورده، وربما اعتمد علي ما أكثره محال" . ويذكر الجاحظ بالتنديد في البيان والتبيين" قُصَّاص العامة والذين يتحلقون حولهم وفيهم الكثير من السفلة الذين يخالطون النساء والغلمان ووصفهم بـ "الغفلة والجهل " . ويعلق محمود بن عمر الزمحشري في سياق شرحه للآية " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين" إن لهو الحديث كأحاديث السمر التي تحكي الخرافات والأخبار التي تعري من الصحة وحكايات الجن والملح والحديث المسهب بعامة . (القُصَّاص بصفة عامة مذمومون لأنهم : كذابون ، مبتدعون، مخلِّطون ، مبالغون ، وهم ومستمعوهم "سفلة" "جاهلون" "غافلون" يخلُّون بقواعد اللغة ، خصوصاً إذا كانوا من العوام؛ محمودون إذا كانوا وعَّاظاً مذكرين ، صادقبن يتحدثون بلسان عربي مبين. والقَصُّ بدعة، مذموم لأنه تلفيق و كذب ، يشغل عما هو أهم من تدبر القرآن ورواية الحديث ، يستميل العوام في أفشاء كل غريب وساحر وخلاب إلي استحضار القصص والخرافات التي تتجاوز إما سنن الكون وإما سنن العقل والمنطق، يصرف عن العلم النافع و يحرض علي اتباع الهوي والبدع ويلهي عن ذكر الله، مقبولٌ إذا كان يمثل وعداً أو وعيداً يسوق الموعظة ويزجي العبرة والنصح والإرشاد، يذكِّر بعذاب الآخرة وما ينتظر الإنسان من ثواب وعقاب.
وبالنسبة إلي غرائبية "ألف ليلة وليلة" فلا نظن أنها أكثرغرائبية واختراقاً إما "لسنن الكون أو سنن العقل والمنطق" من بعض القصص القر آني مثل قصة يونس الذي ابتلعه الحوت ومكث في جوفه أياماً أو أسابيع حسب بعض الروايات ، أو قصة أهل الكهف الذين مكثوا في كهفهم ثلاثمائة وتسع سنين ، اوقصة النبي سليمان الذي كان يتمتع بالقدرة علي مخاطبة الحيوانات والطير وسائر صنوف المخلوقات وسخر له الله الرياح و الجن حتي أن أحدهم أحضر له عرش بلقيس ملكة سبأ قبل أن يرتد إليه طرفه. وفي ذات الوقت لم يستبعد النقاد القدامي الكتب التي كانت تتناول كرامات الأولياء التي انطوت علي قصص أكثر غرابة وجنوحاً وإغراقاً في الخيال من قصص "ألف ليلة و ليلة" مثل

"الطبقات الكبري" للشعراني و"جامع كرامات الأولياء" لابن اللقن و"كرامات الأولياء" للنبهاني التي تُحدثنا عن أناس يجترحون المعجزات لهم القدرة علي الطيران في الهواء أو السير فوق الماء أو التواجد في مكانين متباعدين في وقت واحد ، أولاً لأنها تتناول أشخاصاً يتميزون بالزهد و الصلاح ، ثانياً لأنها كُتبت باللغة العربية الكلاسيكية الفصحي لغة القرآن الكريم ولم تلجأ إلي اللغة التي يتحدث بها العوام كما فعلت "ألف ليلة و ليلة" ، بل واستوعبت مؤسسة الأدب ضمن سياقها نصوصاً مثل "الروض العاطر" للنفزاوي التي تحتوي علي ألفاظ تخدش الحياء أو أوصاف للأعضاء الجنسية للرجل والمرأة وطرق الجماع وكيفيات الإمتاع. ولم تكن بعض القصص التي امتلأت بها كتب السيرة بأقل غرابة من قصص "ألف ليلة و ليلة" مثل قصة جعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول الذي لقب بذي الجناحين و استشهد في غزوة مؤتة بعد أن تسلم راية المسلمين من زيد بن الحارثة وظل يقاتل حتي قطعت يمينه، فحمل الراية بشماله فلما قطعت هي الأخري احتضنها بعضديه. وأعجب من ذلك مارواه السيوطي في الخصائص الكبري(جـ1) منسوباً لابن عباس أنه " كان من دلالات حمل رسول الله أن كل دابة كانت لقريش نطقت تللك الليلة، وقالت حمل برسول الله - ورب الكعبة- وهو إمام الدنيا وسراج أهلها (...) وسرت وحوش المشرق إلي وحوش المغرب بالبشارات وكذلك أهل البحار"، وهي روايات يمكن فهمها وفقاً لمنطقها الخاص .
