منقول - شهرزاد في عيون أدباء الشرق والغرب.. طغيان شهريار والجنون المضمر في وجه الخيانة

شهرزاد.. المرأة الأسطورة كما أطلق عليها النقاد والباحثون في كتاب «ألف ليلة وليلة».. فهل كانت تشبه فتيات عصرها أم إنها كانت صنفاً بشرياً متميزاً عنهن بصفات متباينة حتى وصفت بالفتاة الخارقة فشغلت الناس بالحديث عنها. فمن شهرزاد وكيف كانت صورتها بين أدباء الشرق والغرب؟
شهرزاد ابنة وزير خطير ذي شأن في الدولة، رباها أبوها فأحسن تربيتها، ونوّر عقلها وأرهف حسها، فهي المرأة المثقفة الواعية لأحداث عصرها والقارئة لكتب التاريخ، والدارسة لطبائع الأجناس البشرية وطوائف المجتمع، إنها المرأة التي استطاعت أن تتعرف إلى الوحش القابع في صدر شهريار حتى سميت المرأة الساحرة. فقد حوّلت الوحش الضاري إلى قط مستأنس، فأخذت تطوف بهذا الملك طوافاً سحرياً في ممالك الكون، وكأنها تمتطي بساط الريح تسامره وتحادثه بأسلوبها العذب وصوتها الساحر الفنان حتى تمكنت منه تتركه عند الصباح متعباً ينام من غير حراك، وأثبتت بكل ذكاء أن الإنسان طفل في جميع مراحل عمره تستهويه الحكايات في جميع مراحل الزمن من المهد إلى اللحد، وكان أعظم ما أنجزته هو تحول زوجها من الظلمة إلى النور، ثم صارت بعد شريكة حكمه وسيدة قصره، وما زالت سيرتها تتناقلها الأجيال على مر الزمن، وبقيت الشغل الشاغل لفكر المفكرين وحديث أدبائنا الكبار فماذا قالوا عنها؟!
جعلها (العقاد) عروساً لأحلى قصائده حين قال:
أضمر الشر للنساء حقودا / وأبى الحقد أن يكون رشيدا
فشهريار عند العقاد هو الطاغية المجنون المضمر الشر لكل امرأة منذ كشف خيانة زوجه الملكية له، فوصفه العقاد:
حقرت عهده فتاة فآلى
لا يصوننّ للنساء عهودا
وأقسم شهريار أن ينتقم من كل فتاة تقضي معه ليلة فيذبحها يقول العقاد في ذلك:
فله طلعة بها أجل الغيد /رهين يستنجز الموعودا
زهرات يشمها ثم يبريبشبا /السيف غصنها الأملودا
آنفاً أن يمس غير شبا /السيف نحوراً يلهو بها وقدودا
لكن شهرزاد غيرّته بعد أن عرفت داءه ودواءه فقال:
عرفت طب دائه شهرزاد/فدعته وهو الشقي سعيدا
كان فظاً فؤاده مغلق النفس/كظيماً لا يستلان عنيدا
فآلانته بالمقال فأصغى/ومن القول ما يلين الحديدا
وأرته أحاظي الناس من قبل/نحوساً مقسومة وسعودا
وهكذا تمكنت شهرزاد- برأي العقاد- من علاج شهريار حين أبصر في مرآة الحياة ليجد نفسه ليس وحيداً.
أما (عزيز أباظة) فقد أبدع حين استوحت روحه من طيوف «شهرزاد» حديثها لأختها «دنيازاد» عن خطتها النبيلة في إمكانية علاج السفاح، فصاغ الحوار شعراً رقيقاً فقال:
أختاه، قد جئت لأجلو له/في ليله الحالك قصد السبيل
حسبي إذا أحسنت تذليله/أن يظفر الملك بملك نبيل
وتتقي الأمة تقتيله/أبكارها في حقد طاغٍ صؤول
كما يصف أباظة وقفتها الشامخة أمام والدها نور الدين وزير الملك، وقد توسل إليها أن تترك هذا الأمر فأجابته:
إن أشياء في سويداء نفسي/مرهصات بباسقات الأمور
منبئات بأن للملك برءاً/في وشيك من الزمان قصير
أن حرباً شعواء بين زحوف/الخير والشر والهدى والفجور
تتلظى في نفسه وكأني/أبصر النصر كالصباح المنير
وفي الختام بعد انتهاء العلاج وشفاء شهريار يخاطبها قائلاً:
خذي بيدي يا شهرزاد وحطمي/كبولي فإني كالأسير أسير