ويضيف ابن هشام عنصراً آخر يفسر معاداة المسلمين للخرافة بانصراف البعض عن القصص القرآني واقبالهم علي القصص الخيالي الذي يمتلئ بعناصر الدهشة والغرابة ويذكر حديث النضر بن الحارث التاجرالذي كان قد رحل إلي فارس والحيرة يطلب قصص الفرس وأساطيرهم ليضاهي ما عند النبي " فكان إذا جلس رسول الله صلي الله عليه و سلم مجلساً و ذكَّر فيه بالله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام ، ثم قال: أنا و الله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه ، فهلم إلي، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس و رستم و اسبنديار ، ثم يقول بماذا محمد أحسن حديثاً مني؟ و يضيف الزمخشري في الكشاف عن حقائق التنزيل فقرة أخري علي لسان النضر بن الحارث يقول فيها " إذا كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا احدثكم بأحاديث رستم وبهرام و الأكاسرة وملوك الحيرة . فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن"
( الغريب أن الرسول صلي الله عليه و سلم كان يستملح القصص التي كان يرويها "خرافة" عن الجن والشياطين ويدعوه بـ"الصادق" . وكان خرافة رجلاُ من بني عذرة ادعي أن الجن خطفته وبقي عندهم فترة من الزمن ثم عاد إلي قومه يروي لهم مغامراته مع الجن وكان يصعب تصديقها لغرابتها وبعدها عن المعقول . والخرافة الحديث المستملح العجيب و يراد بها الأخبار الغريبة والقصص العجيبة المنسوجة من الخيال أو الممتزجة بالواقع ، وغالباً تكون موضوعة جارية علي الكذب .يقول ابن حجر: خرافة

العذري هو الذي هو الذي يضرب به المثل في الغرابة والأعاجيب فيقال حديث خرافة. يقول رسول الله صلي الله عليه و سلم لعائشة حين سألته عن حديث خرافة " إن أصدق الحديث حديث خرافة ، رجل من بني عذرة سبته الجن وكان يكون معهم فإذا استرقوا السمع أخبروه فيخبر به الناس فيجدونه كما قال"] رواه الطبراني في الأوسط .
الغريب أيضاً أن عنصر الكذب وهو أحد العناصر الذي عُيِّبت علي أساسه "ألف ليلة وليلة" ، هو أحد المعايير التي عدَّها القدماء خصيصة تدل علي جودة الشعر من عدمه حتي قيل أن "أعذب الشعر أكذبه" ما يعكس ازدواجية غير مفهومة في المعايير. أما فيما يتعلق بالعنصر الإباحي في الليالي ودعوتها للفسق و الانحلال وخروجها علي الآداب العامة والأخلاق المستقرة وانتهاكها للأعراف ، فلا نظن أنها كانت أكثر إباحية أو انحلالاً أو انتهاكاً للأعراف من أشعار أبو نواس وبشار بن برد-الذي اتهم بالزندقة- ومطيع بن إياس الذين تباروا في ذكر الأعضاء الجنسية والغزل الماجن بالمذكر والتغزل الفاضح بالجواري والغلمان والفحش في الألفاظ . وبرغم ذلك لم تستبعدهم مؤسسة الأدب من دائرتها كما فعلت مع نص "ألف ليلة وليلة" ، ولم تمنعهم من تبوء مكانتهم الرفيعة بين فحول شعراء العربية ما دفع عالماً جليلاً مثل عبيد الله بن عائشة إلي القول"من طلب الأدب فلم يرو شعر أبي نواس فليس بتام الأدب" !! ووضع الجاحظ بشار المتهم بالزندقة و المجون علي رأس الشعراء المحدثين وقدمه ابن رشيق علي سائر الشعراء ، ورآه الأصمعي وهو من النقاد المتشددين"خاتمة الشعراء" ، واعتُبر بإجماع الرواة أشهر شعراء العصرين الأموي والعباسي و أجلهم شعراً رغم ما غلب علي شعره من المجون الفاضح والكلمات البذيئة . والأدهي من ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يبد اعتراضاً من أي نوع حين أقبل عليه كعب بن زهير ينشده قصيدته "بانت سعاد" التي يصف فيها أعضاء جسد المحبوبة وصفاً حسياً مفصلاً في مقدمته الغزلية جرياً علي عادة الشعراء العرب القدامي في تقديم قصائدهم ومن بينها قوله :هيفاء مقبلة (أي دقيقة الخصر) عجزاء مدبرة ( أي ضخمة العجيزة أو سمينة المؤخرة أو عظيمة الأرداف إذا أدبرت) وهي أوصاف تتفق ومقاييس المرأة الأكثر إثارة جنسية للرجل في هذا العصر، بل و يصف أسنان محبوبته عندما تبتسم وما فيها من ريق رطب راوٍ كأنها مسقية بـ"الخمر" أكثر من مرة حين يقول: تجلو عوارض ذي ظَلْمٍ إذا ابتسمت /كأنه مُنهلٌ بالراح مَعلُولُ . لم يعير الرسول عليه الصلاة والسلام أوصاف كعب بمعيار الأخلاق وإنما فعل كما يفعل النقاد المحدثون حيث اعتمد في فهمها وتقييمها علي إدراجها داخل منظومة تقليدها الشعري الموروث وسياقها الثقافي والفني الذي تنتمي إليه ومن هنا جاء تقييمه لها موجباً ( لقد خلع الرسول علي كعب بردته). ما سر هذه المفارقة إذن؟! اللغة ؟! بكل تأكيد .
هل من سبب آخر؟! نعم . لقد كانت "ألف ليلة وليلة" ضحية التفريق القائم علي تحيز أيديولوجي بين أدب رفيع يخص النخبة وأدب هابط أو مبتذل يخص العامة أوالدهماء ، وهو أحد تجليات التفاوت الطبقي الصارخ الذي كان يقسم المجتمع إلي طبقتين متمايزتين ، طبقة أرستقراطية مستبدة حاكمة باطشة متجبرة تحركها شهواتها الجنسية و تتحكم في قراراتها تتمتع بكل الامتيازات وتستأثر بكل الخيرات المادية و الثروات وتحتكر كل أسباب السيادة و القوة تتألف من ملوك وخلفاء وسلاطين و أمراء ووزراء وعسكر وقادة جيوش وتجار أثرياء وعلماء لغة وفقهاء ورجال بلاط وندماء و متملقيهم من شعراء وأدباء ، فضاءاتها القصور وأروقة البلاط ، و طبقة دنيا مهمشة غير متعلمة تعاني من الفاقة والحرمان تتألف من الزراع والحرفيين والصناع وصغار

التجار والعيارين والشطار ومن أطلق عليهم المؤرخون في بداية العصر المملوكي الزعر والحرافيش ممن يحتلون قاعدة الهرم الاجتماعي ، فضاءاتها التي يعبرون فيها عن فنونهم الشوارع والساحات العامة والمقاهي و الأسواق . الطبقة الأولي تتبني المعايير التقليدية المتوارثة عن الأجداد، تعتمد علي المحاكاة و إعادة إنتاج النماذج القديمة واتباع المواصفات والتصنيفات التي وضع أسسها القدماء وتتسم في عمومها بالتقليد والتكرار و الاجترار، والثانية تضرب بالنماذج الجاهزةعرض الحائط، تستقي معاييرها مما يفرضه واقعها الفعلي ، تستكنه روح الجماعة الشعبية وتتسم بالديمومة و التغير المستمر، تخلق مواضعاتها الخاصة بها و فنونها المعبرة عن خصوصيتها الثقافية و التاريخية والجغرافية وعن طموحاتها في عالم تسوده قيم العدل والحق والمساواة تناهض الظلم والبغي وتقاوم كل أشكال القهر والتسلط والاستبداد ، تسخر من حكامها الطغاة عن طريق النكتة و شتي ضروب التورية ، وتعبر عن كل ذلك شفاهة بلغتها الخاصة الدارجة غير المصنوعة أو المتكلفة . ومن هنا ظهرت السير الشعبية التي تمجد الأبطال الشعبيين وقصص الشطار و العيارين وكافة فنون الرقص الشعبي والحكم والأهازيج الشعبية والمآثر والأمثال المستمدة من الموروث الجمعي. ولم تكن "ألف ليلة و ليلة" بمنأي عن هذا كله.