مللت حياتي إنها كهف آبق/معنّى، وقبر لو علمت كبير
وقد ألقى الأستاذ «توفيق الحكيم» شهرزاد في مستنقع وبيء، وهو- أي الحكيم- المعروف بعداوته للمرأة، وهذا ما جعل الدكتور «طه حسين» يحس بتأنيب الضمير أمام روح شهرزاد التي عاتبته على ما يبدو، فأغرى الدكتور طه الحكيم أن يشتركا في تأليف قصة «القصر المسحور» التي هي ملف قضية ستعرض حوادثها أمام محكمة الزمن، ولم تنصف المحكمة شهرزاد من توفيق الحكيم، ولكن أنصفها النقاد الذين حكموا عليه في النهاية بأنه لن يدخل الجنة بسبب عداوته لحواء، وقال نفر آخر من الظرفاء: سيترك الجنة بمحض إرادته لأن بها الحور المقصورات في الخيام، وقد حاول الحكيم أن يتملص من اتهامه بحجة أن من حق الأديب أن يتلقى أشخاصه كما يريد لهم فنه على ترقيته وتجديده واصطناع الأناة كي يكون دقيقاً ومتقناً في تصويره وتعبيره، وساعده في ذلك رأي الدكتور طه حسين: إن الأديب حرُّ في أن يجعل الصالح طالحاً، والطاهر دنساً.
لكن الأستاذ «محمد فريد أبو حديد» قال رداً على ذلك: إن النقاد لهم الحق في الحرية لا يقل عن حق الأدباء في حريتهم، فلهم أن يعلنوا عن إنكارها، أو أن يجهروا بالإعجاب إذا أعجبوا.
وهذا ما جعل الدكتور طه حسين يختلف مسلكه إزاء شهرزاد عن مسلك الحكيم، فهي- برأيه- الملكة الرشيدة الباحثة عن الفضيلة في أبهى حللها ذات عقل مشرق ونظر بعيد.
أما «جورج ليكونت» وهو عضو الأكاديمية الفرنسية الذي كتب مقدمة الطبعة الفرنسية لمسرحية «شهرزاد» لتوفيق الحكيم، فقد كتب يقول:
(«شهرزاد» تحت هذا الاسم المثير للأحلام، لا تبحث عن زخرف ألف ليلة وليلة الذي أفرطنا في العلم به، ولا عن بذخ الشرق الذي تواطأنا على المراد منه، كل ما تراه هنا من مناظر: طريق مقفر، ودار تحت جنح الليل، وانعكاس مضجع ملكي يضطرب في بركة من المرمر، ثم رمال الصحراء.. وبين الزهادة المختارة في هذه المناظر، والوجازة المقصودة في هذه السطور تجري مأساة النفس البشرية في كل زمان ومكان. في هذه الفصول تبدو شهرزاد في جوهرها الخاص، عاطلة من لألاء عقودها، ونضار برقعها، وماذا يهم اسمها وملامحها؟ ليكن لها وجه المرأة أو وجه الحظ، أو وجه العلم، أو وجه المجد، فلن تكون شيئاً آخر غير القمة البرّاقة التي تتجه إليها وتتهالك عليها مطامح الإنسان، والواحة التي تلهب ظمأه دائماً، ولا تطفئه أبداً، والموضع الذي لا ظل للرحمة فيه، حيث يتلاقى أمله الرغيب وهمه المتبدد، وكلاهما وفي للآخر ذلك الوفاء الفاجع المحزن).
فشهريار وشهرزاد يمثلان ذلك التصادم العارم بين القلق في الإنسان وسر الأشياء، فمنشأ العظمة في القلق الإنساني هو أنه عضال لا طب له.
وعن تقويم عمل توفيق الحكيم قال: «كان لابد من شاعر يجرؤ على ذلك، ولابد أن يكون هذا الشاعر شرقياً دقيق الحس، خصب القريحة كتوفيق الحكيم ليروض الصعب في مثل هذا العمل بهذا الوصف الفني العربي البارع الذي لا يزال يدهش ذهننا الديكارتي بعض الدهشة قبل أن يفتنه كل الفتون».
وعلق لونبييه بول مؤسسة مسرح اللوفر بباريس على كلمة جورج ليكونت بقوله: «لقد أحسن القول على أن هذا الأثر خليق أن يمثل على المسرح الفرنسي بذوق وفهم حتى يبقى للشعر جماله وعمقه».
وستبقى شهرزاد مثار جدل بأزيائها المختلفة التي تناسب كل عصر وكل آن.

.

.
 
أعلى