لكل هذا وذاك ظل نص الليالي غريباً ،مستبعداً و مهمشاً ،منبوذاً ومستهجناً من قِبل النخبة الثقافية يرويه القُصَّاص الشعبيون للجمهور ويضيفون عليه من عندياتهم جيلاً بعد جيل . ويرجع الفضل للمستشرقين في رد الاعتبار لهذا الأثر

العظيم وإبراز ما ينطوي عليه من سحر وجمال ، وكان علي رأس هؤلاء المستشرق الفرنسي أنطوان جالان الذي قام لأول مرة في تاريخ أوروبا الأدبي بترجمة الكتاب إلي اللغة الفرنسية في إثني عشر مجلداًً . وكان جالان قد عثر علي مخطوطة عربية تحوي حكايات السندباد فشرع في ترجمتها عام 1701 ولكنه سرعان ما تبين أنها جزء من مجموعة أشمل فقام بترجمتها علي الفور في سبعة مجلدات بعد أن أضاف إليها حكايات السندباد التي عثر عليها في بدابة الأمر . ولاقت الترجمة انتشاراً واسعاً وذاع أمرها في كل أنحاء أوروبا وسرعان ما ترجمت إلي العديد من اللغات، وعنها استمد الغرب صورته عن الشرق بوصفه موطن السحر والخيال والحريم والكنوز و الجمال.
وفي أوائل القرن التاسع عشرطبعت "ألف ليلة وليلة" لأول مرة إلي اللغة العربية في كلكتا بالهند عام 1814تحت رعاية أحمد بن محمود شيرواني ثم ظهرت الطبعة الثانية عام 1818، وطبعة برسلاو التي ظهر الجزء الأول منهاعام 1824 والأخير عام 1843 وقام بنشر الأجزاء الثمانية الأولي منها مكسمليان هابيشت من مخطوطة تونسية وأكمل الأجزاء الأربعة الأخيرة بعد وفاته هاينرش فلاش أستاذ اللغات الشرقية في الجامعة الملكية بمدينة لايبزش . وفي عام 1835 ظهرت طبعة بولاق وهي أول طبعة للمخطوط المصري وتبعتها طبعة بولاق الثانية بعد ذلك بثمانية وعشرين عاماً ثم استكملت طبعة كلكتا الثانية مابين عامي 1838-1842في اربعة مجلدات، وما بين عام 1888 وعام 1890 أصدرت مطبعة الآباء اليسوعيين الكتاب في خمسة مجلدات. ومن

أشهر طبعات الليالي طبعة صبيح المزودة بالرسوم الشعبية وهي الطبعة التي تمت مصادرتها في مصر عام 1985
ولفتت ترجمة جالان الانتباه إلي الأصل العربي فاتجه المترجمون إلي هذا الأصل ينقلون عنه ومن بين هؤلاء المستشرق الأنجليزي إدوارد لين الذي ظهرت ترجمته ما بين عامي 1839 و1841 ومع ظهور الحركة الرومانسية في أوائل القرن التاسع عشر وثورتها علي القواعد الكلاسيكية الصارمة وفصلها الصارم بين الفن والأخلاق واحتفائها بقيمة الخيال في الإبداع وإعادة الاعتبار إلي فنون الشعب ، بدأ التنقيب في العالم العربي عن تللك الآثار المهملة والاعتراف بقيمتها بوصفها التعبير الحقيقي عن روح الجماعة الشعبية التي أهملتها مؤسسات الأدب الرسمية طويلاً. وكان من نتيجة ذلك أن بدأ الاهتمام بالمأثورات الشعبية من شعر وغناء وموسيقي ورقص وأمثال وأساطير وسير وحكايات تجري علي ألسنة العامة من الناس ، وشمل هذا الاهتمام العناية بمجموعة "ألف ليلة وليلة" التي أصبحت مصدر إلهام بالنسبة للعديد من الكتاب العرب في مجالات القصة والمسرح والشعر والرقص وسائر الفنون . ويعلق أحمد حسن الزيات في محاضرة ألقاها في سوريا عام 1933 بعنوان"ألف ليلة وليلة و تاريخ حياتها" علي أسباب هذا التحول في النظرة إلي كتاب ألف ليلة وليلة "ورآه محمد بن إسحاق المعروف بابن النديم فقال إنه غث بارد لأنه نظر إلي الأدب الأرستقراطي الذي يصور ترف الخيال وجمال الصنعة ، فلما حقق العصر الحديث تغلب الديموقراطية ، وسيادة الشعوب، واستتبع ذلك عناية أصحاب المذهب الإبداعي( الرومانتيكيين) في الغرب بحياة السوقة و الدهماء عنايتهم بحياة الملوك والنبلاء ، وهب رواد الاستعمار وعشاق الآثار ينقبون عن فولكلور الشرق ، أخذ أدباؤنا بحكم التقليد والعدوي يعطفون علي أدب السواد، فدونوا اللغة العامية وجمعوا الأغاني الشعبية". ويضيف الزيات" ألف ليلة وليلة ياسادة كتاب شعبي تمثلت فيه طوائف الشعب و طبقاته، وتراءت من خلاله ميوله و نزعاته، و تكلمت فيه أساليبه ولهجاته، فهو كالشعب وكل شيء للشعب، قد لقي من جفوة الخاصة وترفع العلية أذي طويلاً، أغفله الأدب فلم يتحدث عنه ، واحتقره الأدباء فلم يبحثوا فيه".
غير أن الالتفات الحقيقي إلي "ألف ليلة وليلة" في الدراسات العربية لم يبدأ إلا مع رسالة الدكتوراه التي تقدمت بها سهير القلماوي إلي كلية الآداب جامعة القاهرة بتشجيع من طه حسين عام 1941 وهي أول دراسة باللغة العربية حول "ألف ليلة وليلة" أعقبتها مجموعة من الدراسات قام بها عدد من الدارسين الكبار ممن اهتموا بالأدب الشعبي وفنونه من بينهم الدكتور عبد الحميد يونس وأحمد رشدي صالح وفوزي العنتيل و فاروق خورشيد من بين آخرين.
لقد استطاعت "ألف ليلة وليلة" بالرغم من كل أسباب الإهمال والتهميش التي قوبلت بها من جانب المؤسسة النقدية القديمة، أن تحافظ علي وجودها بين الطبقات الدنيا الكادحة علي مدي قرون عديدة لأنها تمثل فضاء يعبرعن مكنوناتها ويكشف في الوقت ذاته عن لاوعيها ورؤيتها لعالم يسوده القهر والتسلط والاضطهاد، فضاءاًيجسد في الوقت ذاته أحلام هذه الطبقات وتطلعاتها إلي عالم يسوده العدل و المساواة تذوب فيه كل التمييزات الثقافية المصطنعة التي تقوم علي أساس اللون أو العرق أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية حيت أمكن للعبد الأسود مجامعة زوجة الملك أو الأمير (البيضاء) ، ولجامع القمامة مضاجعة بنات الأكابر، وللصعلوك أن يرتقي عرش الملوك ،وللمرأة أن تصبح سلطانة ومحاربة لا يشق لها غبار تبز الرجال حكمة وذكاء ودهاء ، وحيث ترفع الحدود بين عالم الجن وعالم الإنس ، عالم اليابسة وعالم البحار، عالم الأرض وعالم الفضاء ،عالم الإنسان وعالم الحيوان ، الحلال والحرام، الفيزيقي والميتافيزيقي ، المنظور وغير المنظور،الوعي و اللاوعي؛ يتزوج الصعلوك من أميرة ، أو يتزوج الأمير فتاة من عامة الناس ؛ الجني من إنسيه أو الإنسي من بنات الجن ؛ تتكلم الطيور وتنطق الأشجار وتنبت للإنسان أجنحة تعينه علي التحليق مثل الطيور في الفضاء ؛

يتحول الذهب إلي قصدير والمعدن الرخيص إلي ذهب ... يتمرد "الهو" علي سلطة الـ "أنا الأعلي" ويعصف بكل أوامره ونواهيه: يجامع الإبن زوجات أبيه ويغتصب الأب معشوقة الإبن، وتتحرش الزوجة بابن زوجها ؛ يواقع الرجال الغلمان ويعاشر الأشقاء شقيقاتهم. يتجاوز القاص الشعبي حدود المعلوم والمعقول فيخلق طيوراً في حجم الفيلة ، وبشراً يمكنهم الحياة تحت الماء، وأسماكاً في حجم الجزر وبيوضاً في حجم القباب ، وفتيات لها أجنحة من الريش، وأفراساً من الأبنوس، وأشجاراً تحمل أثماراً من نساء، وأسماكاً ضخمة تموت لتوها لدي سماعها صيحة إنسان، ومردة عماليق يتغذون علي لحم البشر.
لقد فجر عالم الليالي الغرائبي وما ينطوي عليه من آيات السحر والجمال طاقات الإبداع لدي الكثير من الكتاب والفنانين الأوربيين . إن إنو ليتمان يشير إلي أننا نستطيع تتبع بداية دخول "ألف ليلة وليلة" إلي أوروبا مع منتصف القرن الرابع عشر في كتابات جيوفاني سركامبي وبوكاشيو وتشوسر وامتد هذا الأثرإلي القرنين السادس عشر والسابع عشر في أعمال جيامباتستا باسيل و موليير، كما ساهم في دفع الحركة الرومانسية الناشئة في أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر و أوائل القرن التاسع عشر. لقد فتحت "ألف ليلة وليلة" آفاقاً جديدة للتخيل لدي مبدعين مثل كولريدج وبايرون وكيتس وتنيسون وجوتة ولشتنبيرج و فولتير وجول فيرن وجوتييه ودو نرفال و شاتوبريان وفلوبير وأندرسون و مونتسكيو و ليسنج وبومارشيه والأخوين جريم وموزارت و ريمسكي كورساكوف من بين آخرين.
وفي القرن العشرين تجلي أثر الليالي في أعمال كتاب مثل جون بارث وبورخيس وأمبرتو إكو وسلمان رشدي وجارثيا ماركيز. لقد سبقت الليالي كل التنظيرات الحداثية ومابعد الحداثية في فن السرد وكانت الأساس الذي قامت عليه تيارات عديدة مثل تيار الواقعية السحرية الذي نشأ في أمريكا اللاتينية في الخمسينيات من القرن الماضي ثم انتشر بعد ذلك في كل أنحاء أوروبا وكان أهم ممثليه الكاتب الكولومبي الشهيرجابرييل حارثيا ماركيز و ماريو بارجاس يوسا من بيرو و خوليو كورثار من الأرجنتين وكارلوس فوينتس من المكسيك الذين تختلط في أعمالهم عناصر الخيال بالواقع وتزول فيها الحدود بين الوهم والحقيقة ، الزمان و المكان المتخيل و التاريخي، المنظوروغيرالمنظور،المألوف والخارق، الاعتيادي والعجائبي، إلخ. كما تتقاطع مع ما أطلقت عليه ليندا هتشيون " الميتارواية التاريخية" من حيث تناصها مع الشخصيات التاريخية وتأويلها ،إعادة بناء التاريخ و أسطرته أو تأويله ، نسبيته ، الخلط بين ماهو واقعي أو حقيقي و ما هو قصصي أو خيالي ، تخييل الواقعي وتأريخ الخيالي، المزج المتعمد بين الواقع والأسطورة، الوهم والحقيقة ، بين

دور المؤرخ ودورالقاص أو الراوي أطفال منتصف الليل لسلمان رشدي، إسم الوردة لإمبرتو إيكو ، مائة عام من العزلة والجنرال في متاهته لجارثيا ماركيز) .
لقد قدمت "ألف ليلة وليلة" تاريخا خيالياً لشخصيات تاريخية مثل هارون الرشيد ، المأمون ، زبيدة زوجة هارون، إسحق وجعفر البرمكي، الحجاج ، النبي سليمان، الظاهر بيبرس، إسحاق وابراهيم الموصلي ،وهي شخصيات يصعب الفصل فيها بين حقيقتها التاريخية وصورتها الخيالية علي الطريقة التي قدمها بها الراوي الشعبي. إن الصور الخيالية التي قدمها الراوي الشعبي لهذه الشخصيات يمثل اسقاطاً لوعي الطبقات الدنيا المضطهدة أو المقموعة علي طبقة الحكام الذين يتصورنهم أحياناً كحمقي أو مهرجين أو شهوانيين تدفعهم نزواتهم لارتكاب أفظع الحماقات ( في حكاية "جعفر البرمكي والشيخ البدوي" يكافيء الخليفة هارون الرشيد الشيخ البدوي علي "ضرطة" أطلقها في حضوره اعتراضاً علي جعفر، وفي حكاية "علي نور الدين وأنيس الجليس" يصمم الخليفة هارون الرشيد علي أن يصلب خولي بستانه الشيخ إبراهيم وعلي نور الدين و أنيس الجليس إن لم تحسن أنيس الغناء والضرب علي العود وإن أحسنت عفا عنهم وصلب بدلاً منهم وزيره جعفر البرمكي. يقول الرشيد لوزيره جعفر : "والله إن غنت الجارية ولم تحسن الغناء صلبتهم كلهم وإن غنت وأحسنت الغناء فإني أعفو عنهم وأصلبك أنت". والسؤال: ماذنب علي نور الدين والشيخ إبراهيم إن لم تحسن أنيس الغناء، وماذنب جعفر إذا إحسنت الغناء؟!)، ميالين دائما لإراقة الدماء، نرجسيين، مجبولين علي الأثرة وحب الذات ، متكالبين علي متع الدنيا وتكديس الثروات ، أو من ذوي القدرات الخارقة ، يتحكمون في ممالك الجن ، قادرين علي اجتراح المعجزات. إن القاص الشعبي يرسم عالماً ، أو بالأحري تاريخا خيالياًً (روائياً) موازيأ للتاريخ الرسمي الذي كتبه المؤرخون الرسميون من أصحاب الحظوة والمقربين من دوائر السلطة وصنع القرار . هكذا نعثر في الليالي علي تاريخين : تاريخ واقعي (لايخلو هو الآخر من المبالغات وعناصر الخيال) وتارخ خيالي أو روائي أملاه الوعي الشعبي (لايخلو من بعض عناصر الواقع أو التاريخ) بحيث يدفعنا نحن القراء للتساؤل :أين الواقع فيما نقرأ وأين التاريخ ويحملنا من ثم علي الشك فيما يسمي بموضوعية التاريخ ومصداقية المؤرخين والنظرإلي التاريخ بوصفه حكياً أو متخيلاً ليس إلا.
ولم يقتصر أثر الليالي علي الآداب والفنون بل امتد أثرها علي الحركة النسوية في الغرب والشرق علي حد سواء. لقد أصبحت شهرزاد أيقونة نسوية عالمية ورمزاً لنضال المرأة ضد القيود والمواضعات الإجتماعية الظالمة التي فرضت عليها علي مدي أجيال من قبل ثقافة ذكورية تنحاز انحيازاً كاملاً للرجل (أنظر Lahy : "نسوية شهرزاد") وارتبطت علي وجه الخصوص بحركات تحرير المرأة في العالم الإسلامي. لقد واجهت شهرزاد سلطة البطش الذكورية الممثلة في شهريار وتمكنت عبر علمها وذكائها وسعة اطلاعها وقوة خيالها من ترويضه والانتصار عليه وتحريره من استحواذاته المرضية والشهوانية وبذا حررت بنات جنسها وأنقذتهن من الفناء.لقد فعلت كل هذا بفضل أصرارها وقوة إرادتها وتفوقها الذهني. لقد تمردت علي سلطة الأب الذي نصحها بعدم المخاطرة بحياتها و أصرت علي خوض المعركة حتي النهاية . ومن ثم اعتبرت رمزاً لنضال المرأة ضد كل ألوان القهر والاستبداد الذكوري وكفاحها من أجل التحرر من سلطة التقاليد البالية وسعيها للحصول علي كافة حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي حرمت منها طيلة عصور.

08/11/2014



*dar akhbarelyom com
 
أعلى